لا تتعامل جماعة الحوثي مع مناسباتها كطقوس تخصُّ أتباعها، بل تفرضها على المشهد العام، ففي مناسبة المولد النبوي تَغرق صنعاء باللون الأخضر، مع إلزام التجار والسكان بتزيين المحال والمنازل والشوارع باللافتات والأضواء الخضراء. شاهد عيان روى لـ(لمنبر اليمني) حادثة تعرضت لها طبيبة، تُدير عيادة يملكها والدها في صنعاء، بعد تأخرها في تنفيذ تعميم حوثي يُلزم المحلات والمؤسسات بطلاء الأبواب باللون الأخضر، وتعليق الزينة واللافتات خلال 48 ساعة، وقال: إن مسلحين حوثيين اقتحموا العيادة، وهددوا بإغلاقها واعتقال الفتاة قبل أن يتدخَّل التُّجار المجاورون لإقناعهم بإمهالها 24 ساعة إضافية، ما اضطرها إلى استدعاء والدها من محافظة أخرى لتنفيذ التعليمات.
قبل كلِّ مناسبة تُقيمها جماعة الحوثي يبدأ راجح سنان (اسم مستعار)، وهو ضابط سابق يقيم في شمال محافظة عمران، في حساب تكاليف اللافتات والشعارات والتنقّل، ويتساءل ما إذا كان حضوره وحده كافيًا أم أن عليه اصطحاب أبنائه وأحفاده أيضًا حتى لا يُصنَّف ضمن "المتخاذلين".
في سبتمبر الماضي استدان الرجل الخمسيني 20 ألف ريال للمشاركة في فعالية "المولد النبوي" بمدينة عمران، بعد أن طُلب منه الحشد للمناسبة. وقال لـ(المنبر اليمني): إن المسألة لم تعد مرتبطة بالقناعة بقدر ما باتت اختبارًا دائمًا للولاء، فالمشرفون الحوثيون يتابعون من حضر ومن غاب، ومن التزم بالتعليمات.
وعلى امتداد المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيا الحوثية يعيش السكان معاناة خانقة تحت وطأة جبايات متلاحقة، وتبرعات قسرية، ومناسبات لا تنتهي. ومنذ سيطرتها على صنعاء أواخر 2014م، استحدثت ميليشيا الحوثي عشرات المناسبات الدينية والسياسية والطائفية، وحوّلتها تدريجيًّا إلى منظومة تعبئة وجباية وإخضاع اجتماعي، تمتدُّ من الأسواق والمؤسسات إلى الأحياء السكنية، وتثقل حياة المواطنين بأعباء مالية ونفسية متزايدة.
مراقبة وخوف دائم:
أحمد معروف (42 عامًا) من أبناء محافظة الحديدة، قال إنه يضطرُّ إلى حضور الفعاليات الحوثية "اتّقاءً شرّ المشرفين"، الذين يمتلكون نفوذًا واسعًا وصلاحيات تصل إلى الاعتقال والتنكيل، وحتى القتل. وأكد لـ(المنبر اليمني) أن الحضور أصبح معيارًا للولاء بالنسبة للجماعة، مبينًا أن الغالبية يشاركون خوفًا من (الوشايات والتشكيك)، أو التعرُّض للعقوبة.
وامتدَّ هذا الخوف إلى تفاصيل الحياة اليومية، يقول عادل (38 عامًا): إنه اضطر مؤخرًا إلى مغادرة صنعاء والنزوح إلى الغيضة بمحافظة المهرة، بعد موقف غيّر نظرته كليًّا للحياة تحت سلطة الحوثي: في يوليو الماضي طرق مسلح حوثي باب منزله وسلّمه ظرفًا يطالبه بالتبرع لدعم فعاليات عاشوراء، وحين أخبره بأنه لا يملك مالًا، ردَّ عليه المسلح بأنهم يعرفون أنه الوحيد في الحارة الذي يشتري نقدًا من البقالة. قال عادل: إن تلك العبارة صدمته، وجعلته يغادر فورًا، ورغم صعوبة ظروفه في المهرة، فإنه يشعر بقدر من الأمان، مضيفًا: على الأقل لا أحد هنا يراقب ما تشتري، وكيف تدفع.
