المنبر اليمني
مخرجات المراكز الصيفية الحوثية وآثارها الاجتماعية والفكرية ومدى الرفض المجتمعي لها
تقارير

مخرجات المراكز الصيفية الحوثية وآثارها الاجتماعية والفكرية ومدى الرفض المجتمعي لها

المنبر اليمني

المنبر اليمني

خاص

22 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

في اليمن، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع هشاشة البنية التعليمية وتداعيات الحرب في أسوأ صورها المستدامة، وفي ظل استمرار سيطرة مليشيا الحوثي على جزء كبير من المحافظات، تتحول العطلة الصيفية محطة مفصلية في تشكيل وعي ومستقبل آلاف الأطفال في الحضر والريف على حدٍّ سواء.

وهذه الفترة كان يفترض أن تكون مساحة للراحة أو التعلم الحر والمفيد للفرد والمجتمع والدولة، لكن المراكز الصيفية التابعة للحوثيين برزت كفاعل مؤثِّر يعيد صياغة هذه المرحلة من أعمارهم، ليس فقط من حيث المحتوى التعليمي، بل من حيث الوظيفة الاجتماعية والفكرية وخطورة الأدلجة السياسية والفكرية العدوانية التي أصبحت تؤديها داخل المجتمع.

هذا التحقيق يستند إلى قراءة ميدانية لتلك المراكز وفق شهادات محلية وتقارير حقوقية حديثة، وهو محاولة لتوضيح مخرجاتها وتداعياتها وآثارها على النسيج الاجتماعي، وبيان صور الرفض التي تتشكل لمواجهتها.

 

المراكز الصيفية الحوثية مشروع تعبوي

لم تعد المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين مبادرات موسمية لتحفيظ القرآن أو تعليم المهارات كما كانت سابقًا قبل مجيء الحوثي، أو كما هو الحال في مناطق الشرعية التي تقام فيها المراكز في ظل هوية يمنية، بل تحوَّلت إلى جزء من مشروع منظَّم لإعادة تشكيل وعي الأجيال، وعدّها بعض المراقبين بديلًا للتعليم العام تمامًا؛ إذا لا تجد حشدًا واهتمامًا حوثيًّا بداية العام الدراسي، بل يمر وكأنه عام دراسي لا أهمية له، وفي المقابل هناك حشد وإنفاق واستنفار غير محدود للمراكز الصيفية الطائفية. 

وتشير تقارير حديثة إلى أن هذه المراكز في معظم الحالات يتم ربط نجاح الطلاب أو استمرارهم الدراسي بالمشاركة فيها، في محاولة لإضفاء طابع إلزامي عليها.

تُقام هذه المراكز داخل المدارس الحكومية والمساجد وبعضها في أماكن سريَّة، وتُدار بإشراف مباشر من قيادات الحوثي، ضمن برامج يومية مكثفة تشمل محاضرات تعبئة، وأنشطة جماعية، وترديد شعارات الحوثي وهتافاته ومصطلحاته الطائفية.

وقد أكد معلم في إحدى مديريات محافظة إب أن المحتوى الذي يُقدَّم لا يمت للتعليم بصلة، وأنه يركز على غرس مفاهيم طائفية، ويعيد تشكيل تفكير الطلاب بحسب المعتقد الطائفي الحوثي، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الطلاب يعودون بعد انتهاء الصيف وهم يحملون أفكارًا طائفية صدامية حادة، وتصورات إمامية مختلفة عن محيطهم السنّي وثقافة المجتمع اليمني.

 

بيئة مغلقة للتلقين والتعبئة

تتسم البيئة داخل هذه المراكز بدرجة عالية من الانغلاق، تُجدول الأوقات والأنشطة وتُنفَّذ وفق نظام يحاكي نماذج التعبئة الإيرانية، مع تقليص مساحة النقاش والتفاعل الحر.

وتشير تقارير ميدانية إلى أن هذه المراكز تتضمن أنشطة تتجاوز التعليم، وأنها تشمل تدريبات ذات طابع عسكري، إلى جانب ترديد شعارات طائفية حوثية؛ بهدف إيجاد بيئة نفسية محاصرة بكل هذه المفاهيم، وإحداث تأثير عميق في الأطفال. يؤكد هذا ما يرويه أحد أولياء الأمور من أن ابنه عاد من المركز وهو يتحدَّث بلغة مختلفة، ويردد عبارات لم يسمعها من قبل، وكأنه خضع لبرنامج مكثف، وهي شهادة تتكرر في أكثر من منطقة.

هذا النمط القائم على التلقين وتكرار الرسائل يؤدِّي إلى تشبُّع فكري سريع، حيث تُقدَّم الأفكار باعتبارها حقائق مطلقة لا تقبل التشكيك أو النقاش، بل إن بعض المتخرجين من تلك المراكز يرون أن مخالفيهم كفار ولو كانوا آباءهم أو أقاربهم، وهذا يعني أن تلك المراكز تعمل على بناء عقل أحادي لا يحتمل التعدد أو الاختلاف.

