دعونا نتفق على حقيقة مفادها أن الحوثي ربط مصيره بالنظام الإيراني الإرهابي، وأصبح أداةً لتنفيذ مشروعه التدميري في اليمن والمنطقة. وانطلاقًا من هذه الحقيقة، يمكننا أن ندرك ما الذي يريده الحوثيون، وكيف ينبغي التعامل معهم.
من يتتبع مسيرة النظام الإيراني منذ عودة الخميني إلى طهران عام 1979م على متن طائرة فرنسية، حاملًا مشروع تصدير الخراب إلى المنطقة، يدرك جيدًا أن البحث عن سلام حقيقي مع إيران وأدواتها ليس إلا سعيًا وراء سراب؛ نتيجةً لطبيعة النهج الإيراني العدواني تجاه العرب.
استخدم النظام الإيراني كل قدراته وإمكاناته في صناعة ميليشيات طائفية في المنطقة، وأمدّها بالسلاح والمال والدعم الإعلامي، لتأتمر بأمره ويحركها متى شاء لاستهداف مصالح الشعوب العربية. وأصبح يراهن عليها في إدارة أوراقه، وحاله كحال مجنون يحمل السلاح ويطلق النار على كل من يمر أمامه، ولن يتوقف إلا بإيقافه وسحب السلاح من يده.
وفي المشهد اليمني، برز الحوثيون مرتزقةً أوفياء للنظام الإيراني الطائفي، وتمكنوا من إسقاط الدولة مستغلين شعارات عاطفية وخيانات داخلية، وأشعلوا حربًا دمّرت الأخضر واليابس، ولا تزال مستمرة. كما سيطروا على سلاح الدولة، فضلًا عن السلاح المهرّب من إيران، وقتلوا وسجنوا وهجّروا كل من عارضهم. وأصبح الحديث عن إنجاز صفقة سلام معهم مجرد وهم لن يتحقق ما لم تُنزع القوة من أيديهم، ويُعادوا إلى حجمهم الطبيعي، بدلًا من استعلائهم على اليمنيين بشعارات الولاية وأحقية الحكم استنادًا إلى النسب الهاشمي.
يتحرك المبعوث الأممي مارتن غريفيث جاهدًا من مكان إلى آخر لإقناع الأطراف اليمنية بالسلام مع الحوثيين، من دون وضع ضوابط واضحة لمستقبل هذا السلام، أو تقديم ضمانات تنهي أسباب التوحش الحوثي ضد اليمنيين، ومن دون النظر إلى الاتفاقيات السابقة التي لم يجف حبرها حتى نكثها الحوثيون وعادوا إلى غدرهم، واستغلوها لإعادة ترتيب أوراقهم وتجييش عناصرهم للتمدد من جديد، في ظل صمت رعاة تلك الاتفاقيات.
اليمنيون لا يتمنون الحرب ولا يريدونها، بل يسعون إلى سلام يضمن عدم عودتها من جديد. غير أن الحرب فُرضت عليهم منذ عام 2004م، عندما تمرد الحوثيون على الدولة في صعدة، وخاضوا ست حروب ضد الجيش اليمني تحت شعار المظلومية، ثم انقضوا على مؤسسات الدولة، وقتلوا اليمنيين وهجّروهم، وفجّروا منازلهم، وصادروا المؤسسات الخاصة والعامة، وأفسدوا الحياة.
السلام الذي يريده الحوثي هو سلام يضمن بقاء القوة في يده لاستخدامها ضد اليمنيين، وفرض حكمه بقوة السلاح، وادعاء الولاية عليهم. أما السلام الذي ننشده، فهو السلام الذي يضمن للمواطن اليمني حقه في الرأي والفكر والنقد والممارسة السياسية والاجتماعية، من دون أن يظل السلاح الحوثي مسلطًا فوق رأسه، أو يُرغم على القبول بعبدالملك الحوثي حاكمًا مقدسًا بأمر إلهي، وفقًا لما يزعمونه.
السلام الذي ننشده هو أن نرى الحوثي وقد سلّم سلاحه للدولة، وأعاد الحقوق إلى أهلها، وتخلّى عن العنصرية المقيتة التي يتعامل بها مع الشعب اليمني، وتوقف عن فرض المشاريع الفارسية عليه.
إن السلام الحقيقي مع الحوثي لا يتحقق إلا بهزيمته، وكسر شوكته، وإعادته إلى وضعه الطبيعي. وما لم يحدث ذلك، فسيواصل استخدام العنف والقوة ضد كل من يرفض الخضوع له والانقياد لأفكاره. وما لم تُنزع منه هذه القوة، فإن أي سلام قد يحدث لن يكون سوى تمهيد لانفجار جديد أكثر دموية، وصراع متجدد لا ينتهي؛ لأن المشكلة تكمن في العقلية الحوثية التي لا تقبل التعايش مع اليمنيين الذين لا يخضعون لها، ولا يتبنون أفكارها الوافدة والدخيلة على اليمن. ولن يستسلم اليمنيون للعبودية من جديد، مهما بلغ الطغيان الحوثي.

