المنبر اليمني
خطاب الكراهية في الفكر الحوثي  البنية، الأدوات، الوظيفة السياسية
تحليلات

خطاب الكراهية في الفكر الحوثي البنية، الأدوات، الوظيفة السياسية

فيصل المجيدي

فيصل المجيدي

وكيل وزارة العدل

15 يوليو 2026٠ قراءة

خطاب الكراهية في الفكر الحوثي يرتكز على بنية عقائدية مغلقة، تستمد شرعيتها من فكرة الاصطفاء الإلهي، وتستخدم التكفير، والإقصاء، والكذب السياسي، أدوات لتعزيز السيطرة، وإلغاء التعدد الثقافي والفكري، وتبرير العنف.

يعتمد الخطاب الحوثي على إعادة إنتاج صورة "الآخر العدو" سواء كان سياسيًّا، أم مجتمعيًّا، أم مذهبيًّا، بوصفه خارجًا عن النقاء العقدي الذي تدّعيه الجماعة، وأيضًا النقاء العرقي، ما يمنحها غطاءً رمزيًّا لاستباحة الخصوم، واستمرار الحرب على اليمنيين.

من سمات الخطاب الحوثي

1. قداسة السلالة: تحويل مزعوم "الحق الإلهي في الحكم" إلى مرجعية سياسية، تميّز ما تسميهم "السادة - الأسر الهاشمية" عن المجتمع، وتُشَرْعِن استعلاءهم، ودونيَّة الآخرين.

2. التكفير والشيطنة: وصف الخصوم بالخيانة، والعمالة، والنفاق والكفر، بما يبرر القمع، والاعتقال والإخفاء، والقتل.

3. احتكار الحقيقة: اعتبار الجماعة وحدها ممثلة للقرآن، و"أهل الحق"، ورفض أي اختلاف فكري بوصفه "عدوانًا.

4. صناعة العدو الداخلي والخارجي: خلق بيئة نفسية مشحونة تُسكت المجتمع، وتُبرّر عسكرة الدولة.

5. الكذب المُمَنْهج (التَّقيّة السياسية): استخدام الرواية غير الصادقة كجزء من إدارة الصراع، وتبرير الانتهاكات، وإخفاء التدخلات الخارجية.

من آثار الخطاب الحوثي ونتائجه في الواقع

- تفكك النسيج الاجتماعي.

- ارتفاع جرائم الاختطاف، والتجنيد القسري.

- توسيع منطق إقصاء مؤسسات الدولة والمجتمع.

- شرعنة العنف بوصفه واجبًا دينيًّا.

خطاب الكراهية الحوثي وتشكيل الصراع

المؤكد أن خطاب الكراهية ليس عرضًا خارجيًّا عن بنية الحوثي، بل هو جزء من جوهر تكوينه الفكري والسياسي؛ ولهذا فإن أي مشروع سلام، أو مصالحة في اليمن، يجب أن يشمل معالجة هذا الخطاب بأدوات ثقافية، وتعليمية، وقانونية، إضافة إلى تفكيك بنية التحريض القائمة على مزعوم الاصطفاء بمعيار النسب.

ويُعدُّ خطاب الكراهية أحد أخطر أدوات الصراع القائم في اليمن اليوم، وهو ليس مجرد لغة حادة أو شتائم سياسية، بل بنية فكرية متكاملة، تحتل موقعًا محوريًّا في خطاب الجماعة الحوثية، وتنعكس مباشرة في ممارساتها على الأرض. فالحوثي لم يأتِ بخطاب سياسي قابل للتفاوض، بل بخطاب عقائدي يقوم على مزعوم الاصطفاء، واحتكار الحقيقة، ونزع الشرعية عن المجتمع والخصوم كافة.

ويحاول هذا المقال تناول الجوانب الفكرية والسياسية التي تجعل خطاب الكراهية جزءًا مؤُسِّسًا في مشروع الحوثي، ويحلل كيف يُستخدم هذا الخطاب لتبرير العنف، وتأبيد الصراع، وصناعة "آخر" يجب القضاء عليه أو إخضاعه.

