يستخدم الحوثيون الخطاب الديني ويبثه بواسطة نافذة الإعلام وجيش من الخلايا الإلكترونية في وسائل التواصل الاجتماعي بهدف الإقناع، ولكن بتفسير مضلل وقلب للحقائق.
على الرغم من الاتفاق على هدنة في عموم الجبهات اليمنية 2022 إلا أن الحوثي لم يتوقف عن الحرب الدعائية والنفسية في وسائل إعلامه وفعالياته في مناطق سيطرته، وهي تُعَدُّ في نظره الجانب الآخر من الحرب الميدانية، ويتبنى خطابًا عدائيًّا وتحريضيًّا شديد العدائية ضد غالبية اليمنيين المعارضين لمشروعه الطائفي.
ويستخدم الحوثيون الخطاب الديني ويبثه بواسطة نافذة الإعلام وجيش من الخلايا الإلكترونية في وسائل التواصل الاجتماعي بهدف الإقناع، ولكن بتفسير مضلل وقلب للحقائق. ومن رصد الخطاب الديني الحوثي في الإعلام والفعاليات السياسية والدينية يظهر أنه يوجه في مسارين: أحدهما دعاية مكثفة تحيط بعبدالملك الحوثي والقيادات الحوثية في السلطة قداسة، والآخر حرب نفسية ضد اليمنيين.
قداسة الحوثي وتخوين المخالفين
يركز الحوثيون على "الولاية"، وهي ليست كما ينظر إليها كثير من الناس بأنها نسخة مطابقة للإمامة التي قضت عليها ثورة سبتمبر 1992، لكنها أكثر تطرفًا وخطرًا على حاضر اليمن ومستقبله؛ لكونها أخذت من الإمامة شرط حصر السلطة في السلالة الهاشمية، وغيرت بقية الشروط وذلك باحتكار السلطة في أسرة الحوثي، وتمنح عبدالملك الحوثي قداسة مطلقة، أي: المرجع على المستوى السياسي والديني.
خص الحوثيون الثامن عشر من ذي الحجة من كل عام يومًا للاحتفال بالولاية، وفيه تفيض وسائل الإعلام والفعاليات الخاصة بهم بالتأكيد على أن عبدالملك الحوثي هو من ينطبق عليه مفهوم "الولاية"، وذلك بأمر من الله للناس بالولاء له وطاعته، وبذلك فهو في منصب مقدَّس، معيّن من الله مباشرة، حسب زعمهم، يقتضي على جميع اليمنيين اتّباع توجيهاته السياسية والدينية، ومن يخالف فهو "موال للصهاينة"، كما أن الولاية بزعمهم "حماية الأمة من الاختراق من أعدائها والمنافقين من داخلها".
بهذا الخطاب يقسم الحوثيون اليمنيين إلى قسمين: أحدهما موالون مؤمنون، والآخر منافقون معارضون، وهي ثنائية تغرق المجتمع مع الزمن في الكراهية على أساس طائفي، خاصة عندما يُطبق عمليًّا على المخالفين لنظام الولاية القتل أو السجن.
وتأكيدًا على خطورة تسرب هذه المفاهيم
إلى المجتمع، استنفرت الشرعية أدواتها الإعلامية والثقافية والتربوية، ومنابر
المساجد، في مواجهة خرافة الولاية، وبيان خطورتها وبطلانها، وأصدرت وزارة الأوقاف
والإرشاد تعميمًا في مطلع يونيو الماضي موجهًا إلى خطباء المساجد في المناطق
المحررة يقضي بالحديث عن خرافة الولاية وبيان خطورتها للناس، ونفذ الإعلام حملات
لكشف الأهداف والتداعيات المترتبة على تسرب هذا المفهوم الكهنوتي في اليمن.
الشعارات والزوامل
يركز الحوثيون على الشعارات في إيصال فكرهم وتوطين ثقافتهم وخداع بسطاء الناس، وأصبحت أحد مرتكزات مشروعهم الطائفي منذ تفجيرهم حربًا شاملة ضد الجيش اليمني عام 2004، مع ذلك ليس لديهم شعارات ثابتة، لكنها تتغير مع كل مرحلة تحول سياسي، مثل: رفع مقاومة الفساد، ومحاربة الظلم خلال الحروب الست.
وخلال أحداث 2011، حارب الحوثيون في صعدة تحت شعار "إسقاط النظام" تماشيًا مع الاحتجاجات الشبابية، واقتحموا محافظة عمران عام 2014، وقتلوا العميد حميد القشيبي تحت شعار محاربة "التكفيريين والدواعش"، وعند اقتحام صنعاء في سبتمبر كان شعارهم "إسقاط الجرعة".
وعلى الرغم من انكشاف تلك الشعارات وفهم اليمنيين للحوثيين على حقيقتهم بعد عشر سنوات من السيطرة إلا أنهم تمكنوا من التخفي خلف تلك الشعارات وخداع اليمنيين، خاصة عندما يتعلق الأمر بالشعارات الشعبوية التي تمسُّ حاجة الناس المعيشية.
ونجد عند رصد إعلام الحوثي ونشاط الخلايا الإلكترونية في وسائل التواصل الاجتماعي أن الحوثيين يستخدمون أساليب عدة للتضليل والخداع أبرزها: تكرار مفردات بعينها مثل: التنمية، وتحسين دخل المواطن، مقابل ذلك تشويه الحكومة الشرعية بوصفها بالظلم، ولهذا شواهد كثيرة، منها على سبيل المثال أنهم في برنامج إذاعي يتم بثه كل صباح يحرصون في النقاش على بث زوامل، وموسيقى عاطفية لاستمالة المستمعين، وهو أسلوب لتحريك المشاعر، والدفع بالناس نحو جبهات القتال للمشاركة في الحرب التي هي كما يقولون ثأرًا لمقتل علي بن أبي طالب وابنه الحسين، والثأر لمؤسس الجماعة حسين الحوثي بوصفه امتدادًا لعلي بن أبي طالب وابنه الحسين -رضي الله عنهما-.
يستغل الحوثيون الإذاعات لخداع المواطنين، خاصة الفئة الأقل تعليمًا في الأرياف الذين يفضلون عادة الاستماع إليها. وفي البرنامج الإذاعي نفسه يتحدَّث المذيع عن "المولد النبوي"، ويحث الذين ليس لديهم أولاد على المشاركة في ساحات الاحتفال بالمولد لكي "يرزقهم الله بالأولاد والأموال". وهم بهذا يستغلون عواطف المواطنين وحبهم للنبي الكريم بتكثيف الحشود في الساحات لأهداف سياسية وعسكرية، ومن ثم يلقي الحوثيون كلمات تحث الحاضرين على تقبل سلطتهم وحمايتها بالتوجه نحو جبهات القتال.
ولا يمكن تجاهل الزوامل وهي أداة فاعلة يستغلها الحوثي في حروبه وخدمة مشروعه، وهي نوع من التراث الشعبي كان يستخدم لدى اليمنيين لإثارة الحماس، وتوحيد الصفوف، والتعبير عن الموقف القبلي في سياقات مختلفة (الحرب، السلم، الفخر، الرثاء)، كأداة تواصل اجتماعي وسياسي، وبث الخوف في قلوب الأعداء.
توظيف الحرب على غزة
اهتم الحوثيون بتوظيف الحرب على غزة وحشدوا كل إمكاناتهم لاستغلالها، وغايتهم اكتساب شعبية سياسية داخل اليمن وخارجه وفق استراتيجية عملت عليها على مدى عامين من الحرب. ولتحقيق تلك الأهداف اعتمد الحوثيون على الخلايا الإلكترونية في وسائل التواصل الاجتماعي، وركزوا بدرجة أساسية على منصة "إكس"، وبدأوا بتطبيق استراتيجيتهم بالسيطرة على السردية الإعلامية تجاه الحرب على غزة، مقابل قمع السردية الأخرى الموازية، واحتكار جميع القنوات المحلية، وفرض رقابة صارمة على المحتوى الذي ينتقد مواقفهم المتناقضة. مثلًا: شنَّ الحوثيون حملة دعائية إعلامية واسعة النطاق بداية الحرب تحت وسم "فوضناك"، وذلك ليستمد منها زعيم الحوثيين عبدالملك الحوثي شرعية لاستهداف السفن في البحرين الأحمر والعربي وإطلاق الصواريخ نحو إسرائيل، حينها عبَّر قاضٍ وسياسي في صنعاء في منصة "فيس بوك" عن رفضه لهذا الإجراء، وقال:" لم يفوضك أحد". وهي إشارة إلى رفض احتكار التفويض الشعبي، والتسبب في توريط البلد في حرب دولية، ومضاعفة الوضع الإنساني المتردي لليمنيين، إضافة إلى رفض نهج الحوثيين في إدارة البلد بالأزمات والحروب غير المتناهية، وانتهاك ذلك الأسلوب لإلهاء المواطنين عن مطالب تحسين المعيشة، ودفع رواتب موظفي الدولة المنقطعة منذ أواخر 2016، عقب ذلك اعتقل القاضي الذي أعلن رفضه لشعارات التفويض الحوثية، وتعرض للتعذيب النفسي لأكثر من ستة أشهر في السجن.
