المنبر اليمني
المجتمع في مواجهة اقتصاد النهب.. بين فشل رهان الإخضاع الاقتصادي والمخاطر المستقبليّة  "الجدار الاجتماعيّ" كبديل للدّولة المنهوبة
تقارير

المجتمع في مواجهة اقتصاد النهب.. بين فشل رهان الإخضاع الاقتصادي والمخاطر المستقبليّة "الجدار الاجتماعيّ" كبديل للدّولة المنهوبة

محمد الجماعي

محمد الجماعي

صحفي اقتصادي

22 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

حين تتعرّض الدول للانهيار المؤسّسي لا يكون السؤال الأكثر خطورة: من يحكمنا؟ بل: كيف سنعيش؟! في اليمن ومنذ انقلاب الميليشيا الحوثيّة وتعدّد المليشيات لاحقًا، انهارت الوظيفة الاقتصاديّة للدولة: رواتب، خدمات، حماية اجتماعيّة، استقرار نقدي... إلخ.

نشأ في مناطق سيطرة الحكومة "اقتصاد جديد" أعاد تشكيل نفسه من نقطة الصفر! وفي مناطق سيطرة الانقلاب، تخلّى الحوثيّون "علنًا" عن تبعات سيطرة الأمر الواقع، بل أعادوا تحميل الأعباء على المجتمع المحلّي. لذلك لم يكن الانهيار الاقتصاديّ الذي شهدته اليمن مجرّد نتيجة عرضيّة، بل كان إلى حدٍّ كبير أحد أهمّ أدوات الصراع، وأصبح الاقتصاد نفسه سلاحًا لإخضاع المجتمع وكسر إرادته.

ما لم يُحسب بدقّة في هذا السياق هو قدرة المجتمع اليمنيّ التاريخيّة على إنتاج بدائل ذاتيّة للبقاء مستندًا إلى منظومة عميقة من التعاضد القبليّ والأسريّ والتجاريّ، حالت دون الوصول إلى الانهيار الشامل الذي كان يُراهِن عليه "مشروع اقتصاد النهب". لم يحدث الانهيار الشامل الذي كان يمكن أن يدفع المجتمع إلى الاستسلام الكامل لمنطق الحرب وأهداف الميليشيات؛ والسبب الجوهريّ في ذلك يمكن تسميته: اقتصاد المجتمع! وهو اقتصاد غير رسميّ تقوده شبكات القبيلة والأسرة والتجّار والمغتربون والجمعيّات والمبادرات، أصبح عمليًّا بديلًا جزئيًّا للدولة المنهوبة.

أظهرت التجربة اليمنيّة خلال العقد الأخير أنّ الدولة قد تضعف، لكنّ المجتمع لا ينهار بسهولة. وفضلًا عن كون المجتمع طوال عقود ما بعد ثورة سبتمبر 1962م لم يكن معتمدًا كليًّا على الاقتصاد الذي تديره الدولة، بل كان كمجتمع زراعيّ، حرفيّ، مهاجر في الغالب، يعتمد على ما تنتجه الأرض من خيرات، ظلّت حتّى أواخر التسعينيّات هي مصدر نقدهم الرئيس، إلى جانب تحويلات المغتربين.

وتأسيسًا على هذا الاستنتاج، ظلّ قطاع كبير من الشعب اليمنيّ خارج تأثير التقلّبات والصراعات في عاصمة البلاد أو عواصم المدن، يأكل ممّا يزرع ويقتات من ريع ما ينتج. وظلّت الوظيفة العامّة التي تمثّل الوجه الأبرز لحضور وتدخّل الدولة محصورة على 3% من مجموع سكّان اليمن حسب بيانات 2014 (مليون و250 ألف موظّف مدنيّ وعسكريّ).

نتيجة لذلك، برز ما يمكن وصفه بـ "اقتصاد الظلّ الاجتماعيّ" تلقائيًّا في فراغ الدولة خلال سنوات الحرب الأحد عشر الماضية. وهو شكلًا: اقتصاد غير رسميّ، لكنّه مضمونًا: شديد الفاعليّة، يعتمد على شبكات الثقة والعلاقات الاجتماعيّة والمناطقيّة، إضافة إلى منظومة قيم وأخلاق راسخة أساسها "الفزعة"، وهي كلمة شعبيّة تلخّص معاني "النصرة والتكافل والواجب الاجتماعيّ والدينيّ.

