المنبر اليمني
كلمة العدد

اليمن بين مشروعين

27 سبتمبر 2026

مشاركة

قد تتمكن الدعاية الكاذبة من تشويه بعض الحقائق لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع حجب الحقيقة كاملة، ولا أن تحول دون أن يلمس المواطن اليمني آثارها في حياته اليومية.

اليمن اليوم بين مشروعين: مشروع تنمية وبناء وسلام وتعايش، ومشروع دمار وحروب وطائفية وصراعات وتجهيل وإفقار.

كلما حلت الأوجاع باليمن، وضاقت عليه أزماته، وتعقدت ملفاته، جاءت الانفراجة من الجار الكبير، المملكة العربية السعودية، وكأنها تحمل دائمًا همّ اليمن، وتسهم في تضميد جراحه ومعالجة أزماته.

لكن الوجع كبير، والجرح غائر، فمنذ بروز المشروع الحوثي في جبال صعدة، عملت إيران على تعميق أزمات اليمن وتوسيع جراحه، وتمزيق نسيجه الاجتماعي، والمتاجرة بدماء أبنائه، ودفعه إلى مزيد من الصدام مع محيطه العربي.

وعبر السنوات الماضية، أنفقت إيران أموالًا طائلة على دعم السلاح والميليشيات والعنف والتطرف، وإطالة أمد الحروب التي أنهكت اليمن، دون أن تقرن هذا الدعم بمشروع تنموي حقيقي يخدم المواطن اليمني أو يخفف من معاناته.

وتزامن ذلك مع دعاية سياسية وإعلامية تحاول تصوير المملكة العربية السعودية باعتبارها دولة معادية للشعب اليمني، وهي رواية تصطدم بواقع المواقف السعودية التي سخّرت ثقلها الاقتصادي والسياسي والتنموي لدعم الشعب اليمني، وإغاثته، ومساندة مؤسساته، والعمل على إنقاذه من تداعيات المشروع الحوثي المدعوم من إيران.

ويردد البعض بين حين وآخر أن للمملكة أطماعًا خاصة في اليمن، متجاهلين حقائق التاريخ ووقائع الحاضر، وفي مقدمتها أن المملكة تتحمل كلفة كبيرة من أمنها واستقرارها بسبب حرصها على أمن اليمن واستقراره، فاستقرار اليمن ينعكس بصورة مباشرة على أمن المملكة، بينما تمثل الاضطرابات والفوضى في الأراضي اليمنية مصدر تهديد لأمن المنطقة واستقرارها.

ويقول آخرون إن المملكة تريد الاستحواذ على ثروات اليمن ونفطه. لكن هذا الادعاء يطرح سؤالًا منطقيًا: ما الذي يمكن أن يدفع دولة تمتلك موارد نفطية وغازية ضخمة إلى المخاطرة بأمنها واستقرارها من أجل موارد محدودة في اليمن، في وقت يمكن فيه للمملكة أن تحقق مصالحها الاقتصادية دون الحاجة إلى ذلك؟

وفي المقابل، قطعت إيران آلاف الكيلومترات لتبني لنفسها نفوذًا مسلحًا في اليمن، عبر ميليشيا طائفية مرتبطة بمشروعها الإقليمي، بما أسهم في زعزعة أمن اليمن والمنطقة، وتهديد الملاحة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.

وفي المشهد اليمني، يصعب تجاهل الفارق بين الطرفين. فالمواطن اليمني الذي تضيق أمامه أبواب كثيرة يجد في المملكة العربية السعودية منفذًا للعمل والزيارة والعمرة، فيما وجدت الحكومات اليمنية المتعاقبة في الدعم السعودي سندًا اقتصاديًا وسياسيًا وإنسانيًا في أوقات الأزمات.

وحين تتجول في اليمن شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، تجد حضورًا واضحًا للمشاريع السعودية في الطرق والمستشفيات والمجالات الإنسانية والتنموية، ومن المفارقات اللافتة أن مستشفيات السلام السعودية في صعدة وحجة تواصل تقديم خدماتها الصحية لليمنيين، في الوقت الذي تواصل فيه الميليشيا الحوثية استهداف المدن والمناطق السعودية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بتوقيع إيراني.

الصورة، إذن، تبدو واضحة لمن يريد قراءة المشهد بعيدًا عن الدعاية، نحن أمام مشروعين في اليمن؛ مشروع عربي إسلامي تقوده المملكة العربية السعودية باتجاه السلام والاستقرار والتنمية وحسن الجوار، ومشروع قائم على العنف والتدمير وإنتاج الأزمات، تموله إيران وتدعمه لخدمة نفوذها الإقليمي.

اليمن بحاجة إلى التنمية، وفرص العمل، والمدارس، والمستشفيات، والطرق، والاستقرار. ولا يحتاج إلى مزيد من الصواريخ والألغام والميليشيات والحروب العابرة للحدود.

الطريق إلى مستقبل اليمن لا يمر عبر السلاح والطائفية ولا عبر مشاريع النفوذ الإقليمي، وإنما عبر استعادة الدولة، وإنهاء التدخل الإيراني، وعودة اليمن إلى محيطه العربي الطبيعي، وبناء دولة تستوعب جميع أبنائها، وتوفر لهم الأمن والتنمية والعيش الكريم.

شارك الافتتاحية
أحمد الصباحي

أحمد الصباحي

رئيس التحرير