المنبر اليمني
اقتصاد الطقوس.. المناسبات الحوثية منظومة جباية واستنزاف!
تقارير

اقتصاد الطقوس.. المناسبات الحوثية منظومة جباية واستنزاف!

محمد الجماعي

محمد الجماعي

صحفي اقتصادي

25 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

منذ سيطرة الحوثي على صنعاء ومؤسسات الدولة لم تعد المناسبات الدينية والسياسية فعاليات رمزية أو اجتماعية، فقد تحولت تدريجيًّا إلى جزء من منظومة اقتصادية تعبويّة واسعة تُدار على مدار العام، وتُستخدم أداة للجباية، وإعادة إنتاج الولاء، وتعزيز الهيمنة الاجتماعية والسياسية، وتحولت إلى مواسم تعبئة شاملة تُموَّل بواسطة شبكات واسعة من الجبايات المالية والإلزام المباشر وغير المباشر، تحت لافتات دينية، أو ثورية، أو اجتماعية ذات طابع طائفي ومذهبي.

ويمكن على وجه الدقة تسميتها منظومة استنزاف اقتصادي مُمنهج تُدار على مدار العام، هدفها الإثراء، والإفقار، والإنهاك، حسب مستوى تقسيم الفئات: (التابعة لها، المجتمع ككل) يدفع ثمنها المواطن البسيط، والتاجر المنهك، وأصحاب الدخل المحدود، في ظل اقتصاد جباية موازٍ يحوّل كل مناسبة دينية أو سياسية أو عسكرية إلى فرصة لاقتطاع أموال جديدة من جيوب الناس.
مناسبات لا تتوقف
توسعت في السنوات الماضية أجندة الحوثيين المرتبطة بالمناسبات بصورة غير مسبوقة، وصار من الصعب العثور على شهر يخلو من فعالية طائفية مركزية، أو حملات تعبئة. وإذا حاولنا تصنيف المناسبات سنجد صعوبة في إعطاء رقم دقيق لحجم الجبايات السنوية؛ لأنها تتم خارج أي إطار مالي شفاف، لكن المؤكد أنها تشمل فئات وقطاعات واسعة: التجار، وملاك المحلات، والمدارس الحكومية والأهلية، والموظفين، وركاز الأرض، والمزارعين، وشبكات القطاع الخاص، وكافة قطاعات المهن المختلفة. وكلها تُفرض تحت مسميات متعددة، مثل: دعم الفعاليات، المولد، القوافل، الزكاة، النظافة، المجهود الحربي، ورمضان. 
وتتنوع هذه المناسبات بين: مناسبات مذهبية ودينية، كالمولد النبوي، وعاشوراء، والغدير، والإسراء والمعراج؛ ومناسبات سياسية وطائفية، كـ 21 سبتمبر، ويوم الصرخة، وذكرى التأسيس، ويوم الشهيد؛ ومناسبات تعبوية وعسكرية، كأسبوع المجهود الحربي، وتخريج دفعات عسكرية، وذكرى مصرع قيادات، والأعراس الجماعية؛ ومناسبات مرتبطة بالقضايا الخارجية، كحرب غزة، وفلسطين، والمقاطعة، ومَسِيْرَات وحملات التبرع الأسبوعية. أي إن هناك من ٣٠ الى ٤٠ مناسبة (سنوية) رئيسة فقط، تتبعها وتنبثق عنها مئات الفعاليات الفرعية، وبالتالي سيقفز الرقم إلى مئات الفعاليات سنويًّا؛ فالجباية أو الاستنزاف لا يُحتسب بعدد المناسبات فقط، بل بتكرار دورة التحشيد والجباية لكلِّ فرصة احتلاب.
والخطورة  قد لا تكمن في عدد المناسبات فحسب، بل في طبيعة البنية المصاحبة لها، فكل مناسبة رئيسة تتحوَّل إلى عشرات وربما مئات الفعاليات الفرعية الممتدة على مستوى المحافظات، والمديريات، والأحياء، والمؤسسات الحكومية، والجامعات، والمدارس، والأسواق؛ وهو ما يجعلها دورة تعبئة اقتصادية وإعلامية واجتماعية متكاملة؛ فالمولد – مثلًا - يبدأ مركزيًّا، ثم ينشطر الى مئات الفعاليات على مستوى كل محافظة، ومديرية، ومكتب حكومي، وشركات، وقطاعات اقتصادية، ومراكز تعليمية، ومدارس، ومعاهد، وجامعات، وأندية، وأحياء... الخ، وهذا وحده يكشف عن أن المناسبة الواحدة ليست حدثًا منفصلًا بل حملة متعددة المراحل. 
مناسبة واحدة فقط تُوَلِّدُ قنوات استنزاف نقدية وعينية مصاحبة، كحملات الزينة والإضاءة، والجبايات من التجار الكبار والصغار، والهدايا، والمأكولات، والمشروبات، والمطبوعات التي تُوزَّع على الحشود، إضافة إلى اللوحات العملاقة التي تستحوذ على سوق الإعلانات في الشوارع، وتسبب في شلله بشكل شبه كلي، وتتسبب في شلل آخر في عموم المدارس والجامعات ...إلخ، فضلًا عن ضخامة تكلفة الإنتاج الإعلامي المصاحب للتغطية الإعلامية الموسعة.
يمكنك رصد أرقام مهولة من مصادر إعلامية حوثية، كوكالة سبأ بنسختها الخاضعة للجماعة 18 ساحة نسائية بمحافظة صنعاء وحدها، 17 ساحة جماهيرية بمحافظة صنعاء أيضًا، ولجان وزارية للحشد، وخطط تنفيذية، تشمل: لقاءات، وأمسيات، وزيارات، ومبادرات، وجامعات تنظم برامج رياضية وثقافية خاصة بالمناسبة... الخ.
مواسم نهبوية:
ترتبط بهذه المناسبات شبكة واسعة من الجبايات الحوثية التي تتخذ أشكالًا متعددة، أبرزها:
فرض مساهمات مالية مباشرة على التجار ورجال الأعمال.
إلزام المحلات والأسواق بالمشاركة في حملات الزينة والإضاءة.
تنظيم حملات جباية (التبرعات) تحت مسميات دينية أو عسكرية.
فرض رسوم غير رسمية على الشركات ومؤسسات القطاع الخاص.
جمع جبايات عينية، تشمل: الأغذية، والمشروبات، والخيام، ووسائل النقل، والطباعة.
ويقول عدد من المشاركين لكاتب التقرير: إنهم يعودون من احتفال المولد النبوي محمّلين ببعض المواد الرمزية، مثل: الشوكولاتة، والمياه، والحلوى الطحينية، والعصائر، وعدد من الملصقات الدعائية. وهذه الالتزامات تُفرض خارج أي إطار قانوني أو مالي، ما يجعلها جزءًا من اقتصاد موازٍ قائم على النفوذ والإكراه. ويؤكد تجار وأصحاب محلات في صنعاء ومدن أخرى أنّ مواسم مثل المولد النبوي ورمضان تمثل فترات ضغط اقتصادي حاد، نتيجة تعدد الالتزامات المالية، والخوف من الاستهداف، أو الإغلاق، أو الحملات الميدانية في حال الامتناع عن الدفع، أو عدم التفاعل مع الفعاليات.
ويعمد الحوثيون في المواسم المركزية إلى تحويل الشوارع والأسواق إلى ساحات تعبئة بصرية ضخمة، يتم إغراقها باللافتات واللوحات والشعارات والإضاءات الخضراء، بينما تُوجَّه المؤسسات التعليمية والإدارية إلى المشاركة في الفعاليات والحشود على نفقتها الخاصة، بما يخلق حالة تعطيل شبه واسعة للحياة الطبيعية.
وما نقصده بالاستنزاف هنا هو الإنفاق الموسمي المتكرر في أوجه الصرف والبذخ الممتد على كامل جغرافيا الخضوع والسيطرة طوال أحد عشر عامًا، والذي أدى إلى صدمات عنيفة على مستوى الاقتصاد الجزئي (شركات وقطاع خاص)، وكلّ ذلك يضاف الى الجنايات الاقتصادية الممنهجة التي يتبناها الحوثيون كسياسة ثابتة ضد الاقتصاد الكلي.
اقتصاد تعبوي لا إنتاجي:
اقتصاديًّا، لا تمثّل هذه المواسم نشاطًا تنمويًّا أو استثماريًّا، بل تندرج ضمن ما يمكن وصفه بـ(الاقتصاد التعبوي)، وهو نمط إنفاق قائم على إعادة تدوير الموارد داخل منظومة الحشد والسيطرة دون إيجاد قيمة إنتاجية حقيقية. تقول المصادر: في الغالب تكون إدارة التشييع والحشد تحت قيادة واحدة؛ كونها تؤدي الغرض نفسه: التحشيد.
