حين تتراجع التنمية يتراجع معها الوعي، وينشغل الناس بدوامة الحاجات اليومية، وتغيب الأولويّات الكبرى. وحين يغيب البناء والإعمار تحضر مشاريع الدمار التي لا تعيش إلا في الفراغ الناتج عن ضعف الدولة أو غيابها.
حين تتراجع التنمية يتراجع معها الوعي، وينشغل الناس بدوامة الحاجات اليومية، وتغيب الأولويّات الكبرى. وحين يغيب البناء والإعمار تحضر مشاريع الدمار التي لا تعيش إلا في الفراغ الناتج عن ضعف الدولة أو غيابها.
علاقة طردية بين التنمية والأمن
والتطرُّف بتفرُّعاته وتعدُّد مسمّياته لا ينشأ في بيئة مستقرّة، بل ينشأ في فراغات أوجدتها تصدُّعات وخلافات بيْنيّة، ويتمدّد حين تتآكل مؤسسات الدولة وتنهار الخدمات، وينصب شراكه أمام الناس حين تتراجع فرص العمل وتكثر البطالة، ويجد له موطئ قدم عندما يسيطر اليأس ويضعف الأمل بالمستقبل. والحرب من أكثر العوامل التي توصل البلدان إلى ذلك الانهيار، والسبب أنها تضعف الدولة وتنهك الاقتصاد، وتُحدث شروخًا في جدار الوعي يتسرَّب منها الإرهاب، وهو ما حدث حين تمكن الإرهاب الحوثي من الوصول إلى مركز الدولة صنعاء. وحين تضعف الدولة وتعجز عن القيام بواجباتها يتحوّل الفراغ المؤسسي (إداري، اقتصادي، وأمني) إلى فرصة أمام مشغِّلي التطرُّف لتشويه الدولة وتسويق أنفسهم كحل أو كمنقذ، وتتحوَّل المدن والقرى إلى أرضية خصبة تستثمر فيها الجماعات المتطرفة وتشرع ببث خطاب تعبوي شعبوي مشبَّع بالعاطفية والشعارات التي يقع ضحيتها البسطاء.
وقد أثبتت التجارب في اليمن وغيرها أن هناك علاقة طردية بين التنمية والأمن، فكلما وجدت التنمية والإعمار وشيدت مؤسسات بناء الوعي -ومنها مؤسسات التعليم- تراجعت قابلية المجتمع للاختراق الفكري وفشلت مشاريع التطرف في تفريخ أفكارها. وكلَّما استعاد الاقتصاد عافيته وزاد دخل الفرد انحسرت البطالة وانشغل المواطن بما يعود عليه وعلى بلده بالنفع، وعندها تضيق مساحة الاستقطاب الفكري، وينحسر خطاب الكراهية والعنف، وربما أصبح من يحمل ذلك محل تندُّر وسخرية.
هذه العلاقة تكشفها بجلاء ممارسات الحوثي في اليمن، كان أوَّل مشاريعهم إعلان الحرب على المراكز العلمية بدءًا بدماج، ومرورًا بكلِّ مسجد لا يتبعهم أو تحفيظ لا ينقاد لهم، وتدمير مؤسسات التعليم ونسف أركان العملية التعليمية. وعلى أنقاض ذلك بذروا خرافاتهم وشيدوا أوكارهم ومراكز دوراتهم، ومنها تناسل إرهابهم الذي أهلك الحرث والنّسْل، ومعهم وبهم برز التطرف. وهنا كان لابد من إيجاد مشاريع تنموية طويلة المدى لملء الفراغات التي طالما استغلها التطرف، وهو ما تحقق بواسطة مشاريع نوعية نفذها برنامج التنمية والإعمار ومشاريع برنامج الملك سلمان.
التنمية وصناعة الأمن
البيئات التي تضعف فيها الخدمات الأساسية، شبكات الطرقات والمواصلات والكهرباء والماء، التي تلامس حياة الناس، وترتفع فيها البطالة وتشح الأعمال، وينقطع فيها التعليم أو يهمش، وتغيب الرعاية الصحية أو تنعدم، تفرز إحباطًا وانشغالات بغير الأولويات، وتصبح قابلة للاستقطاب، وهنا يجد التطرف بغيته، فيبدأ بنسج أوكاره وتسويق أفكاره.
وحين تحضر التنمية والإعمار تفتح مسارات الأمل: مدرسة تعمل وتحصِّن، ومستشفى يقدم علاجًا، وشبكات طرق تُيسّر الحركة والتنقلات وتسهل المهمات الأمنية، وكهرباء تُعيد إيقاع الحياة؛ وقد لمسنا بجلاء في مدينة عدن بعد التدخل السعودي الذي ملأ الفراغ. هذه العناصر تشكل خطوط دفاع تمنع تسرب الشباب وذوي العوز ومن وجدوا أنفسهم بلا عمل ولا أمل إلى مشاريع العنف أو وصول العنف إليهم. كلُّ هذا يؤكِّد أن الاستثمار في البنية التحتية والخدمات لا يُقاس فقط بمؤشرات النمو، بل بانحسار مظاهر الإرهاب، واتساع رقعة السلم الاجتماعي.
الخدمات وسدّ الفراغ
الاهتمام بالخدمات يعني ببساطة استعادة الدولة لوظيفتها وأدوارها وأنها حاضرة وفاعلة، ويقدّم ذلك تطمينات على استمرار عجلة الحياة. وحين يحصل المواطن على خدمة من مؤسسة شرعية تتعزز شرعية الدولة في وعيه، وتضيق مساحة القبول للخطاب الذي تروّجه الجماعات المتطرفة. وبقدر ما تتسع رقعة الخدمات يضيق هامش الادعاء بأن الدولة غائبة لاستغلال ذلك كمدخل للتسلل. وحين لا تقوم الدولة بواجباتها يبدأ الناس برحلة البحث عن البديل من غير تفكير بالعواقب، وما حصل في اليمن من أحداث خيرُ شاهد على طيشِ التفكير الذي أوجد بيئة لتمدد الإرهاب الحوثي وغيرها من الجماعات.
الاقتصاد القوي سلاح في مواجهة الإرهاب
الاقتصاد المنهك يُنتج هشاشة اجتماعية، ويفرز بطالة، خصوصًا بين الشباب، ويفتح بوابة واسعة للاستقطاب. ومواجهة ذلك تتطلَّب دعم الاقتصاد عن طريق إيرادات قوية ومبادرات أخوية، والأخير هو ما قامت به السعودية منذ أن نهب الحوثيون العملة الصعبة من البنك المركزي بصنعاء وما تبعه من نهب منظم لم يكن ليحدث لولا غياب الدولة. وبمواقف السعودية وودائعها ومشاريع الإعمار المنفذة في اليمن وتحويلات المغتربين بقي اقتصادنا مقاومًا أعاصير الانهيار، واستمرت الدولة تقوم بأدوارها في ظل توقف الإيراد والصادرات، وفي مقدمة ذلك صرف المرتبات وتوفير الخدمات الأساسية.
وحين يستقر سعر العملة وتقوم بالمؤسسات المالية بدورها، وتنتظم المرتبات بانتظام، وتتوافر السلع الضرورية وتصبح في متناول الناس، يقلّ الاحتقان الذي تستثمره التنظيمات المتطرفة للتأجيج على الدولة وتقديم نفسها كبديل أو سند للمظلومين حتى تتمكن، كما فعلت ميليشيا الحوثي، وبعدها تنزع قناعها وتفرض مشروعها بسطوة إرهابها. وحين تُتاح فرص التدريب والتأهيل يُملأ فرغ الناس ويتحولون فاعلين يسهمون في بناء الوطن. إن التنمية هنا ليست مجرد أرقام، بل شبكة أمان فكري واجتماعي.
مشاريع التعليم تحصين طويل الأمد
التعليم لا يقتصر على محو الأمية، وإن كان ذلك مهمًّا، بل يراد به بناء الوعي الذي هو جدار تتحطم عليه مشاريع الغلو والتطرف. وليست المدارس وحدها من تقدم التعليم، بل وجدت إلى جانبها المراكز العلمية والحلقات القرآنية المنضوية في إطار الدولة والعاملة في ظلها. وأثبتت التجارب أن تدمير مؤسسات التعليم يسبق محاولات السيطرة الفكرية، وهو ما سلكته ميليشيا الحوثي؛ فاستهدفت المدارس الحكومية والجامعات ودمرتها كليًّا أو جزئيًّا، وشردت المعلمين وحرمتهم من حقوقهم، وسممت التعليم بأفكار التطرف، وأوجدت فراغًا لتملأه بأفكارها. ولذلك، فإن دعم التعليم، وإنشاء المدارس النموذجية، وتأهيل الكوادر، ليس عملًا خدميًّا فحسب، بل استثمار في أمن المجتمع.
وقد أدركت السعودية في وقت مبكر خطورة الفراغ في المؤسسات التعليمية نتيجة الممارسات الحوثية، فأطلقت حزمًا من المشاريع التعليمية النموذجية في التعليم العام والتعليم الجامعي، نُفِّذت بواسطة "الصندوق السعوديّ للتنمية" و"برنامج إعمار وتنمية اليمن" و"مركز الملك سلمان" وأنشأت وحدة متكاملة تابعة لمركز الملك سلمان لتأهيل الأطفال الذين يقحمهم الحوثي مكرهين في القتال ويقعون في الأسر، وهو ما يتطلب إعادة تأهيلهم بدورات متخصصة وإكسابهم مفاهيم صحيحة.
المشاريع الصحية والأمن
عمل الحوثي وبخطى متسارعة على تدمير القطاع الصحي، مستشفيات، مراكز صحية، نهب مخصصات، تضييق على العاملين في القطاع الصحي، ورفع تكاليف العلاجات والحصول على الخدمات عن طريق فرض الضرائب؛ وهي محاولة لتوفير بيئة للاستقطاب الفكري. وقد أدركت السعودية مبكرًا أهمية القطاع الصحي في حفظ الأمن في اليمن، فعمدت إلى بناء المستشفيات في حجة وصعدة بخدمات متكاملة وعلاجٍ مجانيٍّ، واستمرت في بناء المستشفيات في عدن والمهرة وغيرها، وأعادت تشغيل مراكز علاجية، وقدمت خدمات تخصصية ومخيمات نوعية، ووفرت أطرافًا صناعية لضحايا الألغام. هذه المشاريع تعيد للإنسان كرامته وتحفظه من الوقوع فريسة تحت وطأت الحاجة.
مسام مشروع أمن وحياة
أكثر من 500 ألف لغم وعبوة متفجرة نزعها مشروع مسام وكان الحوثي قد زرعها في مساحات واسعة من اليمن، وتطهيرها من الإرهاب المزروع ليس سهلًا وليس عملًا تقنيًّا فحسب، بل عمل إنساني يتطلب خبرات ونفقات باهظة، لكنه في المقابل يعيد فتح نافذة الحياة أمام الناس المشردين من أراضيهم وبيوتهم، ويسهل تنقلاتهم. وحينها تتحول مساحات واسعة من مناطق موت إلى أراضٍ صالحة للحياة، وتنشط فيها الزراعة وتتسهل الحركة ويتحرك الإعمار، وتجد الأيدي العاملة فرصًا للعمل، وبذلك تتقلص البطالة وهي البيئة الخصبة للتطرف.
والأهم هو أن تتحوَّل التنمية من مواجهة الحاجة الطارئة إلى الاستدامة؛ لأن التنمية حين تستمر تعني حضور الدولة وفاعليتها واستمرار قيامها بواجباتها؛ وهذا بُعدٌ حملته كلُّ مشاريع التنمية التي نفذتها السعودية في مختلف مدن اليمن للحفاظ على الدولة ورمزيتها أمام الشعب، وللتأكيد على وقوفها إلى جانب الدولة، وتصديها لكل مشاريع التطرف والإرهاب.
التنمية استراتيجية أمن قومي
أثبتت المشاريع التي نفذتها السعودية في عدن وحضرموت والمهرة وغيرها من المدن بعد الأحداث الأخيرة التي قام بها المجلس الانتقالي المنحل أن مشاريع التنمية والخدمات تصنع التصورات والتحولات الفكرية، وتزيل رواسب التشويه، وتكشف الحقائق المغيبة، وقد تجلى ذلك في سرعة التحول في وعي الناس وإشادتهم بتوفر الخدمات التي لامست احتياجاتهم بعد معاناة لسنوات.
إن تجفيف بيئات التطرف يبدأ من تجفيف منابع اليأس، وفي مقدمة ذلك تعزيز حضور الدولة واستمرار قيامها بواجباتها، والبناء هو اللغة التي يفهمها الناس قبل أي خطاب آخر.

د ياسر الشرعبي
عضو هيئة التحرير
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