منظومة ترهيب:
في هذا السياق قال أمين عام منظمة مساواة للحقوق والحريات نجيب الشغدري: إن ميليشيا الحوثي تعتمد على منظومة ترهيب وابتزاز لإجبار المواطنين على المشاركة في فعالياتها، تارة بالتهديد، أو ربط الحضور بالوظيفة أو المساعدات أو الامتيازات الاجتماعية. وأضاف لـ(المنبر اليمني) أنها تتعامل مع عدم المشاركة كموقف معادٍ يترتب عليه المراقبة، أو المضايقات، أو الاعتقال، معتبرًا ذلك انتهاكًا لحرية الرأي والمعتقد.
وذكر أن منظمته وثقت حالات اعتقال وتهديد وابتزاز طالت مواطنين وموظفين وتجَّارًا رفضوا حضور الفعاليات، أو دَفْعَ جبايات، أو رَفْعَ شعارات ميليشيا الحوثي، إضافة إلى حالات إخفاء قسري وتعذيب بتُهم الخيانة والعمالة، وهي تُهم تُستخدم لقمع المعارضين وتخويف المجتمع.
قمع وتعبئة:
لا تتعامل جماعة الحوثي مع مناسباتها كطقوس تخصُّ أتباعها، بل تفرضها على المشهد العام، ففي مناسبة المولد النبوي تَغرق صنعاء باللون الأخضر، مع إلزام التجار والسكان بتزيين المحال والمنازل والشوارع باللافتات والأضواء الخضراء. شاهد عيان روى لـ(لمنبر اليمني) حادثة تعرضت لها طبيبة، تُدير عيادة يملكها والدها في صنعاء، بعد تأخرها في تنفيذ تعميم حوثي يُلزم المحلات والمؤسسات بطلاء الأبواب باللون الأخضر، وتعليق الزينة واللافتات خلال 48 ساعة، وقال: إن مسلحين حوثيين اقتحموا العيادة، وهددوا بإغلاقها واعتقال الفتاة قبل أن يتدخَّل التُّجار المجاورون لإقناعهم بإمهالها 24 ساعة إضافية، ما اضطرها إلى استدعاء والدها من محافظة أخرى لتنفيذ التعليمات.
ويرى الشغدري أنّ الإكراه على المشاركة والحضور من أبرز الانتهاكات المصاحبة لعمليات الإعداد والحشد للفعاليات، واصفًا تلك الفعاليات بأنها جزء من منظومة القمع والتعبئة والسيطرة المجتمعية. وأضاف أنّ ميليشيا الحوثي تستخدم المساجد والمدارس والمؤسسات العامة منصات تعبئة أيديولوجية وطائفية، مما يعمّق الانقسام المجتمعي، ويُعيد إنتاج خطاب الكراهية والثأر والعنف، مؤكدًا أن الأطفال والشباب هم الفئة الأكثر تعرضًا للتعبئة الفكرية المتطرفة.
جبايات خانقة:
وعلى امتداد العام تتحول هذه المناسبات إلى مواسم جباية متكررة تستنزف التجار والمواطنين، ومن بين المتضررين الشاب أكرم من أبناء محافظة المحويت، الذي اضطر في سبتمبر الماضي إلى إغلاق بقالته في منطقة شملان شمال صنعاء، وقال لـ(المنبر اليمني): إنه افتتح المشروع لإعالة والدته وإخوته الصغار، لكنه وجد نفسه غارقًا في الديون، وعاجزًا عن الاستمرار في ظل ركود السوق وتراجع القدرة الشرائية. وأضاف أنّ الدخل اليومي لم يكن يكفي لتغطية الإيجار والمصاريف والجبايات التي يفرضها الحوثيون تحت مسمّيات متعددة، لينتهي به الحال إلى الإفلاس والإغلاق. وفي الأشهر الأخيرة قبل الإغلاق اضطر إلى إتلاف بضائع انتهت صلاحيتها بسبب الركود، وقال إنّ الحوثيين لا يراعون ظروف التاجر، بل يضعونه أمام خيارات: الدفع نقدًا، أو عينًا، أو السجن.