 

من التوجيه إلى إعادة تشكيل العقل

 

هذه المراكز الصيفية الحوثية بيئة غير آمنة على عقول الناشئة، ولا يجوز أبدًا أن يدفع المجتمع بأبنائه ليتحوَّلوا إلى ضحايا مستقبليين، ثم يتحوَّل المجتمع بهم إلى ضحية وميدان لكارثية طائفيتهم التكفيرية العدوانية، ففي هذه المراكز يُركَّز على مفاهيم الولاء المطلق لعبد الملك الحوثي، وإعادة تفسير الدين في سياق طائفي أيديولوجي، وتعزيز خطاب إقصائي يقوم على رفض الآخر وتكفيره والتحريض ضده.

ويرى باحثون أن هذه المراكز تحولت إلى ما يشبه مصانع لإنتاج العنف، واستنساخ نماذج تعبئة عسكرية وعقائدية مدمرة، وأن الأطفال الذين يخضعون لهذه البرامج يصبحون أكثر ميلًا إلى تبني التكفير والعنف والمواقف الطائفية الحادة، وأقل قدرة على التفكير النقدي أو تقبل الاختلاف، وهذا يظهر التحوُّل العميق الذي أحدثته تلك المراكز في بنية الوعي لديهم.

 

من تفكيك الأسرة إلى تفكك المجتمع

 

لا تتوقف آثار هذه المخرجات عند الفرد، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع، وتبدأ كثيرٌ من الأسر تلحظ تغيرات في سلوك أبنائها، وأبرزها التمرد على التوجيهات الأسرية، وتبني مواقف متشددة تجاه العادات والتقاليد.

تقول أمٌّ نزحت من إب إلى تعز: إن أحد أبنائها عندما التحق سابقًا بأحد المراكز الصيفية التابعة للحوثيين تحت مسمّى تعليم القرآن وحفظه، كما يزعم الحوثيون، وأصبح يرفض القيم التي نشأ عليها ويعتبرها منحرفة، مما خلق حالة من التوتر داخل الأسرة.

وعلى مستوى المجتمع تسهم هذه الظاهرة في تعميق الانقسامات، وخلق فجوة بين الأجيال، وتآكل قيم التعايش، مقابل صعود خطاب أكثر حدة وتطرفًا.

 

تراجع الدور التربوي للمدرسة

من التداعيات البارزة لهذه المراكز تراجع الاهتمام بالتعليم النظامي، حيث يعود معظم الطلاب إلى مدارسهم وهم أقل اهتمامًا بالدراسة، وأكثر ارتباطًا بالمضامين والمعتقدات الطائفية التي تلقوها في تلك الأوكار الحوثية.

هذا التحول يضرب عمق العملية التعليمية، ويحولها من مسار لبناء المعرفة إلى هامش أمام خطاب تعبوي مهيمن.

 

مسار مقلق نحو العنف

تشير تقارير ميدانية وحقوقية إلى أن هذه المراكز تُستخدم كبيئة تمهيدية لتجنيد الأطفال، وذلك بتدريبهم على استخدام السلاح، أو تهيئتهم نفسيًّا للانخراط في التجنيد والالتحاق بالجبهات. وقد وثقت منظمات حقوقية استخدام مليشيات الحوثي هذه المراكز غطاء لاستقطاب الأطفال من المدارس والأسواق، وربطت بينها وبين وقائع اختفاء أطفال خلال فترات النشاط الصيفي.

هذا المسار يجعل من هذه المراكز نقطة عبور من التعليم إلى العسكرة، ثم إلى الموت في جبهات القتال، في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية تدفع بعض الأسر إلى القبول القسري.

 

الرفض المجتمعي

 من الامتناع الصامت إلى المواجهة المباشرة

رغم هذا الحضور الواسع تواجه هذه المراكز حالة رفض متنامية داخل المجتمع، ففي صنعاء وإب والحوبان ومناطق أخرى سُجِّلت حالات عزوف جماعي عن تسجيل الأطفال، رغم الضغوط، وهو ما يؤكد تنامي الوعي بخطورة هذه المراكز بعد تفشي آثارها.

وتطور هذا الرفض في بعض الحالات إلى مواقف ميدانية مباشرة، ومن أمثلة ذلك قيام سكان أحد أحياء صنعاء بإغلاق مراكز صيفية بعد اكتشاف تعرض أطفالهم لتدريبات قتالية وخطاب طائفي.

وقوبلت محاولات استقطاب الأطفال بالإغراءات، مثل: الإعفاء من الرسوم الدراسية، أو تقديم مساعدات، بحالة من السخرية والرفض في عدد من المناطق، وهو ما يكشف عن فشل هذه المراكز في التأثير على الوعي المجتمعي.

ورغم إعلان مليشيات الحوثي سنويًّا عن أعداد ضخمة للمشاركين تصل إلى ملايين الطلاب، تشير مصادر تربوية إلى أن هذه الأرقام يتم تضخيمها باحتساب طلاب المدارس تلقائيًّا ضمن المشاركين، في محاولة لإظهار حاضنة شعبية واسعة.

 

الحوافز والضغوط أدوات المواجهة الحوثية

لمواجهة هذا الرفض ولرفع نسب الإقبال تعتمد الميليشيا الحوثية على مزيج من الأدوات، تشمل تقديم حوافز مادية، مثل: الوجبات، والهدايا، إضافة إلى إعفاءات دراسية، وممارسة ضغوط إدارية على الأسر، وتخصيص تمويلات كبيرة لدعم برامج التعبئة.

 

من دوافع الرفض الشعبي 

تتعدد دوافع الرفض، لكن أبرزها الخوف من فقدان السيطرة على فكر الأطفال، والخشية من انجرارهم نحو العنف وتشرّب ثقافة فكرية وافدة تصادم الثوابت الدينية والقيم المجتمعية.

وفي تطوّر أكثر خطورة، وثّقت تقارير حقوقية وقوع أكثر من 161 حالة قتل وإصابة بين عامي 2021 و2024م، نفذها أطفال ومراهقون بحق أقاربهم نتيجة تأثرهم بخطاب طائفي متطرِّف. ووثقت مئات الجرائم في عام 2025م ومطلع العام2026، معظمها نفَّذها أطفال وشباب بحق أقرباء لهم، بعد تلقيهم دورات في المراكز الصيفية والدورات الثقافية التابعة للحوثيين.

ويبقى الدافع الأكثر حساسية لهذا الرفض هو الخوف من تحوُّل الأطفال إلى وقود للحرب في ظلِّ تقارير تؤكِّد سقوط أعداد كبيرة من الأطفال المجندين في جبهات القتال.

معركة الوعي… ومستقبل مفتوح على الاحتمالات

ما تكشف عنه هذه المعطيات هو أن المراكز الصيفية الحوثية لم تعد نشاطًا موسميًّا، بل أداة مركزية في مشروع أوسع لإعادة تشكيل المجتمع طائفيًّا، بما ينسجم مع المشروع الإيراني الإمامي في المنطقة، وأصبحت تشكل تهديدًا لهوية اليمن. 

وفي المقابل يُظهر المجتمع - رغم القيود - قدرة على المقاومة، سواء بالرفض الصامت والتربية الأسرية، أو بالمواجهة المباشرة بحسب الوسائل المتاحة.

لكن هذا التوازن يظل هشًا في ظل استمرار الضغوط وتعقيدات الواقع، ويبقى السؤال مفتوحًا: إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا المشروع دون أن يواجه رفضًا أوسع؟ وهل سيتمكن المجتمع من حماية أجياله، أم أن هذه التحولات ستترك أثرًا عميقًا وطويل الأمد؟

في بلد أنهكته الحرب تبدو الإجابة أكثر تعقيدًا… لكنها أيضًا أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

 

شارك هذا المقال
المنبر اليمني

المنبر اليمني

خاص

فريق تحرير مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

كيف نسج اليمن قواعد اشتباك تربك الحوثيين؟
تقارير

كيف نسج اليمن قواعد اشتباك تربك الحوثيين؟

لم تعد المواجهة بين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والجماعة الحوثية المدعومة من إيران تدور وفق المعادلة العسكرية التي استقرت عليها خطوط التماس منذ 2022، إذ أظهر التصعيد الأخير الذي بدأته الجماعة تحولاً لافتاً في أداء القوات الحكومية، التي بدأت نسج قواعد اشتباك جديدة أربكت الميليشيات، وتنتقل من موقع الدفاع والاحتواء إلى مرحلة الضربات الاستباقية، مستفيدة من سلاح المسيّرات وتطوير قدرات الاستهداف الدقيق.

علي ربيععلي ربيع3 سبتمبر 2026
تحالف إرهابي بين القاعدة والحوثيين
تقارير

تحالف إرهابي بين القاعدة والحوثيين

في أمسية دافئة، انطلق جبريل يحيى علي “ذو الذراع الواحدة” وعروسه الجديدة في رحلة شهر عسل بالسيارة على طول الشاطئ خارج مدينة الغيضة في اليمن.

ههيئة التحرير3 سبتمبر 2026
«21 سبتمبر».. الكارثة الحوثية التي دمّرت اليمن وأغرقته في الحرب والمجاعة
تقارير

«21 سبتمبر».. الكارثة الحوثية التي دمّرت اليمن وأغرقته في الحرب والمجاعة

لم يكن 21 سبتمبر 2014 مجرد يوم سقطت فيه العاصمة صنعاء بيد جماعة الحوثي المدعومة إيرانيًّا، بل لحظة انحراف لمسار الدولة اليمنية، ودخول البلاد في مرحلة طويلة من الحرب والانهيار والتشظي. فبمجرد سيطرتها على صنعاء شرعت هذه الجماعة الإرهابية في تفكيك مؤسسات الدولة وإفراغها من فاعليتها، وتوسيع الحرب لاستكمال السيطرة على البلاد، وفرض واقعًا قائمًا على الهيمنة والتعبئة الطائفية.

فارس السريحيفارس السريحي26 أغسطس 2026