وفرض الحوثيون تكتمًّا إعلاميًّا على المواقع المستهدفة من الهجمات الإسرائيلية، وذلك بفرض سياج من عناصرها على المكان فور استهدافه، ومنع الصحفيين والمواطنين من التصوير. ويعد هذا جزءًا من استراتيجيتهم للسيطرة على السردية الإعلامية باعتماد التعتيم، مثلًا: أكدت تقارير صحفية أن القصف الذي استهدف حي "الرقاص" في صنعاء في 25 ديسمبر 2025، كان مقرًّا عسكريًّا، لكن الحوثيين نشروا رواية مغايرة وأشاعوا أنها أماكن لأعيان مدنية. ومع سقوط ضحايا مدنيين في الحي، إلا إن الهدف -بحسب مصادر- كان مقرًّا للإعلام الحربي الحوثي. هذا التكتم عن الحقيقة له أهداف جوهرية، أبرزها رغبة الحوثيين في الحفاظ على المعنويات، وثبات الهيبة داخل مناطق سيطرتهم، والتقليل من المساءلة المجتمعية عن الخسائر المدنية والبنية التحتية جراء تمركز مقرات عسكرية في الأحياء السكنية.
واستخدم الحوثيون دعاية مكثَّفة تركِّز على التضامن مع غزة ومعاناة الفلسطينيين في ظلِّ الاحتلال الإسرائيلي، وتشمل الرسائل الإعلامية عدة عناصر أساسية، منها تصوير الحوثيين أنفسهم كمناصرين لفلسطين قولًا وعملًا من خلال الهجمات على إسرائيل والبحر الأحمر، واستعراض رمزي كل جمعة عن طريق المظاهرات لإظهار التضامن الداخلي، وتوجيه خطابات ناقدة لإسرائيل، واستغلال هذه الفعاليات بربط معاناة الفلسطينيين ومعاناة اليمنيين بمصدر واحد(إسرائيل وعملائها).
تكرر هذا الخطاب بشكل يومي مع محاولة خلق صورة إيجابية للجماعة كـ"فاعل أخلاقي" ملتزم بالقضايا العربية الكبرى. وقد استغلوا منصة إكس إلى جانب فيس بوك وتليجرام عبر الخلايا الإلكترونية في بث رسائلهم، والتركيز على أن عملياتهم كانت مؤثرة في حرب غزة، وكثفوا من نشر مقاطع فيديو توثق إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل والبحر الأحمر على منصة "إكس وفيسبوك وتلجرام"، ويعاد نشرها من مستخدمين يتخفون بأسماء مستعارة إلى جانب مستخدمين تابعين لمحور إيران الشيعي في لبنان والعراق وسوريا قبل سقوط نظام الأسد.
ولم يكتف الحوثيون بتوظيف الإعلام المحلي لكنهم حرصوا على الوصول إلى الإعلام العربي لتبنِّي سرديتهم الإعلامية الدعائية لإيصالها إلى جمهور أوسع؛ إذ ظل أصداء إعلان الحوثيين دعمهم لغزة محدودًا في المجال العربي حتى بدأ الالتحام بمحور إيران تحت ما سمي بـ"وحدة الساحات"؛ فانضمت خلايا المحور الإلكترونية وعملت على إعادة نشر بيانات الحوثيين وخطابات عبدالملك الحوثي ومقاطع انطلاق الصواريخ، وربط ذلك بشكل مباشر بمواقف الحوثيين "المناهضة لإسرائيل"
ورغم توظيف الحوثيين للإعلام المحلِّي ووسائل التواصل الاجتماعي وجيوش محور إيران الإلكتروني، فشلوا في انتزاع شرعية أخلاقية من الجمهور العربي بعد سنتين من حرب غزة لأسباب جوهرية تتعلق بالدور الذي أدَّته قنوات عربية، مثل: قناتي العربية والحدث، والإعلام التابع للحكومة الشرعية، والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي المؤيدين للشرعية، فجميعهم أدَّى دورًا مهمًّا في تسليط الضوء على الدوافع الخاصة للحوثيين، والمتمثلة بتكريس سلطتهم عن طريق القمع، وشن حملات الاعتقالات الواسعة في الداخل خلال فترة حرب غزة تحت مبرر "عملاء الصهاينة". هذا الجانب كشف عن هشاشة ادّعاء القيمة الأخلاقية المتمثلة بـعدالة الوقوف إلى جانب المظلومين الفلسطينيين ضد الظالمين الإسرائيليين، لكنهم مارسوا الظلم نفسه على اليمنيين.

المنبر اليمني
خاص
فريق تحرير مجلة المنبر اليمني.