 

الاقتصاد أداة إخضاع

اقتصاد النهب الذي فرضته الميليشيا الحوثيّة لم يكن مجرّد فسادٍ أو جبايات، بل كان عملًا اقتصاديًّا ممنهجًا، فكرته المركزيّة هي تجريد المجتمع من قدرته على الاكتفاء الذاتيّ وربطه بمصادر تحكّمٍ قسريّة، عن طريق السيطرة على الموارد وتحويلها إلى أدوات إخضاعٍ سياسيّ، وفرض الجبايات، إضعاف العملة، احتكار السلع، تضييق فرص العمل، الاستيلاء على المساعدات الإنسانيّة! وفي بيئةٍ كهذه يصبح المواطن أكثر هشاشة وقابليّةً للامتثال والاستجابة.

هذه المعادلة رغم فداحة نتائجها، لم تحقّق ما كان مخطّطًا له بالكامل، فقد ووجهت بتحرّكٍ مجتمعيٍّ هادئ عكس اتجاه المخطّط، وبدأ بإعادة بناء شبكاته الخاصّة خارج منظومة الدولة المختطفة.

تشير التقديرات الأمميّة إلى أنّ أكثر من 18.2 مليون يمنيّ يحتاجون إلى مساعداتٍ إنسانيّة، وحوالي 8.4 مليون شخص منهم يتلقّون دعمًا شهريًّا من المنظّمات الإنسانيّة خلال عام 2023. وهذا الأرقام لا تعكس سوى جزءٍ من الواقع؛ لأنّ جزءًا كبيرًا من الدعم الفعليّ جاء من المجتمع نفسه، وليس من المنظومة الإنسانيّة الدوليّة.

القبيلة رافد اقتصاديّ

يُنظر إلى القبيلة اليمنيّة بوصفها بنيةً اجتماعيّةً تقليديّة، لكنّها في الواقع أدّت دورًا اقتصاديًّا حاسمًا أثناء الحرب بتحوّلها إلى ما يشبه شبكة أمانٍ اجتماعيّ واسعة رغم ضعف التمويل، وخصوصًا في السنوات الأخيرة.

قبل الحرب كان هناك أكثر من 8300 منظّمة مجتمع مدنيّ مسجّلة، ولا أرقام لغير المسجّلة، وبعد الحرب ظهرت عشرات المنظّمات المحليّة الجديدة لتلبية الاحتياجات الطارئة، حسب بيانات البنك الدوليّ، وعملت نحو 229 جهة إنسانيّة داخل اليمن في السنوات الأخيرة، معظمها عن طريق شركاء محلّيين. تتمحور طبيعة تدخّلاتها المجتمعيّة في المساعدات الغذائيّة، صناديق العلاج، دعم التعليم، مشاريع مياه، النقد مقابل العمل.. المدهش حقًّا أنّ المبادرات المجتمعيّة في كثيرٍ من المحافظات كانت أسرع استجابةً من المنظّمات الدوليّة.

فالتكافل الداخليّ بين أفراد القبيلة أو القرية أو المجتمع الواحد أصبح أمرًا شائعًا، بل ومعلنًا، تتبنّاه شخصيّات اجتماعيّة وقد تستخدم "السوشيال ميديا"، لتشمل مبادراتها التضامنيّة أفرادها العاطلين أو المتضرّرين، تبرّعات لعلاج المرضى، منح القروض الميسّرة، توفير فرص العمل عبر العلاقات والوساطة داخل الشبكات القبليّة والتجاريّة وغيرها.

وفي السياق نفسه، وبشكلٍ أقل، تحوّلت الأسرة من وحدةٍ اجتماعيّةٍ مصغّرة داخل المكوّن الاجتماعيّ الأكبر إلى وحدةٍ إنتاجيّةٍ خلال السنوات الماضية، وتوسّعت وصولًا إلى إنشاء مشاريع منزليّة صغيرة تشمل تنويع مصادر الدخل، إشراك النساء... إلخ، وهو ما عكس قدرة المجتمع على التكيّف مع الأزمات، وأظهر تفوّق رأس المال الاجتماعيّ على رأس المال النقديّ.

 

دور القطاع الخاصّ

من غير الممكن تحجيم دور القطاع الخاصّ اليمنيّ خلال فترات الحرب، بنسبة مشاركة معينة لدوره في منع الانهيار الشامل؛ نظرًا لاندماجه الشديد بحيث يصعب فصله عن المجتمع أو الحكومة؛ كونه كان جزءًا من منظومة الصمود الوطنيّ، وأظهر مرونةً عاليةً مع تقلّبات السياسة والحرب والأسعار وانهيارات العملة. والتزموا ككيانٍ وكأفرادٍ الحدّ الأدنى من الأرباح وشروط الإقراض، وثبات الأسعار، وتوفير السلع، ودعم المبادرات المجتمعيّة والإغاثيّة، والوقوف المتكرّر ضدّ ممارسات الحوثيّ في مناطق سيطرته، كما أثبتت بيانات الغرف التجاريّة الصناعيّة وعلى رأسها أمانة العاصمة والاتحاد العامّ. وكذلك ضدّ ممارسات الانتقاليّ في المحافظات التي كان يسيطر عليها.

هذا الدور يعكس تداخلًا عميقًا بين الاقتصاد والمجتمع في اليمن، حيث لا يزال النشاط التجاريّ مرتبطًا بالسمعة والعلاقات أكثر من ارتباطه بالحسابات البحتة، وبخاصّة البيوت التجاريّة العريقة والشخصيّات الوطنيّة التي لها نفوذ تجاريّ أو صناعيّ، حتى إنّه يمكن القول بأنّ التجّار كانوا يقودون كافّة ائتلافات الإغاثة في كافّة المحافظات.

التحويلات ودورها الموازي

لا يمكن قراءة صمود المجتمع اليمنيّ دون الإشارة إلى تحويلات العاملين في الخارج (المغتربين) التي تُعدّ أهمّ مصادر الاستقرار والدعم الاقتصاديّ الممتدّ عبر الحدود وخارج نطاق الأزمة الداخليّة.

رغم الحرب، استمرّت هذه التحويلات بمليارات الدولارات سنويًّا، لتصبح المصدر الأوّل للدخل النقديّ للأسر. فلم تكن مجرّد تحويلاتٍ استهلاكيّة، بل أدّت وظائف أخرى، كتمويل الغذاء والدواء والتعليم والمشاريع الصغيرة وتوفير السيولة للأسواق، بل ما هو أبعد من ذلك، فمع تصاعد موجات الهجرة والاغتراب التي شهدتها اليمن في السنوات الأخيرة كحلولٍ أخيرةٍ للأزمات، عملت تحويلات المغتربين كـ "بنكٍ مركزيٍّ اجتماعيّ" أسهم في إعادة توزيع الدخل في المجتمع وحال دون الانهيار الكامل.

مخاطر هذا النموذج

رغم الدور الإيجابيّ الكبير للتكافل الاجتماعيّ إلا أنّ الاعتماد المفرط عليه يستبطن مخاطر آنيّةً، ومخاطر مستقبليّةً أيضًا. فقد تنبّه الحوثيّ ومنظومته الماليّة مؤخّرًا إلى "المبادرات المجتمعيّة" كبوابةٍ جديدةٍ لنهب أموال اليمنيين وما بقي من جدرانهم الساندة. وردًّا على ذلك، وبدلًا من الاستفادة من الجهود التعويضيّة والمبادرات التعاونيّة التي يقوم بها المغتربون والميسورون في توفير رواتب بعض المدارس ومشاريع الرصف الحجريّ وإصلاح الطرقات، ومدّ شبكات المياه، وغيرها من المبادرات، بدلًا من الاستفادة منها لتغطية عجزهم أو رفضهم تمويل تلك الضروريّات، فقد توجّهت قيادة الحوثيين لإخضاع مئات الأشخاص من منتسبي الكيانات المجتمعيّة في عموم المدن والمناطق تحت سيطرتها، لتلقّي دوراتٍ تعبويّةٍ وطائفيّة، وتدريبهم على طرق وآليات الضغط على السكان في مناطقهم لإجبارهم على المشاركة قسرًا في المبادرات، وتقديم الدعم الماليّ لها. حسب تقريرٍ مفصّلٍ لـ "الشرق الأوسط".

 

ومن أجل "السطو المعنويّ" على الإنجازات التي حقّقتها تلك التعاونيّات أنشأ الحوثيّون عن طريق ما تسمّى "الدائرة الاجتماعيّة" حسب المصادر، مؤسّستين لهذا الغرض (مؤسّسة بنيان يرأسها محمد المداني، شقيق القياديّ الحوثيّ المطلوب على قائمة التحالف يوسف المداني، ومؤسّسة التكافل، ويرأسها المدعوّ خالد المرتضى) بهدف تمكين عناصرها من الرقابة المباشرة على العمل الطوعيّ والاستيلاء على مخرجاتها؛ نتيجة شعورهم بأنّ المجتمع قام بعزلهم داخل دائرة العجز والفشل.

أمّا مستقبلًا، فإنّ نجاح التكافل المجتمعيّ قد ينتج مخاطر مستقبليّةً، لعلّ أبرزها ترسيخ الاقتصاد غير الرسميّ، واتّساع الفجوة بين المناطق بسبب التكتّلات، واستمرار غياب الدولة؛ إذ لا يعني نجاح المجتمع جزئيًّا في منع الانهيار أنّه يستطيع بناء تنميةٍ شاملةٍ بدون دولةٍ فاعلةٍ.

الدَّرس الأهمّ

لعلّ أهمّ ما كشفته هذه التجربة هو أنّ المجتمع يمكن البناء عليه كفاعلٍ اقتصاديّ، وعلى الحكومة الشرعيّة مستقبلًا استغلال ذلك كفرصةٍ استراتيجيّةٍ لدمج اقتصاد المجتمع في الاقتصاد الوطنيّ عن طريق إعادة تعريف وتنشيط مفهوم التعاونيّات المحليّة، والاهتمام بشكلٍ أكبر بتمويل المشاريع الصغيرة، وربط التحويلات بالاستثمار، وتقوية الاقتصاد الزراعيّ الريفيّ، وتمتين الشراكة مع المبادرات المجتمعيّة.

شارك هذا المقال
محمد الجماعي

محمد الجماعي

صحفي اقتصادي

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

كيف نسج اليمن قواعد اشتباك تربك الحوثيين؟
تقارير

كيف نسج اليمن قواعد اشتباك تربك الحوثيين؟

لم تعد المواجهة بين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والجماعة الحوثية المدعومة من إيران تدور وفق المعادلة العسكرية التي استقرت عليها خطوط التماس منذ 2022، إذ أظهر التصعيد الأخير الذي بدأته الجماعة تحولاً لافتاً في أداء القوات الحكومية، التي بدأت نسج قواعد اشتباك جديدة أربكت الميليشيات، وتنتقل من موقع الدفاع والاحتواء إلى مرحلة الضربات الاستباقية، مستفيدة من سلاح المسيّرات وتطوير قدرات الاستهداف الدقيق.

علي ربيععلي ربيع3 سبتمبر 2026
تحالف إرهابي بين القاعدة والحوثيين
تقارير

تحالف إرهابي بين القاعدة والحوثيين

في أمسية دافئة، انطلق جبريل يحيى علي “ذو الذراع الواحدة” وعروسه الجديدة في رحلة شهر عسل بالسيارة على طول الشاطئ خارج مدينة الغيضة في اليمن.

ههيئة التحرير3 سبتمبر 2026
«21 سبتمبر».. الكارثة الحوثية التي دمّرت اليمن وأغرقته في الحرب والمجاعة
تقارير

«21 سبتمبر».. الكارثة الحوثية التي دمّرت اليمن وأغرقته في الحرب والمجاعة

لم يكن 21 سبتمبر 2014 مجرد يوم سقطت فيه العاصمة صنعاء بيد جماعة الحوثي المدعومة إيرانيًّا، بل لحظة انحراف لمسار الدولة اليمنية، ودخول البلاد في مرحلة طويلة من الحرب والانهيار والتشظي. فبمجرد سيطرتها على صنعاء شرعت هذه الجماعة الإرهابية في تفكيك مؤسسات الدولة وإفراغها من فاعليتها، وتوسيع الحرب لاستكمال السيطرة على البلاد، وفرض واقعًا قائمًا على الهيمنة والتعبئة الطائفية.

فارس السريحيفارس السريحي26 أغسطس 2026