تتجلَّى الحكمة اليمانية بأبهى صورها اليوم في حضرموت، مدينة التاريخ والحضارة، ومدرسة التعايش والسلام، رأيناها من جديد متحررة من معترك سياسي وعسكري كاد يطال نموذجها الاستثنائي الذي طالما تباهت به اليمن عبر العصور.
نجت حضرموت، ساحلها والوادي، من الاجتياح الكهنوتي الحوثي عام 2015م الذي تمدّد شمالًا وجنوبًا، وشمل أغلب المدن اليمنية، ووصل إلى عمق عدن وباب المندب، واستدار بمشروعه الدخيل نحو الشرق لغزو بلاد الأحقاف ليجد أمامه عاصفة حزم قاصمة حالت بينه وبين أطماعه.
ونجت حضرموت، ومدن شرق اليمن عمومًا، مرة أخرى من محاولة فرض نموذج أحادي عليها بالقوة في نهاية عام 2025م، لتستدير إلى الوراء فتجد إلى جانبها عاصفة جديدة أعادت ضبط المسار إلى حالته الأولى؛ لتؤكد الأحداث أنّ حضرموت ركيزة أساسية لأمن المنطقة واستقرارها، وأنّ قدرها أنْ تبقى على عهدها مدينة التعايش والسلامة بعيدة عن مشاريع الفوضى.
وعلى امتداد العقود الثلاثة الماضية، وفي زمن تقاطعت فيه الحروب والميليشيات والمشاريع الطائفية، قدمت حضرموت نموذجًا مختلفًا.
حضرموت بتأريخها العريق، وإرثها الحضاري، وطبيعة مجتمعها المسالم، بقيت أقرب إلى منطق الدولة، وأكثر تمسكًا بالاستقرار، وحافظت على خصوصيتها الثقافية والإنسانية؛ فبرز الإنسان الحضرمي نموذجًا للشخصية اليمنية المتوازنة.
في هذه الأرض التي صنعتها الصحراء والبحر والوادي والجبل تشكّلت الشخصية الحضرمية التي تجيد العمل أكثر من الضجيج، والإنجاز أكثر من الاستعراض، فالحضارم خطُّو مدرسة فريدة في قيم الأمانة والاعتدال والمروءة، وصنعوا حضورهم في التجارة والعلم داخل اليمن وفي دول العالم، حتى غدت تلك القيم جزءًا من هويته الراسخة.
ورغم المحاولات المتكررة لجرِّ حضرموت إلى دوامة العنف، ظل وعي المجتمع الحضرمي أقوى من المشاريع العابرة، وانحاز الحضارم إلى الدولة، وتمسكوا بالهوية الوطنية والعربية، ورفضوا كلَّ ما يتعارض مع مدنية حضرموت واستقرارها، مستندين إلى إرث تاريخي عميق، وشخصية تعرف كيف تجمع بين التسامح والثبات.
هناك في سيئون والمكلا والشحر وشبام والقطن والديس وجد آلاف اليمنيين الذين هُجِّروا وفروا مع أسرهم من بطش الكهنوت الحوثي ملاذًا آمنًا بعد رحلة طويلة بين الجبال والصحاري.
هناك استقبلت حضرموت اللاجئين إليها من مختلف المحافظات بلا تمييز، ووفّرت لهم مساحة للحياة والاستقرار دون أن تسألهم عن مناطقهم أو موعد عودتهم، واستمر ذلك حتى اقتربت منها مشاريع الفوضى التي أطلت برأسها نهاية عام 2025، ورأينا صورًا من العنصرية من جماعات لا تنتمي إلى حضرموت، ولا تمت إليها بصلة، لكنها وافدة من خارجها، ورحلت برحيل من حملها.
اليوم تقف حضرموت لتشكِّل ركيزة في معادلة الحل اليمني، ونقطة ارتكاز للاستقرار المحلي والإقليمي، ويعول عليها في أنْ تقول كلمتها، وإليها تتجه الأنظار، فمن المكلا يمكن أن يبدأ مشروع الدولة بعيدًا عن الميليشيات والطائفية، وعلى أرضها تتجسد قيم الوسطية والاعتدال التي حملها الإنسان الحضرمي إلى مختلف أنحاء العالم.
ولأن حضرموت تستحق التوقف أمام تجربتها الثرية وإرثها الحضاري العريق، كان من اللازم أنْ نفرد لها ملف هذا العدد من مجلتكم (المنبر اليمني)، ونغوص فيه في العمق الحضرمي، نستكشف الإنسان والأرض، والهوية والتاريخ، ونجوب جغرافيا شرقنا العظيم بما يمثله من ثقل سياسي واجتماعي، ودور محوري في صناعة التوازن والاستقرار.
سلَّطنا الضوء على تاريخ الحركة العلمية والدينية في حضرموت، وقرأنا ملامح واقعها اليوم، بوصفها نموذجاً في الحكمة والاستقرار، وركيزة أساسية في رسم ملامح مستقبل اليمن، بما تمتلكه من مكانة ودور جامع.
وفي هذه العدد نتأمل عمق الشخصية الحضرمية، ونستعرض تاريخ حضرموت في التجارة والهجرة، ونقف عند وشائج الجغرافيا وروابط الاندماج الاجتماعي التي تجمعها بالمملكة العربية السعودية، دون أنْ نغفل الإسهامات التنموية والإنسانية التي قدمتها المملكة لحضرموت أرضاً وإنساناً، كجزء من العطاء الذي تقدمه لعموم اليمن.

