المنبر اليمني
مآذن تحت الركام الخلفيات العقدية والسياسية لهدم المساجد في اليمن
تحليلات

مآذن تحت الركام الخلفيات العقدية والسياسية لهدم المساجد في اليمن

د كمال القطوي

د كمال القطوي

كاتب وباحث

15 يوليو 2026٠ قراءة

ما الذي يدفع الحوثي إلى هذا العداء المستحكم تجاه المساجد؟ ولماذا كان تفجير بيوت الله من أبرز "منجزاته" خلال حقبته السوداء؟

ما الذي يدفع الحوثي إلى هذا العداء المستحكم تجاه المساجد؟

ولماذا كان تفجير بيوت الله من أبرز "منجزاته" خلال حقبته السوداء؟

في اليمن، لم تكن الحرب على الإنسان وحده، بل على صوت الأذان ومحراب السجود. فبحسب تقرير الشبكة اليمنية للحقوق والحريات (2025)، ارتكبت جماعة الحوثي 4,560 انتهاكًا ضد المساجد وأئمتها في 14 محافظة يمنية بين عامي 2015 و2025، شملت 277 حالة قتل لخطباء ومصلين، و386 حالة اختطاف، و73 واقعة تعذيب، بينها تسع وفيات تحت التعذيب. ورُصد 791 اعتداءً مباشرًا على المساجد، بينها 103 تفجيرات، و201 قصف، و52 حرقًا متعمدًا، إضافة إلى 341 عملية اقتحام ونهب.

ولم يكتفِ الحوثيون بالهدم، بل انتقلوا إلى الهيمنة على المنابر، فحوّلوا المساجد إلى مراكز تعبئة فكرية وتجنيد للأطفال، في واحدة من أبشع صور "تطييف المقدّس" في التاريخ اليمني المعاصر.

إنّ فهم هذه الظاهرة لا يكون بتتبع مشاهد الركام فقط، بل بفهم الجذور العقدية والسياسية التي جعلت من بيوت الله هدفًا رئيسًا في مشروعٍ يقدّس السيطرة أكثر مما يقدّس العبادة.

الجذور العقدية

الحوثي هو الترجمان الأمين للعقيدة الزيدية، ولا يفعل إلا ما تمليه عليه تلك الصحائف التي ترى في مساجد المسلمين "مساجد ضرار". ولأنها كذلك، فلا بدّ من هدمها.

وقد توالت الفتاوى في المدونة الزيدية على مسوغية هدم مساجد المسلمين حتى غدت تلك الممارسة جزءًا من طريقتهم ومذهبهم؛ إذ أفتى الإمام الزيدي عبد الله بن حمزة بهدم مساجد المطرفية، وهي فرقة زيدية خالفته في بعض المسائل الفكرية، فقال فيهم: (ومساجد المطرفية والمشبهة والمجبرة لا حكم لها ولا حرمة؛ لأنها أسّست على جرفٍ هارٍ وهي مساجد ضرار)(المهذب في فتاوى عبد الله بن حمزة:1/339). ومعنى فتواه أن مساجد الزيدية المطرفية، ومساجد أهل السنة والجماعة من الأحناف والشافعية -الذين يصفهم بأنهم "مشبهة" و"مجبرة"- كلّها في نظره "مساجد ضرار". وبمعنى آخر، فإن نحو 90% من مساجد اليمن تندرج تحت هذا الوصف.

ولم تكن فتوى ابن حمزة مجرد تنظير لا أثر له، بل ترجمها إلى أفعال على أرض الواقع، حيث قام بهدم وتخريب عدد من المساجد في ضواحي صنعاء (في وقش، وسناع)، والمناطق التي بلغت إليها قواته. وجاء في كتاب المنتزع المختار: (وأخرب كثيرًا منها، وسبل بعضها)(المنتزع المختار، عبد الله مفتاح: 22/3).

ولم تكن فتوى ابن حمزة يتيمة في سياقها، بل قال بها فقهاء زيديون آخرون، ومنهم الإمام الزيدي أبو طالب الذي أفتى قائلًا: (لا يصح الوقف على مساجد المشبهة والمجبرة؛ لأن حكمه حكم مسجد الضرار) (المنتزع المختار: 22/3).

وهذه الفتوى تتناغم مع موقف غالب أئمة الزيدية الذين كفّروا جمهور المسلمين؛ إذ يرى السواد الأعظم من أئمتهم أن أهل السنة والجماعة "مجبرة مشبهة كفار تأويل" لا حرمة لهم ولا لمساجدهم. قال عبد الله بن حمزة: (ولم يختلف أحد من أهل العدل الأكابر من الأئمة عليهم السلام ومن علماء الأمة من الزيدية أن المجبرة كفار؛ فأما المشبهة فلا كلام أن كفرهم ثابت بلا نزاع) (المجموع المنصوري، عبد الله بن حمزة: 1/94). ولمزيد من التوسع ينظر: (موقف الزيدية من التكفير، أحمد المليكي).

دار الحرب

في الفقه الزيدي، تنقسم الديار إلى دار إسلام، ودار حرب، ودار فسق. وبناءً على هذا التصنيف، فإن "دار الحرب" تشمل كلَّ من خالف النظرية الزيدية، وبالتالي تُستباح تلك الديار بمن فيها من بشر وحجر.

