الشرعية هي الراية التي نرفعها في معركتنا الوطنية اليوم، وهي الميثاق الذي نستند إليه، والمرجعية التي نخاطب بها العالم في المحافل الدولية، والركيزة التي نعول عليها لاستعادة العاصمة صنعاء وإنهاء مشروع الولاية الذي يسعى الحوثي إلى فرضه على اليمنيين بالقهر والغلبة.
الشرعية كيان قانوني نحارب باسمه، ونتعاون مع العالم من خلاله، وندعم الشعب عبر مؤسساته، ونبني الجيش تحت مظلته. ومن دونها نتحول إلى كيانات وميليشيات متفرقة، لكل منها أهدافها الخاصة ومشاريعها الضيقة، بعيدًا عن مستقبل الوطن ومصلحة الشعب.
الشرعية هي الأساس الذي نستند إليه في بناء مؤسسات الدولة، وهي الغطاء الذي يتحرك من خلاله الجيش اليمني، وهي المظلة التي تُفعّل في إطارها القدرات العسكرية للدولة، من الطيران المسيّر إلى طائرات إف-5، بما يحفظ السيادة الوطنية ويمنع استباحة طائرات «ماهان الإيرانية» الأجواء اليمنية.
بعد انطلاق عاصفة الحزم بأيام، التقيت مصادفةً حكيم اليمن، السياسي الراحل الدكتور عبدالكريم الإرياني، وكان في أواخر أيامه، يسير متكئًا على عكازه، ويحيط به من يساندونه، في أحد مصاعد مؤتمر الرياض.
كان الإرياني من الجيل الأول للمؤتمر الشعبي العام، وأحد أقرب مستشاري الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، لكن عندما حانت لحظة الحقيقة لم ينحز للعلاقات الشخصية، بل انحاز إلى فكرة الدولة، وغادر صنعاء مؤيدًا شرعية الدولة وشرعية الرئيس عبدربه منصور هادي، وقبل مغادرته صنعاء قال عبارته الشهيرة: «لو كانت الشرعية عمامة ملقاة لانحزت لها».
ولم يكن الإرياني وحده من سجّل هذا الموقف التاريخي، بل سبقه ولحقه ملايين اليمنيين الذين ضحوا بأغلى ما يملكون دفاعًا عن فكرة الدولة، ورفضًا لمشروع الولاية، ورفضًا لتحويل اليمن إلى ساحة نفوذ تعبث بها إيران، وتستخدمها منصة لخدمة أهدافها الاستراتيجية في المنطقة.
الشرعية ليست أشخاصًا مقدسين، وليست صنمًا يُعبد من دون الله، كما يفعل الحوثيون في تقديس عبدالملك الحوثي ورفعه إلى منزلة لا يقبل معها نقدًا أو مساءلة، الشرعية كيان وطني قابل للإصلاح والتطوير والتغيير، أما الأشخاص فوجودهم فيها ليس غاية، بل وسيلة لخدمة الدولة.
سألني أحد الأصدقاء، وقد بدا عليه الاستياء من أداء الحكومة، فقال: هل تراهن على هذه الحكومة لاستعادة صنعاء كما عادت دمشق؟ فأجبته: إن مساندة الشرعية انحياز للدولة ولا حياة بلا دولة، وانحياز للمسار الوطني الصحيح الذي يقود إلى استعادة اليمن وكسر المشروع الحوثي.
أما بعد.. فنسعد بكم في هذا العدد من مجلة المنبر اليمني، ونسلط الضوء على ملف الشرعية وواجبات إسناد الدولة، ونذكّر بمخاطر المشروع الحوثي وارتهانه لإيران، وما ترتب على ذلك من تهديد لليمن وأمن المنطقة، وبالمسؤوليات الوطنية التي ينبغي أن يضطلع بها الجميع، دولةً ومؤسساتٍ ومكوناتٍ وأفرادًا.
وتُذكّر المجتمع الدولي بواجباته تجاه قراراته والشرعية الدولية التي يرفع شعار احترامها وحمايتها.
إن النصر صبر ساعة، وعلى قدر التضحيات تُفتح أبواب صنعاء، ويعود اليمن إلى عمقه العربي، شريكًا في أمن المنطقة واستقرارها، لا ساحة للمشاريع العابرة للحدود.