ولا يختلف الوضع كثيرًا بالنسبة لصلاح الشرعبي مالك سوبر ماركت في شارع الأربعين بصنعاء، الذي قال إنّ الجبايات الحوثية المتوالية أصبحت الهَمَّ الأكبر له ولمعظم التجار، وأوضح لـ(المنبر اليمني) أنّ ميليشيا الحوثي تفرض في موسم المولد مبالغ تتراوح بين 50 و100 ألف ريال على السوبر ماركت، وأضعافها على محلات الجملة، وتفرض على البقالات بين 20 و30 ألف ريال، إضافة إلى تكاليف الزينة وطلاء الأبواب ورفع اللافتات الدينية. وأفاد بأنَّ دخله اليومي لا يكفي لتغطية الإيجار والكهرباء والمصروفات الأساسية، ما يضطره أحيانًا إلى تقديم مواد عينية بدلًا من النقود لتفادي الإغلاق أو الاعتقال، وقال: إن الحوثيين أجبروا بعض التجار على توقيع تعهدات بالدفع، وداهموا منازل آخرين لرفضهم أو عجزهم عن دفع جبايات بالملايين، ونهبوا مخازنهم، واتهموهم بالفساد وتجارة المخدرات.
مواسم ابتزاز:
هذه الشهادات ليست استثناءً، ففي محافظة إب قالت منظمة الجَنَد لحقوق الإنسان: إنها رصدت في عام 2020م نحو (1970) جريمة ابتزاز مالي وفرض إتاوات على تجار وباعة وملاك مؤسسات وطلاب وأطباء وحرفيين ومهنيين، وأضافت المنظمة أنّ الانتهاكات شملت مداهمة ونهب نحو (250) منزلًا ومتجرًا ومؤسسة، مؤكدة أنّ ميليشيا الحوثي حوّلت المناسبات التي استحدثتها إلى مواسم للجباية والابتزاز، وجنت منها مليارات الريالات.
ووصف الحقوقي الشغدري هذه الممارسات بأنها صورة من صور الابتزاز المالي، والإثراء غير المشروع، واستغلال السلطة المفروضة بحكم الأمر الواقع.
منظومة استنزاف وإفقار:
من جانبه قال الخبير الاقتصادي محمد الجماعي: إنّ المناسبات الحوثية تحوّلت إلى عبء دائم على التجار والمواطنين، فميليشيا الحوثي تتعامل معها كـمواسم جباية وتعبئة وفرض ولاء، لا كطقوس دينية أو اجتماعية، ووصفها بأنها منظومة استنزاف اقتصادي ممنهج، تُدار على مدار العام، هدفها الإثراء، والإفقار، والإنهاك، ويدفع ثمنها المواطن البسيط والتاجر المنهك، موضحًا أنّ ميليشيا الحوثي أوجدت اقتصاد جباية موازيًا يقوم على تحويل كل مناسبة إلى فرصة لاقتطاع المزيد من الأموال.
وأكَّد لـ(المنبر اليمني) أنّ هذه الجبايات تشمل جميع القطاعات التجارية والمهنية والخدمية، وتُفرض تحت مسمّيات متعددة، مثل: دعم الفعاليات، والزكاة، والمجهود الحربي والقوافل. وأضاف أنه يصعب تحديد رقم دقيق لحجم الأموال التي تجنيها ميليشيا الحوثي سنويًّا؛ لأنها تتم خارج أي إطار مالي شفاف، مبينًا أنّ كل مناسبة رئيسة تتفرَّع إلى عشرات الفعاليات المصاحبة للحشد والجباية.
وصنف الجماعي المناسبات الحوثية إلى أربعة أنواع: مذهبية، وطائفية سياسية، وتعبوية عسكرية، ومناسبات مرتبطة بملفات خارجية، لافتًا إلى أنّ المناسبات المذهبية هي الأكثر استنزافًا من حيث الحشد والجباية، وأشار إلى وجود ٣٠ إلى ٤٠ مناسبة سنوية رئيسة، تتبعها وتنبثق منها مئات الفعاليات الفرعية؛ وهذا يجعل عمليات الجباية والتعبئة مستمرة طوال العام. وأوضح أنّ الاستنزاف لا يُقاس بعدد المناسبات فقط، وإنما بتكرار دورة التحشيد والجباية، مبينًا أنّ المناسبة الواحدة تفتح قنوات إنفاق وجمع أموال متعددة، تبدأ بالحشد والتزيين وجمع التبرعات، وتنتهي بالحشود المركزية والنفقات الإعلامية.
ويضع الجماعي المولد النبوي في صدارة الفعاليات المذهبية، واصفًا إياه بأنه أكبر موسم سنوي للحشد والتعبئة، يبدأ بفعاليات مركزية، ثم يتشعَّب إلى سلسلة فعاليات فرعية على مستوى المحافظات والمديريات والمؤسسات والقطاعات المختلفة.
صدمات عنيفة:
أوضح الخبير الجماعي أنّ الإنفاق الموسمي المتكرر طوال 11 عامًا أحدث صدمات عنيفة للنشاط التجاري، شملت تآكل سيولة التجار، وارتفاع الأسعار، وتراجع حركة التجارة والاستثمار، وأضاف أنّ الشهادات المتكررة من التجار وبيانات الغرف التجارية تشير إلى تراجع واضح في الحركة التجارية بسبب تعدد الجبايات، وضعف القدرة الشرائية، والخوف من الحملات المفاجئة، وتكاليف المشاركة القسرية في الفعاليات. وأشار إلى مفارقة لافتة تتمثل في إنفاق ميليشيا الحوثي مبالغ ضخمة على الحشود والزينة واللافتات والنقل والإعلام، في حين يعيش ملايين المواطنين تحت ضغط الفقر، وانقطاع الرواتب، وارتفاع الأسعار.
جذور إيرانية ومخاطر مستقبلية:
قال مدير مركز العاصمة الإعلامي حفظ الله الحصماني: إن المناسبات الحوثية أدوات تعبئة أيديولوجية وسياسية، تُستخدم لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، خصوصًا لدى الأجيال الجديدة، وأضاف أنّ ميليشيا الحوثي عمدت إلى استنساخ فعاليات وشعارات وأنماط احتفال ذات جذور مرتبطة بالنموذج الإيراني، ولم تكن موجودة في المجتمع اليمني بهذا الشكل أو بهذا البعد التعبوي.
ويَكْمُنُ الخطر، وفقًا للحصماني، في توظيف هذه المناسبات لتكريس خطاب طائفي قائم على الاصطفاء السلالي والتمييز المذهبي؛ لأن هذا يؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل المجتمع اليمني. وأضاف أنّ هذه الفعاليات تستخدم أيضًا وسيلة للتعبئة العسكرية والحشد الطائفي عن طريق ربط المناسبات الدينية بخطاب الصراع والولاء السياسي، وتحويلها إلى منصات لغرس مفاهيم العداء للآخر، وتقديس ميليشيا الحوثي وقيادتها، وأشار إلى أن استمرار هذا النهج يهدد فرص السلام والتعايش؛ لأنه يُعيد إنتاج الهويات الضيقة على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
ويتفق الشغدري مع هذا الطرح، مؤكدًا أنّ تلك المناسبات أصبحت منصات تعبئة سياسية وعسكرية، تُستخدم لإعادة إنتاج الخطاب الحربي والطائفي، واستقطاب المقاتلين، خصوصًا الأطفال والشباب، ويتم فيها تقديم الصراع بصيغة عقائدية ومذهبية، مع تصوير الخصوم كأعداء للدين، أو امتداد تاريخي لخصوم دينيين قدامى، مما يعزز الكراهية والانقسام المجتمعي، ويطيل أمد النزاع.
احتفالات وجوع:
تتواصل وتيرة الفعاليات الحوثية بالتوازي مع تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن، خصوصًا في المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي، مع توقف المرتبات وتدهور الخدمات وانعدام فرص العمل. وتوضّح التقديرات الأممية للنصف الأول من عام 2026م أنّ اليمن ما يزال يواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، فيحتاج أكثر من 22 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية والحماية، ويواجه أكثر من 18 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، ويواجه ملايين الأطفال مخاطر الحرب والنزوح والحرمان من الخدمات الأساسية.
وبينما يعيش ملايين اليمنيين تحت خط الفقر تتحول هذه المناسبات من طقوس احتفالية إلى أدوات للقهر والإفقار، تُنتزع فيها الأموال والولاءات بالقوة.

فارس السريحي
كاتب صحفي
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