والإنفاق الضخم على الحشود، والزينة، والنقل، والدعاية، والفعاليات الإعلامية والتغطيات والفرق الاعلامية، والمجسمات... إلخ، لا يقابله أي تحسُّن في الخدمات أو البنية الاقتصادية، أو مستوى معيشة الشعب، بل على العكس، يحدث ذلك في بيئة تعاني أصلًا من انقطاع الرواتب، وتدهور العملة، وارتفاع الأسعار، واتّساع رقعة الفقر، وتراجع النشاط التجاري، وفي المحصلة فإنّ هذا النمط من الجباية الموسمية يؤدي إلى عدة آثار اقتصادية مباشرة، كاستنزاف السيولة لدى التجار، وتحميل التكاليف على أسعار السلع والخدمات، وإيجاد بيئة استثمارية قلقة وغير مستقرة؛ بسبب تعطيل أيام العمل والإنتاج، إضافةً الى توسّع الاقتصاد الموازي القائم على الجباية والابتزاز؛ مما يدفع كثيرًا من أصحاب الأعمال إلى تقليص نشاطهم أو العمل بحذر شديد، في ظل غياب الضمانات القانونية، وتعدد مراكز التحصيل غير الرسمية.
تعطيل المجتمع والإنتاج:
يمتدُّ أثر هذه المناسبات من الجانب المالي إلى تعطيل واسع للحياة العامة والإنتاج؛ ففي المدارس والجامعات والأسواق تتراجع الحركة الطبيعية لصالح الأنشطة المرتبطة بهذه المواسم، وبحسب مراقبين، دأبت ميليشيا الحوثي في سنوات الحرب على إبقاء المجتمع في حالة تعبئة سياسية ونفسية مستمرة، ما يقلل مساحة الحياة الطبيعية خارج إطار الجماعة ورمزيتها المرتبطة بالبُعد الفكري والطائفي لمشروعها، وكذا المفاهيم المرتبطة بما يسمى بـ(الاصطفاء، والولاية، ودعاوى الحق الإلهي) وفق سردية الحوثي التي تؤدي في النهاية إلى الانقسام الطائفي داخل المجتمع اليمني. 
ويوظَّف الخطاب التعبوي المصاحب لهذه المواسم في تكريس حالة الاستقطاب، وذلك بتقسيم المجتمع إلى موالين ومعادين، أنصار وأعداء، مؤمنين ومنافقين؛ وهو خطاب يعيد إحياء إرث طويل من الصراعات المذهبية والسياسية في المنطقة، ويمنح الجماعة مبررًا دائمًا للحشد والتعبئة والتخوين.
الطقوس أداة سلطة:
في الحالة الحوثية تبدو المناسبات جزءًا من بنية حكم متكاملة، تُستخدم فيها: الجباية لتمويل النفوذ، والحشود لإظهار السيطرة، والرمزية الدينية لإضفاء الشرعية، والخطاب الطائفي لإعادة تشكيل الولاء. وقد تحدَّثت تقارير صحفية وحقوقية عن إغلاق متاجر واعتقال ملاكها لرفضهم الدفع، خصوصًا في مواسم رمضان والمولد. لا توجد إحصائية دقيقة عن نسبة إغلاق المحلات أو تراجع النشاط، لكن الشهادات المتكررة من التجار وبيانات الغرف التجارية الصناعية واتّحادها العام، تشير إلى تدهور واضح في الحركة التجارية، بسبب تعدد الجبايات، وضعف القدرة الشرائية، والخوف من الحملات المفاجئة، وتكاليف المشاركة القسرية في الفعاليات. وتؤكد مصادر دولية أنّ الحوثيين يُموّلون سلطتهم من الضرائب غير المشروعة، والابتزاز التجاري، والسيطرة على الاقتصاد الموازي. 
وقد أصبحت المواسم والمناسبات الحوثية جزءًا من اقتصاد سياسي قائم على الاستنزاف المستمر للمجتمع، وإبقاء السكان داخل دائرة دائمة من التعبئة والخوف والإنهاك الاقتصادي. وبينما يتآكل الاقتصاد الحقيقي، ويتراجع الإنتاج وتضيق فرص العمل، يستمر اقتصاد الطقوس والجباية في التوسع والنمو، بوصفه أحد أبرز ملامح اقتصاد الحرب الذي تشكّل في سنوات الحرب الحوثية على الشعب اليمني.

شارك هذا المقال
محمد الجماعي

محمد الجماعي

صحفي اقتصادي

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

كيف نسج اليمن قواعد اشتباك تربك الحوثيين؟
تقارير

كيف نسج اليمن قواعد اشتباك تربك الحوثيين؟

لم تعد المواجهة بين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والجماعة الحوثية المدعومة من إيران تدور وفق المعادلة العسكرية التي استقرت عليها خطوط التماس منذ 2022، إذ أظهر التصعيد الأخير الذي بدأته الجماعة تحولاً لافتاً في أداء القوات الحكومية، التي بدأت نسج قواعد اشتباك جديدة أربكت الميليشيات، وتنتقل من موقع الدفاع والاحتواء إلى مرحلة الضربات الاستباقية، مستفيدة من سلاح المسيّرات وتطوير قدرات الاستهداف الدقيق.

علي ربيععلي ربيع3 سبتمبر 2026
تحالف إرهابي بين القاعدة والحوثيين
تقارير

تحالف إرهابي بين القاعدة والحوثيين

في أمسية دافئة، انطلق جبريل يحيى علي “ذو الذراع الواحدة” وعروسه الجديدة في رحلة شهر عسل بالسيارة على طول الشاطئ خارج مدينة الغيضة في اليمن.

ههيئة التحرير3 سبتمبر 2026
«21 سبتمبر».. الكارثة الحوثية التي دمّرت اليمن وأغرقته في الحرب والمجاعة
تقارير

«21 سبتمبر».. الكارثة الحوثية التي دمّرت اليمن وأغرقته في الحرب والمجاعة

لم يكن 21 سبتمبر 2014 مجرد يوم سقطت فيه العاصمة صنعاء بيد جماعة الحوثي المدعومة إيرانيًّا، بل لحظة انحراف لمسار الدولة اليمنية، ودخول البلاد في مرحلة طويلة من الحرب والانهيار والتشظي. فبمجرد سيطرتها على صنعاء شرعت هذه الجماعة الإرهابية في تفكيك مؤسسات الدولة وإفراغها من فاعليتها، وتوسيع الحرب لاستكمال السيطرة على البلاد، وفرض واقعًا قائمًا على الهيمنة والتعبئة الطائفية.

فارس السريحيفارس السريحي26 أغسطس 2026