وقد انطلقت حروب الزيدية ضد اليمنيين من هذا المنطلق؛ فعندما أغارت قوات الإمام الزيدي أحمد بن سليمان على بلاد تهامة قتل الرجال، وسبى النساء، وخرّب الدور، وهدم ما بلغته جيوشه. وقد أفتى بأنها "دار حرب" لا حرمة لها ولا لأهلها، وأيّده لاحقًا الإمام الزيدي عبد الله بن حمزة، فقال: (بجواز قتل مقاتلة عرب تهامة وسبى ذراريهم؛ فأغار إلى وادي عين وسبي وقتل، وكذلك إلى المهجم وقتل وسبى، وراحت السبايا إلى الشام ووطئهن المسلمون، وأفتوا بأن دارهم دار حرب، وصرحوا بذلك، وصوبنا ما قالوا وما أفتوا به؛ لأنه الحق الذي نعلمه ويعلمه العلماء)(المجموع المنصوري: 1/82).

وجاء في متن الأزهار - وهو عمدة الفقه الزيدي- أن دار الإسلام هي: (ما ظهرت فيها الشهادتان والصلاة ولم تظهر فيها خصلة كفرية ولو تأويلاً، وإلا دار كفر). وقد عقب شيخ الإسلام الشوكاني على ذلك فقال: (وأما قوله: "ولو تأويلا" فباطل من القول، وخطل من الرأي، فإن هذه المسائل التي اختلف فيها أهل الإسلام ولو كان ظهورها في الدار مقتضيًا لكونها دار الكفر لكانت الديار الإسلامية بأسرها ديار كفر)(السيل الجرار، الشوكاني:976).

وعليه فإن تخريب دور العبادة في دار الحرب أمر مستساغ ولا يجد فيه المقاتل الحوثي أي غضاضة، بل يختم عمله بالتكبير والتهليل!

ويُكَبِّرونَ بِأَنْ قُتِلْتَ وإنّما

قَتَلوا بكَ التّكْبيرَ والتّهْليلاَ

تطهير الأرض من المخالف

شعر رموز الزيدية، عقب ثورة 26 سبتمبر، بأن الأرض قد مادت تحت أقدامهم، وأن حصيلة ألف سنة من المحاولات المستميتة لإنهاض المشروع الزيدي قد آلت إلى الفشل. فلم يُكتب لذلك الحلم النجاح؛ إذ تهاوت آمال الهادي يحيى بن الحسين الذي كان يطمح إلى جعل اليمن منطلقًا لابتلاع الدولة العباسية آنذاك، وإقامة إمبراطورية شيعية كبرى، غير أن المشروع انتهى بموت الهادي مدحورًا في ربوع صعدة.

ثم كانت الطامة الكبرى – في نظرهم – حين زحف التسنن إلى صعدة بعد ثورة سبتمبر، لتخسر الزيدية آخر أوكارها في العالم الإسلامي. وهنا تفجّر غضب حسين الحوثي، فخاطب رفاقه في تنظيم "الشباب المؤمن" قائلاً: "ما الذي يتبقى لنا بعد صعدة إن لم نعلن الكفاح المسلح؟ لا شيء! فإن الوهابية [التسنن] قد أطبقت علينا من جميع الجوانب."

ولما واتتهم الفرصة للانقضاض على الحكم في صنعاء، بعد انقلاب 2014م، لم يكن من خيار أمامهم سوى "تطهير" الأرض – لا سيما إقليم آزال (محور ذمار – صعدة) – من كل معلم من معالم الوجود السني، ليُعاد تشكيل الإقليم كرسيًّا للزيدية، ومنطلقًا لمشروعها، وحاضنة ديمغرافية لفكرها.

لذا صبّ الحوثي جام غضبه على معالم التسنن في تلك المنطقة، وركّز جهده على تفجير دور القرآن وبيوت الله؛ لأنها – في نظره – تمثل شاهدًا حيًّا على إحياء سني أعاد المجتمع إلى نبع الإسلام الصافي، بعيدًا عن احتكار السلالة، وشعوذات عمائم السوء.

خاتمة

تكشف ظاهرة تفجير المساجد في اليمن أن الحوثيين لم يخوضوا حربًا على خصومهم فحسب، بل حربًا على الرموز المقدسة ذاتها. فهي حرب على فكرة "المسجد كملكية جماعية للمؤمنين"، لصالح رؤية تعتبره "منبرًا للولاية الحصرية".

من تفجير دار الحديث إلى مصادرة جامع الصالح، ومن إحراق مساجد البيضاء إلى عسكرة الجوامع في صنعاء، يتجلَّى مشروع يرمي إلى إعادة صياغة الإسلام اليمني على مقاس أيديولوجي مغلق.

لقد وصف القرآن هذا النمط من العدوان من قبل أن يُولد الجناة بقرون، حين جعل تخريب المساجد ذروة الظلم في الأرض، فقال تعالى:﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 114).

وإذا كان "تدمير المسجد" هو أقصى درجات السيطرة الرمزية، فإن "إعادة بنائه للناس جميعًا" ستكون يومًا معيار انتصار اليمن على الحرب والطائفية معًا.

شارك هذا المقال
د كمال القطوي

د كمال القطوي

كاتب وباحث

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة