هذا الخطاب المتطرف يحمل دلالاته العقائدية المذهبية التي تنسب لفكرها أحقية الإيمان، وصحة الآراء، وأنه المرجعية الممثلة لله تعالى... بكل هذا الغلو! وهو في الوقت نفسه يطعن في إيمان التابعين لمدارس المذاهب الأربعة المشهورة، ويطعن في إيمان أهل اليمن عبر التاريخ الإسلامي.
هذا ما تمثّله الدورات الصيفية التي تنظمها جماعة الحوثي في مناطق سيطرتها باليمن، فهي إحدى أهم أدواتها في تشكيل الوعي الجمعي، وصناعة التغيير العقائدي لدى النشء والشباب؛ لأنها جزء من مشروع منهجي منظم لتغيير الهوية اليمنية وفق رؤية عقائدية طائفية، وتكريس ثقافة الولاء والبراء لأعلامهم وفكرهم، وصياغة عقل جمعي جديد يتوافق مع المشروع السياسي والعسكري للحوثيين.
الغايات الطائفية للدورات الصيفية:
أولًا: التغيير العقائدي والطائفي:
يبدأ التأسيس للتغيير العقائدي بصناعة المرجعية المعصومة، وذلك بإيراد خبر مكذوب بأن النبيﷺ قال: (سيخرج رجل من ولدي في هذه الجهة اسمه يحيى الهادي يُحيي الله به الدين) (مقرر: الثقافة الوطنية، ص36).
يبدو بوضوح من المقررات والمضامين المطروحة فيها أن الهدف الأول للدورات هو إحداث تحوُّل عقائدي طائفي لدى الطلاب، فالعبارات الواردة في كلمة عبد الملك الحوثي تؤسس لمفهوم الاحتكار الإيماني، حيث تُنسب أحقية "الإيمان الصحيح"، و"الهوية الإيمانية الصحيحة الأصيلة" للجماعة حصرًا. وهذا يعني ضمنًا أن ما عداه انحراف أو نقص في الإيمان. هذا الطرح المتطرِّف يحمل إقصاء طائفيًّا لأهل السنة بكافة مدارسهم الفقهية التي تتبعها الغالبية العظمى من اليمنيين عبر تاريخهم الإسلامي، بل ويطعن في إيمانهم بشكل مباشر.
وتؤكد المقررات الدراسية هذا التوجه؛ ففي مادة "معرفة الله" للمستوى الأول، تُطرح مفاهيم عقدية خالصة من التشيّع الزيدي كـ "إمامة الهادي"، ومفاهيم المعتزلة كالوعد والوعيد، وتكفير المسلم بمطلق المعصية، وإنكار الشفاعة، والخلود في النار. وهذه جميعها تتناقض مع مفاهيم أهل السنة والجماعة التي تشكل الوعي الديني السائد في اليمن تاريخيًّا.
ثانيًا: التقديس والولاء لقيادة الحوثي:
ورد في أحد مقررات الدورات "أن الإمامة كالنبوة في إبراهيم وذريته، وقد ورثهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذريته في النبوة والإمامة والوصية"، كتاب: ملامح الدولة العادلة ودولة الإمام الهادي، د. خالد علي القروطي: ص15.
ويقول المؤلف: «قال سبحانه: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ فوَرثةُ الكتاب: محمد، وعلي، والحسن، والحسين، ومن أولدوه من الأخيار» (كتاب: ملامح الدولة العادلة ودولة الإمام الهادي: ص16.)
هكذا تُستخدم الدورات آلة لتقديس رموز الجماعة، وترسيخ الطاعة العمياء لقادتها؛ فمادة "محطات من المسيرة القرآنية" تُدرّس سيرة حسين الحوثي وعبد الملك الحوثي، وتُعرّف الطلاب بـ "نشأة المسيرة وإنجازاتها ورموزها"، وتقدم ثقافة "الملازم" التي تمثل المرجعيات الفكرية للجماعة. وتُفرض في الإذاعات المدرسية والأناشيد والزوامل إعلانات البيعة للقائد، وأناشيد التمجيد مثل: "بدر البدور"، و"أضأت دجى الليالي"، و"لا زلت فينا".
وفي أحد المقررات يقول حمود الأهنومي واصفًا عبد الملك الحوثي بأنه "يقدم الإسلام في صورته المحمدية القرآنية، يتصور الإسلام بصورته العالمية التي جاء بها لحلِّ مشاكل البشرية"، (من كتاب قراءة في البعد الديني والإنساني في خطابات عبد الملك بدر الدين الحوثي. حمود عبد الله الأهنومي، ورقة عمل قدمت في الندوة النقاشية "العدوان ومواجهته" التي نظمتها صحيفة صدى المسيرة صباح الأحد 3/4/2016م.)
هذا التكريس يُحدث تحولًا في الوعي الإدراكي للطلاب، حيث ينتقل من النظرة إلى القيادة كشخصيات سياسية إلى التعامل معها كرموز دينية مقدسة، مما يغلق باب النقد ويجعل الطاعة عملًا عباديًّا.
ثالثًا: عسكرة التعليم وغرس العنف القتالي:
شعار "عِلم وجهاد" الذي ترفعه الدورات ليس مجرد إعلان، بل خارطة طريق واضحة لمأسسة العنف في الوعي الإدراكي للأطفال والشباب، يُترجم هذا في مقررات تحرض على الجهاد ضد ما يصفونهم بـ"المنافقين والناكثين والبغاة"، وهؤلاء البغاة ليسوا سوى اليمنيين وكل خصومهم من أهل السنة، وفي أناشيد تحث على القتال، وفي عرض مشاهد القتال في الحروب كجزء من الأنشطة المصاحبة.
يتجاوز الأمر الجانب النظري إلى التطبيق العملي، حيث تُقدم مشاهد من المعارك والصراعات كبطولات مَلْحَمية، وتُدرّس مخاطر أدوات الاستعمار الجديد ووصف الخصوم بأنهم "امتداد بني أمية والنواصب وعملاء أمريكا وإسرائيل". هذه اللغة الحربية المؤدلجة تصنع عدوًا وهميًّا في عقل الطفل والشاب، وتُشعره بأنه في حالة حرب دائمة، مما يبرر لديه العنف ليصبح أداة وحيدة للتعامل مع الآخر المختلف.
مظاهر التأثير في الوعي الإدراكي للطلاب والشباب
أولًا: تشويه صورة الآخر، وإعادة تعريف الانتماء
أخطر ما تنتجه الدورات الصيفية الحوثية هو إعادة تعريف "الآخر" كعدو إيماني، وليس سياسيًّا فقط؛ لأن الطالب يتعلم أن كل من لا يتبع فكر الجماعة هو خارج دائرة الإيمان الصحيح، بل إن دوره الطبيعي هو القتال ضد هؤلاء؛ كما في مادة "قصص حوارية في الأخلاق القرآنية" حيث تُمَارَس ثقافة "مواجهة الاستكبار"، و"الجهاد ضد الناكثين" (ينظر مقرر: الصراع العربي الإسرائيلي: ص 190).
في بعض المقررات الحوثية يُوصف الصحابة وأهل السنة بأنهم: «لا يريدون الإسلام الذي يمثله الإمام علي من بعد وفاة النبي ـ صلوات الله عليه ـ بل يريدون إسلامًا يتأقلم مع الطغاة، ويتكيف مع فسادهم» (منشور خطبة بعنوان: يوم الفرقان وذكرى استشهاد الإمام علي، بتاريخ 18 رمضان 1442هـ، 30/4/2021م).
وأما مقررات ملازم الحوثي فيظهر فيها هذا الانحراف بجلاء، فعندما فسَّر معاني (المغضوب عليهم، والضالين) قال: إنها المسارات التي تخالف مذهبه الشيعي. (ملزمة: الثقافة القرآنية: ص 6، وما بعدها)، ويصف حكومات الدول الإسلامية بالطاغوتية (ملزمة: في ظلال دعاء مكارم الأخلاق: ص 7) ، وباختصار فهو يرى أن كل من خالفه على ضلال، كما قال: (الوهابيون يريدون أن يضلونا، اليهود والنصارى يريدون أن يضلونا) (ملزمة: معرفة الله وعده ووعيده الدرس 10، ص 6).
هذا التحول الإدراكي يخلق وعيًا ثنائيًّا بأنهم هم (أهل الإيمان الصحيح، أتباع أهل البيت)، وغيرهم (النواصب، عملاء الاستعمار، البغاة)، ويلغي أي مجال لفكرة التعايش مع الاختلاف الطائفي أو الفكري، ويجعل الشباب في عزلة معرفية عن محيطهم الإسلامي والعربي.
ثانيًا: الطفولة المسلوبة ومفاهيم مشوهة عن الحياة والموت
تعيد الدورات تعريف شباب اليمن للقيم الأخلاقية في قوالب حربيّة، في مقرر (قصص حوارية في الأخلاق) درس "الإحسان" تُروى القصة بطريقة تحريضية تشوّه صورة الجمعيات الخيرية، وتصفها بأدوات أعداء يستغلون العمل الخيري لأغراضهم، وهذا يخلق وعيًا مرتابًا وشكاكًا تجاه أي عمل إنساني أو تربوي لا ينتمي لجماعة الحوثي.
وفي مقرر التاريخ الإسلامي يُكرَّسُ تمجيد الاستشهاد بشكل لافت، خاصة في قصة كربلاء؛ إذ لا يُعرض الأمر كمأساة تاريخية وكارثة سياسية فقط، بل كنموذج بطولي يُحتذى به، وأنه سبيل أصحاب الحسين" (مقرر: التاريخ الإسلامي، أحمد محمد الهادي: ص 69)، ويُحكى بفخر كيف أن النساء دفعن أزواجهن وأبناءهن للمعركة. (مقرر: التاريخ الإسلامي، أحمد الهادي، ص 74). ويسطر العظمة باستشهاد الأطفال الصغار كالرضيع عبد الله بن الحسين، (المصدر السابق: ص 73-74)، وكثير من القصص والأناشيد تغرس مفاهيم الموت في الجبهات! مما يجعل حياة الطفل والشاب ليس لها قيمة بغياب هذا الهدف.
ثالثًا: تحريف التاريخ الإسلامي
بتقديم "مختصر سيرة الإمام علي" ومقررات أخرى تُظهر الصحابة في صورة مشوهة، أو تذمهم، وتُؤسس لمقولة "الوصية والولاية بعد النبي مباشرة"، يتم خلق وعي تاريخي جديد يتماهى مع الرواية الشيعية الإمامية أو الزيدية الجارودية المتطرفة، ويبتعد تمامًا عن سياق التاريخ الإسلامي المشهود في اليمن، ويصف تاريخ أهل السنة بأنهم: "الذين يقدمون أسوأ وأقبح وأفظع وأقذر صورة يحسبونها على الإسلام"( مقرر الثقافة الوطنية، ص 75).
وهذا التزييف المعرفي يُحدث شرخًا عميقًا بين الأجيال وهويتهم التاريخية والدينية الصحيحة، ويفتح الباب أمام بناء هوية بديلة تلائم الأجندة الحوثية.
رابعًا: تطبيع الشعائر المذهبية المختلفة
يقول محمد عبد الملك الحوثي: «وما سرُّ صمود الشعب اليمني أمام أعتى عدوان على مر التاريخ إلا انطلاقه وفق الثقافة القرآنية، وتمسكه بالثقلين، وهذا أبهر العالم، وحيَّر الخبراء والمحللين والسياسيين». (حوار مع محمد عبد الملك الحوثي، مجلة الاعتصام (العدد 20، لسنة 1439هـ/ 2018م، ص30).
هذا التطبيع يتم بواسطة المواد الدراسية في المراكز الصيفية وغيرها في أحكام (الصلاة، والتشهد، ودعاء الجنازة، وصلاة العيد)( مقرر الفقه بعنوان: صلاتي، ومقرر: القراءة والتعبير، ومقرر: محطات في المسيرة القرآنية) بمفاهيم تؤثِّر في تغيير مظاهر الالتزام لدى الأطفال والشباب، فيبدأون بالصلاة بطريقة مختلفة عن أسرهم ومجتمعهم. هذا التغيير في الممارسات الدينية اليومية يُحدث انفصالًا تدريجيًّا بين الطالب وأسرته، ويجعله يشعر أنه الأكثر "صحة وإيمانًا"، وأن المجتمع (كافر، أو فاسق، أو جاهلي) مما يخلق نوعًا من الاختلال الأسري والاجتماعي، ويكرس ثقافة التمرُّد على الإباء، وصولًا إلى حالة الاستباحة لدمائهم.
خامسًا: تلقين التطرف العقائدي عبر المونتاج الإعلامي
لا يقتصر الأمر في المراكز الصيفية الحوثية على المقررات المعلنة ومضامينها، بل يرافق ذلك استخدام الأناشيد والزوامل والأفلام والمسلسلات والزيارات الميدانية للأضرحة كوسائل تلقين وتأثير غير مباشرة، وهي أكثر تأثيرًا في عقل الطفل واليافع.
هذه الأساليب تخاطب العاطفة والمشاعر أكثر من العقل، وتصل إلى عمق الوعي الجمعي دون مقاومة، أما عروض "الذكرى السنوية لقياداتهم"، والفيلم "الوثائقي بدر الهدى"، و"وثائقي الشهيد" وغيرها، فتخلق حالة من القداسة، والبطولة الأسطورية لرموز الجماعة، وتُسهل عملية التحوُّل النفسي نحو التطرف.
قراءة الأرقام: مليون ومائة ألف طالب وطالبة:
الإحصاء المعلن عن 1,100,000 طالب وطالبة لعام 1446هـ ليس رقمًا عاديًّا، لكنه دليل على حجم المهددات الهائلة والمتزايدة على التركيبة السكانية الشابة في اليمن، فهؤلاء الأطفال والشباب ليسوا مشاركين سلبيين، بل قنابل موقوتة من الأفكار المتطرفة وسط المجتمع، بما حملوا من المفاهيم المنغلقة التي ستؤثر فيهم مدى الحياة، وستنتقل إلى أسرهم وأصدقائهم؛ مما يعني استمرار دورة التغيير التدميرية للأجيال.
الدورات الصيفية الحوثية في حقيقتها معسكرات لإعادة بناء الوعي وفق عقيدة متطرفة، ومشروع سياسي طائفي، وأخطر ما في الأمر أن الطلاب يخرجون منها وهم لا يدركون أنهم خضعوا لعملية تحول إدراكي عميق؛ مما يجعل مقاومة هذه الأفكار في المستقبل مستعصية.