أوَّلًا: الجذر العقائدي للكراهية، مزعوم الاصطفاء ومفهوم الحق الإلهي

تقوم البنية الفكرية الحوثية على مركزين أساسيين:

1. فكرة الاصطفاء: أن الحكم والدين والحقيقة لا تكون إلا في "السلالة الهاشمية".

2. فكرة الحق الإلهي: أن خضوع المجتمع للجماعة واجب ديني لا يخضع للنقاش.

هذا النوع من الفكر يقوم على تقسيم المجتمع إلى طبقة مصطفاة (حاكمة)، وطبقة محكومة، وهو ما يخلق تلقائيًّا بنية فوقية تمارس الاستعلاء. ومع كل خطاب ديني يلقيه زعيم الجماعة تتكرر عبارات: "أهل الحق"، "أولياء الله"، "أهل الولاية"، ويقابل ذلك اتهام المختلفين بأنهم "أعداء الله"، "الطغاة"، "المرتزقة" "الصهاينة "، وهي لغة تكفير سياسي مقنّع.

هذه البنية تنتج منطقًا دائمًا للكراهية؛ لأنها ترى في الآخر تهديدًا للعقيدة قبل السياسة.

ثانيًا: الكذب كمنهج... من رواية الضحية إلى صناعة الأسطورة

يشكل الكذب في الفكر الحوثي أداة منهجية لإدارة الصراع، وليس مجرد انحراف سلوكي؛ فالجماعة الحوثية تعتمد على:

- تزييف الوقائع لإخفاء أخطائها.

- تضخيم الانتصارات لتعزيز الولاء.

- صناعة بطولات مقدسة حول قادتها لتغذية طابعها الأسطوري.

- تحميل الآخر مسؤولية جرائمها، كما حدث في ملف المختطَفين، والألغام، والتجنيد.

وتُظهر الأبحاث في علم النفس السياسي أن الحركات العقائدية المغلقة تستخدم "الأكذوبة الكبرى" أداة للسيطرة على الوعي؛ وهذا ينسجم مع نمط الخطاب الحوثي الذي يجعل الكذب جزءًا من "التّقيّة السياسية" المبرَّرَة باسم "مواجهة العدوان". وبذلك يتحوّل الكذب إلى محرّك أساسي لخطاب الكراهية؛ لأنه يصنع صورة مشوهة عن الخصوم، تجعل الجمهور يقبل إقصاءهم، واستباحتهم.

ثالثًا: الإقصاء والتكفير.. من خطاب عقائدي إلى ممارسة عنيفة

لغة الخطاب الحوثي تجاه المخالف ليست مجرد توجيه سياسي، بل نسق تكفيري، يستخدم مفردات دينية لتحريف النقاش، وإعطائه طابعًا مقدَّسًا.

فالخصم وفق خطاب الجماعة الحوثية هو:

- عميل – خائن – داعشي - فاسد العقيدة- عدو آل البيت- شريك العدوان- صهيوني- أمريكي- جاسوس.

هذه المصطلحات تخرج الخصم من دائرة "الوطنية"، و"الشرعية الإنسانية"، وتمنحه موقع "المستباح". وهكذا يتحوَّل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي، تتلاشى فيه الحدود بين الجبهة العسكرية والمسجد والمدرسة والإعلام.

هذا الخطاب لم يبقَ في حدود اللغة، بل ترجمته الجماعة الحوثية إلى:

الاقتحامات، والاعتقالات الواسعة، والسجون السرية، والتعذيب، وفرض المناهج الطائفية، واستهداف الناشطين والأكاديميين. إنه خطاب يولّد عنفًا مؤسّسيًّا يحتاج إلى بنية فكرية دائمة تُغَذِّيه.

رابعًا: شيطنة الآخر.. آليَّة لإعادة تشكيل المجتمع

تستخدم الجماعة الحوثية خطاب الكراهية لإعادة تشكيل الولاءات داخل المجتمع عن طريق "صناعة العدو"، فالآخر في خطابها ليس مجرد خصم سياسي، بل "تهديد وجودي"، وهذا النمط يتكرر في الأنظمة العقائدية المغلقة التي تعتمد على "العدو المتخيّل" لضمان تماسك القاعدة الشعبية. ويتجلى هذا في الآتي:

1. شيطنة الأحزاب السياسية اليمنية واتهامها بأنها أدوات للخارج.

2. شيطنة القبائل التي ترفض التجنيد القسري.

3. شيطنة الإعلام بكونها "صوت العدوان".

4. شيطنة الفئات المدنية التي تطالب بحقوقها.

5. اتهام موظفي الأمم المتحدة بالجاسوسية.

وهذه الشيطنة تُحدث انقسامًا عموديًّا في المجتمع، يقسّمه إلى "أهل الحق"، و"أهل الباطل"، مما يجعل المصالحة أمرًا شديد الصعوبة.

خامسًا: الأثر الاجتماعي.. خطاب ينتج بيئة قابلة للعنف

لا يبقى خطاب الكراهية في حدود اللغة، بل يفرز واقعًا خطيرًا، أبرز ملامحه:

التفكك الاجتماعي: يتحول المجتمع إلى جزر طائفية ومناطق تُدار بمنطق "نحن مقابل هم".

التجنيد القسري: الخطاب الحوثي يستخدم الكراهية لتحفيز الأطفال والشباب على القتال، بحيث يصبح القتل "واجبًا مقدَّسًا".

التأثير على المرأة والتعليم: تُستخدم مؤسسات التعليم والمساجد لتوريث الكراهية، وإعادة إنتاج خطاب الجماعة للأجيال اللاحقة.

تغييب الهوية الوطنية لتحلّ محلها هوية "جهادية" ترتبط بالولي الفقيه، وتفكك الانتماء للدولة.

هذه النتائج لا يمكن عكسها بسهولة؛ لأنها تغيّر البنية النفسية للمجتمع.

سادسًا: من خطاب إلى مؤسسة.. كيف يتحوّل الفكر إلى قوّة مدمِّرة؟

خطاب الحوثي مؤسّس داخل أجهزة الدولة بعد السيطرة عليها، في المناهج، وفي الإعلام الرسمي، وفي خطب الجمعة، وفي المنابر التعليمية، وفي برامج "الدورات الطائفية".

وتحولت الكراهية إلى سياسة عامة، تحاول تشكيل وجدان جيل كامل، وتعيد صياغة المجتمع على أساس الولاء العقائدي، وهنا تكمن خطورة الخطاب، فهو ليس موجهًا للحظات الصراع فقط، بل يبني إنسانًا جديدًا مشحونًا برؤية أحادية، لا يقبل التعدد، ولا يفكّر خارج إطار الجماعة.

كيف نواجه خطاب الكراهية الحوثي؟

أي مشروع سلام لا يمكن أن ينجح دون معالجة خطابه، على أن تقوم المواجهة على الآتي:

1. تفكيك السرديات السلالية عن طريق التعليم والإعلام.

2. تعزيز المجتمع المدني لإعادة الاعتبار للتعدد والمواطنة.

3. تجريم خطاب الكراهية والتحريض بموجب الدستور والقوانين الدولية والمحلية.

4. إعادة بناء التعليم على أسس وطنية لا مذهبية.

5. إحياء دور النخب الفكرية والدينية المعتدلة لخلق خطاب بديل يواجه التطرف.

اليمن يحتاج إلى مشروع يعيد الإنسان إلى مركزه الطبيعي، ويحرره من قوالب العداء والكراهية التي فرضها الفكر الحوثي، كي يعود المجتمع إلى التماسك، وتعود السياسة إلى مسارها الطبيعي بعيدًا عن العنف.

شارك هذا المقال
فيصل المجيدي

فيصل المجيدي

وكيل وزارة العدل

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة