كشف مدير عام المشروع السعودي «مسام» أسامة القصيبي في حديثه لـ المنبر اليمنير"عن حجم الإنجاز الإنساني والأمني، والتحديات الميدانية القاسية، والجهود المبذولة لحماية الفئات الأكثر تضررًا، وعلى رأسهم الأطفال والنساء. كما يستعرض رؤية المشروع المستقبلية ورسائله للمجتمع الدولي في واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحًا في اليمن اليوم.
في بلدٍ أنهكته الحرب، وتحوّلت أرضه إلى حقولٍ خفية للموت، يبرز المشروع السعودي «مسام» لنزع الألغام كخط دفاع إنساني يحمي حياة اليمنيين ويعيد الأمل إلى قراهم ومدنهم. فمنذ انطلاقه في منتصف عام 2018، خاض المشروع سباقًا مع الزمن لإنقاذ المدنيين من أخطر مخلفات النزاع المسلح. أكثر من نصف مليون لغم وعبوة ناسفة وذخيرة غير منفجرة زرعتها ميليشيا الحوثي الإرهابية تمكن المشروع من نزعها، لتتحول الأرقام إلى قصص نجاة وحياة جديدة.
كشف مدير عام المشروع السعودي «مسام» أسامة القصيبي في حديثه لـ المنبر اليمنير"عن حجم الإنجاز الإنساني والأمني، والتحديات الميدانية القاسية، والجهود المبذولة لحماية الفئات الأكثر تضررًا، وعلى رأسهم الأطفال والنساء. كما يستعرض رؤية المشروع المستقبلية ورسائله للمجتمع الدولي في واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحًا في اليمن اليوم.
حوار / جبر صبر
1. بعد الوصول إلى إزالة أكثر من 500 ألف لغم وعبوة ناسفة وذخيرة غير منفجرة، كيف يقيّم مشروع «مسام» حجم هذا الإنجاز على مستوى اليمن إنسانيًّا وأمنيًّا؟
- ما أنجزه مشروع «مسام» منذ انطلاق أعماله في الأراضي اليمنية منتصف عام 2018 وحتى اليوم لم يكن بالأمر الهين؛ فبالنظر إلى الجانب الإنساني، يلمس الجميع الجهود الحثيثة التي بذلها المشروع حتى غدا مشروعًا إنسانيًّا بامتياز، ليس على المستوى المحلّي فحسب، بل على الصعيدين: الإقليمي والدولي أيضًا. لقد نجح «مسام» في تدويل صوت الإنسانية في اليمن وإيصاله إلى أصقاع الأرض كافة، مُستنهضًا ضمير العالم، ومُعرّفًا بوجع اليمنيين ومآسيهم جراء كارثة الألغام التي تُعد أكبر محنة إنسانية عرفها اليمن في تاريخه المعاصر.
أما على المستوى الأمني فيرتكز عمل «مسام» في الأراضي اليمنية بشكل أساسي على نزع الألغام والذخائر غير المنفجرة التي زرعتها الميليشيا عشوائيًّا، مما يعزز الأمن الإنساني مباشرةً عن طريق حماية المدنيين - لا سيما الأطفال والنساء وكبار السن- من خطر الموت أو الإعاقة. ويمهد المشروع الطريق لإعادة الإعمار والتنمية بتطهير الأراضي لضمان العودة الآمنة للسكان، وذلك من خلال فرق يمنية مدربة وفق أعلى المستويات، تشرف عليها نخبة من الخبراء السعوديين والأجانب؛ مما يسهم في تحقيق الاستقرار، وتأمين حياة كريمة للشعب اليمني ببذل جهود متواصلة طوال العام دون توقف.
تحديات المشروع
2. ما أبرز التحديات الميدانية التي واجهت فرق «مسام» خلال سنوات العمل، خصوصًا في المناطق عالية التلوث بالألغام؟
تواجه الفرق الميدانية لمشروع «مسام» تحديات كبيرة بشكل يومي، تتمثل في الكميات الهائلة والمتنوعة من الألغام والذخائر غير المنفجرة التي زرعتها الميليشيات بشكل عشوائي، فضلًا عن غياب الخرائط؛ لأن الميليشيات لم تُسلّم أي خرائط حتى اليوم، إضافة إلى خطورة الألغام والعبوات المموهة، وتلك التي تجرفها السيول وتنقلها من منطقة إلى أخرى.
3. كيف يوازن المشروع بين سرعة الإنجاز وضمان أعلى معايير السلامة لفرق نزع الألغام؟
تتلقّى فرقنا الميدانية تدريبًا دائمًا على يد الخبراء السعوديين والأجانب الذين يعملون طوال الوقت على متابعة ورصد التطور الذي تتبعه الميليشيات في زراعة الألغام والتفنن في جعلها أكثر فتكًا بالإنسان. إضافة إلى أن الخبراء يزورون المواقع باستمرار للإشراف على عمل الفرق والتشديد على تعليمات السلامة. ولقد فطن الخبراء إلى حيل الميليشيات، وتمكنوا من تدريب فرق نزع الألغام على كيفية التعامل مع جميع المواقف الخطرة التي تواجههم أثناء عملهم؛ فالخطأ الأول هو دائمًا الخطأ الأخير في عملنا؛ لذا يكون النازع أثناء عمله مستعدًا طوال الوقت للتعامل مع المواقف الطارئة وفقًا لتدريبات الأمن والسلامة والدورات التدريبية التي يتلقّاها بشكل مستمر.
ألغام عالية الخطورة
4. ما أكثر أنواع الألغام أو الفخاخ التي واجهها مسام خطورة وتعقيدًا، ولماذا؟
لا يوجد لغم خطير ولغم غير خطير، فجميع الألغام عالية الخطورة، لكن الكارثة الكبرى تكمن في الألغام المموهة والمبتكرة التي يصعب كشفها، حيث تواجه فرقنا ألغامًا على شكل صخور، وفي حقائب نسائية، وفي لُعب الأطفال، وعلى هيئة جذوع شجر، وغيرها من الطرق الخبيثة التي قد ينخدع بها المواطن البسيط أو الأطفال الذين يلعبون في الشوارع، أو حتى العاملون في نزع الألغام.
5. إلى أي مدى أسهم مشروع «مسام» في عودة الحياة الطبيعية إلى القرى والمزارع والطرق التي كانت مغلقة بسبب الألغام؟
نتحدث عن أكثر من 76 مليون متر مربع من الأراضي التي جرى تطهيرها. وهذه المساحة الشاسعة تشمل الأراضي الزراعية، والطرق الرئيسة، وآبار المياه، والمنشآت الحيوية، مثل: المدارس، والمستشفيات؛ إذ يركز المشروع في عمله على المناطق التي هجرها سكانها، والعمل على تأمينها لضمان عودة الأهالي إليها مرة أخرى، وهو الإنجاز الأكبر الذي نشعر به دائمًا عند رؤية عودة السكان إلى بيوتهم بعد تطهيرها وإعادة الحياة إليها من جديد.
الأطفال والنساء الأكثر تضررًا
6. كيف ينعكس عمل «مسام» على حماية الأطفال والنساء، وهم الفئة الأكثر تضررًا من مخلفات الألغام؟
اليوم، أصبح الطفل اليمني مدركًا لما يعيشه من كارثة؛ لذا تقوم فرقنا بالتعاون مع البرنامج الوطني اليمني «يمك» بعقد دورات تدريبية داخل المدارس وفي الميادين العامة، إضافة إلى دورات توعوية لربّات البيوت، والهدف من ذلك هو التعريف بأشكال الألغام وخطورتها. ومن خلال سنوات عمل المشروع، نستطيع أن نقول بكل ثقة: إن الجهود التي تبذلها فرقنا استطاعت أن تقي الإنسان اليمني من الموت المحقق الذي كانت تحمله مئات الآلاف من الألغام والعبوات الناسفة والذخائر غير المنفجرة.
8. هل لديكم إحصاءات تختصر حجم المعاناة التي تم إنقاذ المدنيين منها بفضل تدخل المشروع؟
لقد تمكنت فرق مشروع «مسام» من نزع 531,868 لغمًا وعبوة ناسفة وذخيرة غير منفجرة خلال أكثر من 7 سنوات وحتى تاريخ هذه المقابلة، وبلغ إجمالي مساحة الأراضي التي جرى تطهيرها بالفعل 76,237,783 مترًا مربعًا؛ وهذا رقم ضخم جدًّا بالنظر إلى الظروف والتحدّيات التي تواجه فرقنا في الميدان. ولا شك أن كل لغم أو عبوة يتم نزعها تمثل إنقاذًا لأرواح الأبرياء من المواطنين.
خطط المرحلة القادمة
9. ما خطط مشروع «مسام» للمرحلة القادمة، في ظل استمرار زراعة الألغام في بعض المناطق؟
نحن ماضون في عملنا ومسؤوليتنا الإنسانية؛ فمشروع «مسام» مستمر في مسيرته لتأمين الأرض والإنسان اليمني من خطر الألغام والعبوات الناسفة التي يجري تطوير صناعتها وطرق زراعتها وتمويهها في القرى والأحياء السكنية المليئة بعلب الموت، وفي البيوت والمدارس التي استوطنها الإرهاب المدفون تحت الأرض، وكذلك المزارع ومراسي الصيد والجبال والصحاري وغيرها مما استباحته الألغام. ستواصل فرقنا تقفِّي أثر هذه العلب القاتلة لتهزم الآلاف منها في أوكارها، وتحبط مخططاتها ومكائدها الشريرة بحق الشعب اليمني.
10. ما الرسالة التي يود مشروع «مسام» توجيهها للمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية بشأن ملف الألغام في اليمن؟
لسوء الحظ، ومما يحتمُّ ضرورة التحرك الدولي الجاد لإنهاء هذه المآسي، فإن العالم اليوم يعيش أزمات إنسانية لم يسبق لها مثيل، تتطلب تحديدًا أكثر دقة لمفاهيم كثيرة وتشريعات دولية تحسم جدلًا طويلًا في مواقف من شأنها وضع حدود فاصلة بين ما هو مُباح وما هو مُحرم دوليًّا، خاصة فيما يتعلَّق بالحديث عن الاعتبارات الإنسانية وما يندرج تحته من مبادئ، مثل: مبدأ حظر الأسلحة التي تتسبب في إحداث إصابات مفرطة، ومبدأ التمييز بين العسكريين والمدنيين في النزاعات المسلحة، ومبدأ التناسب، إضافة إلى مفاهيم غير محددة جعلت من حياة الإنسان ومستقبله رهينة لقرارات واتفاقيات دولية فتحت الباب على مصراعيه – للأسف الشديد- أمام انتهاكات جسيمة تحت مبرر الضرورة الحربية، ومن ذلك اتفاقيتي جنيف الأولى والثانية لعام 1949م، والإعلان بشأن قواعد القانون الدولي الإنساني المتعلقة بتسيير الأعمال العدائية في المنازعات المسلحة غير الدولية 1990م، وغيرها من المبادئ والمفاهيم التي شكَّلت ذرائع لزارعي الألغام والعبوات الناسفة وسط المدنيين الذين يُفترض أن يكونوا في مقدمة من تشملهم بالرعاية والحماية التشريعات الدولية وقبلها إرادة المجتمع الدولي.
ومما يدعو إلى الأسف أن العالم الذي كان يتطلَّع إلى تكاتف دولي للتخفيف من معاناة الشعب اليمني من الجرائم التي ترتكبها الميليشيات الحوثية الإرهابية، وخاصة تلك المتعلقة بالزراعة العشوائية للألغام والاستهداف المباشر بالعبوات الناسفة، فوجئ مؤخرًا بإحجام بعض الدول والمنظمات الدولية وإعلانها عن إيقاف دعمها للمنظمات والمشروعات غير الربحية العاملة في مجال نزع الألغام في اليمن، وهو الأمر الذي من شأنه مضاعفة المآسي اليومية التي تشهدها قرى ومدن اليمن.
هيئة التحرير
مجلة المنبر اليمني
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





