وعلى الرغم من صعوبة الظروف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، تُظهر تفاصيل الحياة اليومية من المكلا إلى سيئون تفاعلًا مستمرًا عن طريق شبكات التكافل الأهلي والوظائف التقليدية، ومبادرات شبابية تسعى إلى دمج الأدوات الرقمية بالواقع التراثي للمحافظة الأكبر مساحة في البلاد.
هذا الاستطلاع يقترب من واقع معيشة السكان، ويرصد آليات التعايش اليومي ومحاولات الموازنة بين الحفاظ على الحِرَف الموروثة ومواكبة متطلبات العيش.
الساحل وموسم البلدة المرتقب
المدن الساحلية في حضرموت هذه الأيام تبدو في وضعٍ مختلفٍ مما كانت عليه في السابق، خاصة الأجواء الاستثنائية التي تُمهِّد لاستقبال موسم البلدة السياحي. هذا الحدث البيئي والاجتماعي يعيد إحياء الشواطئ عبر اغتسال الآلاف في مياه البحر الباردة التي تُميز الصيف هنا، وسط بيئة تضج بالفنون الشعبية، والرياضات الشاطئية، والفعاليات الثقافية.
موسم البلدة هو ظاهرة بحرية فلكية، تنخفض فيها حرارة مياه البحر بصورة ملحوظة في ذروة الصيف القائظ، يبدأ الموسم من شهر يوليو ويستمر لنحو أسبوعين، ويحدث نتيجة تيارات مائية باردة قادمة من أعماق المحيطات، مما يجعل الشواطئ الممتدة من المكلا وصولًا إلى الشحر أشبه بمنتجعات طبيعية مفتوحة للجميع، ومقصدًا للاستشفاء والترويح عن النفس.
أما الأسواق التجارية فتنبض بالحياة؛ إذ يشهد سوقا الشرج والبلاد في المكلا تداولًا تجاريًّا ملحوظًا، وتستعد الفنادق والمنشآت السياحية لاستقبال العائلات والمغتربين العائدين من البلدان المجاورة، خاصة من المملكة العربية السعودية، لقضاء إجازاتهم بين أهلهم.
وفي مدينة الشحر تشهد الموانئ التقليدية تفاعلًا حيويًّا لقوارب الصيد، وذلك بحركات استعراضية يؤدِّيها الصيادون بأسلوب مهاري، وبحلول المساء تفترش الأسر رمال الكورنيش حتى ساعات الفجر الأولى في طمأنينة تامة، بينما تشق السفن الشراعية – السنابق- البحر حاملة معها إرث التجربة البحرية الحضرمية التي أوصلت أمجاد العرب وتجارتهم إلى شواطئ الهند شرقًا، وإلى جزيرة زنجبار بتنزانيا الإفريقية غربًا.
يقول عبدالله بارويس، صاحب متجر شعبي بالقرب من ساحل المكلا: "الحياة هنا لها نكهة خاصة، فالأسواق لا تنام، والناس هنا يبحثون عن البهجة وكل ما يتعلق بالاستقرار النفسي. ننتظر موسم البلدة بشغف كل عام؛ لأنه يعيد الروح لمدينتنا، وينعش حركتنا التجارية بشكل مميز عن بقية الأيام. الجميع هنا متعاون، من رجال الأمن في الطرقات إلى أصغر تاجر، لتوفير مساحة الفرح التي يبحث عنها الناس".
التفاعل اليومي في وادي حضرموت
بالانتقال إلى الداخل نحو وادي حضرموت تتبدل التضاريس الجغرافية على حساب أشجار النخيل وجبال الجير الراسخة، وتتسم الحياة في الوادي بالهدوء والروابط الاجتماعية الوثيقة التي تظهر جليًّا في الممارسات اليومية.
قد يظنُّ الزائر العابر أنّ هذا الهدوء ناتج عن الاستسلام للخمول، لكن عند الاقتراب من حياة الناس يكتشف أنّ ميلهم إلى الهدوء هو فلسفة حياة، فهم يتفاعلون يوميًّا بصمت، ويبنون مجتمعهم دون ضجيج.
وعن التفاعل اليومي يتحدَّث الشاب أحمد عبدالله قائلًا: "يتجلَّى التفاعل المجتمعي هذه الأيام في أبهى صور التكافل، مثل: عادة المساقوفة، وهو تعاون جماعي تطوعي في أعمال البناء والزراعة. وتبرز كذلك عادات استقبال المناسبات المجتمعية التي تجمع العائلات في ساحات وحارات سيئون وتريم القديمة لتعزيز صلة الرحم".
تعج الأسواق بروائح الطبخات الشهيرة، حيث تمتزج رائحة الزربيان والمندي مع نكهة أسماك اللخم المجففة، ويتربع العسل الدوعني الأصيل كفخر محلي يجذب المتسوقين من كلّ حدب وصوب. وفي المقاهي الشعبية تمتزج رشفات الشاي بأحاديث كبار السن عن ملاحم الهجرة الحضرمية إلى شرق آسيا، وتجارب الاغتراب في دول الخليج، وكيف نقل الحضارم الإسلام بأخلاقهم التجارية.
وفي بعض الشوارع تجد الشباب المتطوعين ينظمون حركة السير، أو يساعدون عابري السبيل، مما يشير بقوة إلى أنّ شبكة الأمان الاجتماعي في الوادي تقوم على سواعد أبنائها قبل أي شيء آخر.
تقول الأستاذة سمية باحشوان: "ما يُميز وادي حضرموت حقًّا هو التماسك الأسري الذي يُعد المعيار الأول لأمان المجتمع. التعليم هنا يحظى باهتمام عالٍ لدى الأسر، ومشاركة النساء في المبادرات التنموية والثقافية والتعليمية في تصاعد مستمر ومفرح. نحن نعيش في بيئة مجتمعية آمنة تدعم الإبداع، ونرى بناتنا وشبابنا يبتكرون مشاريع ريادية ملهمة، تحتفي بهويتنا الإسلامية والعربية، وتواكب العصر دون التفريط بثوابتنا الوطنية".
في مدينة تريم تبرز منارة مسجد المحضار الطينية البيضاء كأطول مئذنة طينية في العالم، وتحتضن المدينة مكتبات تتضمن مخطوطات نادرة تجذب الباحثين من شتى البقاع، وعلى بُعد مسافة قصيرة تُطل مدينة شبام التاريخية المشهورة عالميًّا بلقب مانهاتن الصحراء، حيث يتجلّى إبداع المعماري الحضرمي في بناء سحاب طينية ما تزال صامدة منذ مئات السنين.
وتشهد المدينة حاليًّا حراكًا أدبيًّا وثقافيًّا يتجسَّد بالمبادرات التطوعية لصيانة المعالم، وحضور المنتديات الأسبوعية، واستقطاب الشعراء لإحياء الأعمال التقليدية، كالبرع الشبواني الحماسي الذي يجمع أبناء الحارات في أجواء من الألفة.
ويوضح المهندس والباحث أمين بن حبريش هذا الحراك بقوله: "المبادرات والورش الشبابية في وادي حضرموت وتريم تحديدًا هو نهج تكافلي راسخ ومتوارث. نحن نمارس التطوُّع كجزء من هويتنا اليومية، عبر مسارات منظمة تبدأ من إدارة ملتقيات الحارات، ينزل شبابنا إلى الميدان بانتظام، جنبًا إلى جنب مع البنائين التقليديين المعالمة؛ لخلط المدر وترميم الحصون والبيوت الطينية بمادة النورة البيضاء لحمايتها من التشققات قبل مواسم الأمطار والسيول".
مدينة تريم تشهد هذه الأيام أصوات تلاوة القرآن والموشحات الدينية، وتشهد صناعة الخزف التقليدي والنجارة اليدوية المزخرفة بأدقّ التفاصيل التي ما زالت تقاوم هيمنة الآلات الحديثة بجودتها وأصالتها.
سيئون: أسواق حراثة الأرض وتطبيقات رقمية
في مدينة سيئون أقصى شمال حضرموت -التي تعد عاصمة الوادي- ينتصب قصر الكثيري الطيني كحارس للتاريخ ومزار يشهد على حقبة زمنية مزدهرة. في هذه المدينة الواسعة تتشكّل ملامح حياة تجمع ببراعة بين التمسك بجذور الماضي والاستعداد لاحتضان المستقبل لتُقدّم نموذجًا استثنائيًّا لمدينة ترفض التوقف عند محطة زمنية واحدة.
يشهد سوق الحنظل والحدادين العريق وسط المدينة حركة نسبية، وما زالت مطارق الحديد تدوي أصواتها الإيقاعية في الأرجاء لصناعة وتطويع الأدوات الزراعية التقليدية، ومستلزمات البناء الطيني، والسكاكين الحادة. وفي زوايا أخرى من السوق تنتشر ورش حياكة المعاوِز التقليدية، يستغرق الحِرَفي أحيانًا أيامًا عدة لتجهيز قطعة واحدة فريدة، وغالبًا يرتديها الوجهاء والشباب على حدٍّ سواء في الأعياد والمناسبات كرمز للوقار والاعتزاز بالهوية والموروث.
وهذا التمسك بالتراث لا يلغي حقيقة التحديات الاقتصادية. يصف المواطن سعيد بافضل - من أبناء المدينة - الوضع الشرائي للناس قائلًا: "الأسعار أصبحت تثقل كاهلنا، والوضع الاقتصادي يفرض علينا ضغوطًا، لكننا نأتي إلى هنا لأنّ أسواق سيئون الشعبية تمنحنا خيارات تتناسب مع دخلنا المحدود، وتوفر لنا بضائع محلية متينة، ورغم الغلاء وضعف القدرة الشرائية تجد الناس صابرين، يبتسمون ويشترون ما تيسر، ففي هذه المحافظة تعلّمنا أنّ القناعة والبركة هما أساس الحياة،، والرزق مقسوم، ولن نعدم وسيلة للعيش بكرامة".
على الجانب الآخر من هذا المشهد التقليدي يقود الشباب الذكي عملية دمج التقنية الحديثة في شرايين المدينة بشكل هادئ وسلس؛ إذ نجح رواد أعمال شباب في إطلاق تطبيقات ذكية عبر الهواتف المحمولة لتسهيل خدمات التوصيل العام، وربط المتاجر بالزبائن، يقول عبدالله باعلوي - وهو أحد المساهمين في إطلاق هذه التطبيقات ويعمل من مكتبه وسط سيئون-: "جاءت الفكرة من الحاجة الملحة إلى تنظيم خدمات التوصيل؛ لأنّ هناك تحولًا كبيرًا في طبيعة الوظائف، وصار جزء كبير من الناس يعملون من منازلهم؛ مما جعلهم يعتمدون على طلب احتياجاتهم رقميًّا بدلًا من الخروج شخصيًّا وهدر الوقت والجهد؛ لهذا أنشأنا تطبيقات للتوصيل المنزلي، وحجز الرحلات، بل وحتى تسويق المنتجات كالعسل والبهارات إلى خارج المحافظة، ودول الجوار مثل المملكة العربية السعودية".
في سيئون تلمس وعيًا لدى عامة الناس، ففي فترات المساء - حيث تنشط الحركة هربًا من حرارة الظهيرة - ويميل السكان إلى تجنب الضجيج والازدحام العشوائي، مفضلين النظام والسلم كأولوية بدلًا من الشغب أو الفوضى، ويملأ الجو العام في المدينة أنشطة اقتصادية وثقافية متنوعة، وتنتشر المعارض التجارية وبازارات الأسر المنتجة التي تدعم الاقتصاد المنزلي.
وعلى الرغم من ظهور أثر الوضع الاقتصادي المتردي للبلاد على المظهر العام للناس إلّا أنّ التجار هنا يكافحون بجلد، ويفتحون متاجرهم على أمل الرزق الحلال ولو كان يسيرًا. في هذه المدينة الإنسان يكافح بشرف للمزج بين الحفاظ على حرفة الأجداد وتبني أحدث التقنيات. ورغم صعوبة الحياة المعيشية وضعف القوة الشرائية للناس إلّا أنّ التجار والمشترين يرددون بقلوب مؤمنة: "الرزق بيد الله".
لا تتجاهل المأكولات الشعبية
عند زيارة حضرموت هذه الأيام يمكن تجاهل أي شيء لكن ذلك قطعًا لا يشمل مطبخها العريق، فالمأكولات الحضرمية تَعدَّت حضورها المحلِّي، وتحوّلت إلى سفير ثقافي يحمل هوية حضرموت إلى مختلف مدن وعواصم العالم، بواسطة المهاجرين الذين افتتحوا مطاعم نقلت هذا التراث أينما حلّوا.
الناس يتجهون يوميًّا بشغف نحو المطاعم الشعبية والمخابز التقليدية، في الصباح تصطف الطوابير الطويلة أمام مخابز الباخُمري، وهو نوع من المعجنات المقلية المحلاة بالهيل، والمقرمشة من الخارج، بينما تذوب طراوةً من الداخل. ولا يكتمل طقس الإفطار إلا بتغميس الباخمري مع الشاي الملَبّن، المطبوخ على نار هادئة، والمعطر بالزنجبيل أو الهيل.
وفي وجبة الغداء يجتمع أفراد العائلة أو الأصدقاء في حلقات دائرية حول مائدة المندي المدفون تحت الأرض، أو المظبي الذي يتم طباخته على أحجار مخصصة، أما الذين يميلون إلى المأكولات البحر فموعدهم مع وجبة الصيادية الساحلية الغنية بالبهارات البنية التي تعتمد أساسًا على صيد اليوم الطازج من أسماك بحر العرب.
وتُطوى وجبة الغداء الدسمة بطبق الهريسة الحضرمية الحلوة المكوّنة من البر المهروس والسمن البلدي والمكسرات، ويصاحب ذلك تناول قهوة القشر المُرة، وهي مكوّنة من قشور البن والبهارات، لها مفعولها الخاص، ولها أثر في تهدئة النفوس، ومنح الجالسين صفاءً ذهنيًّا لمواصلة أحاديث التجارة، والأدب، والشعر في المجالس الشعبية التي تمتد حتى المساء.