الشعب اليمني في معركته العسكرية والفكرية التي خاضها ويخوضها في مواجهة المشروع الحوثي أثبت تجذُّرَ أصالته ووعيه وتمسُّكه بهويته، ورفضه كافة محاولات الطمس والتجريف التي تستهدف هويته الدينية والوطنية. ولم يكن الثبات ليتحقق لولا توافر جملة من العوامل التي هيأته لذلك، وسأشير إليها بإيجاز يفي بالمراد. ويأتي في مقدمة تلك العوامل الآتي:
الشعب اليمني في معركته العسكرية والفكرية التي خاضها ويخوضها في مواجهة المشروع الحوثي أثبت تجذُّرَ أصالته ووعيه وتمسُّكه بهويته، ورفضه كافة محاولات الطمس والتجريف التي تستهدف هويته الدينية والوطنية. ولم يكن الثبات ليتحقق لولا توافر جملة من العوامل التي هيأته لذلك، وسأشير إليها بإيجاز يفي بالمراد. ويأتي في مقدمة تلك العوامل الآتي:
أولًا: الإيمان الجازم بالله، وأن الحفاظ على الدين مسؤولية الجميع، والاعتقاد أن الخضوع والانكسار لغيره ذِلةٌ ومهانة لا يرتضيها أي إنسان فضلًا عن مسلم، أضف إلى ذلك أن الشعب، بهويته السنية، يعلم علم اليقين أن الخضوع لا يكون إلا لخالقه جلَّ في علاه، وأن الخوف لا ينبغي إلا من الله، وأن ما أصابه من خير أو شر فمن الله وحده، وأن الأمة لو اجتمعت بعدتها وعتادها ما ضروه بشيء إلا قد كتبه الله عليه. وكل ذلك يجعل مقاومته للظلم والجبروت الذي يفرضه الحوثي على الشعب باسم الولاية والاصطفاء الديني والنسبي واجبًا شرعيًّا، مصداقًا لقوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139].
ولقد كانت الثقة بنصر الله، وما زالت، من أبرز عوامل الثبات؛ إذ يدرك اليمني أن الله ينصر المظلوم ولو بعد حين. كما قال النبي ﷺ: «اتَّقُوا الظُّلمَ، فإنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ» (رواه مسلم).
فكلُّ مقاومٍ حرٍّ لجماعة الحوثي الإرهابية يستشعر أنه ينصر دين الله، ويدافع عن الحق، ويقف ضد الباطل، وهذا يمنحه قوةً وبسالةً وصمودًا وثباتًا.
ثانيًا: الوعي الديني والفكري، ويشمل ذلك الوعي بهويتنا، والوعي بالخطر المحدق بنا. وقد سعى الحوثيون منذ لحظة تمددهم وتمكنهم إلى تجريف الهوية الدينية لليمنيين، ومحاولة توطين فكرهم الطائفي الدخيل على الإسلام الحق المعتدل، وأعلنوا حربًا فكرية على هوية اليمن، لكن وعي العلماء والمثقفين والمجتمع حال دون ذلك. وإن دعوة الإسلام ونهجه وطريقته واضحة تستند إلى قوله تعالى: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ} [يوسف: 108]، لا القتل والتدمير، وبث العنصرية والطبقية بين الناس؛ فهذا سيِّدٌ لابد من الخضوع له والاعتراف بفضله لمجرد نسبه. ونؤكد هنا أن البصيرة والفهم الصحيح للدين هما السلاح الحقيقي لمواجهة الانحراف الفكري والمذهبي الذي جلبه الحوثيون واستنسخوه من إيران.
ثالثًا: الأصالة التاريخية والانتماء الإسلامي والوطني والاعتزاز بذلك شكل عامل ثبات أسهم في إفشال المشروع الحوثي؛ لأن أبناء اليمن يفاخرون بتاريخهم المجيد الممتد من سبأ وحِمير إلى فتوحات الإسلام. وهذا الانتماء العميق جعلهم يرفضون الخضوع لمشاريع طائفية غريبة عن بيئتهم وقيمهم. وقد قال ﷺ عن أهل اليمن: «أتاكم أهلُ اليمن، هم أرقُّ قلوبًا وألين أفئدةً، الإيمان يمانٍ والحكمة يمانيةٌ» (متفق عليه). فالإيمان والحكمة اللذان مدح بهما النبي ﷺ اليمنيين لا يزالان صفتين بارزتين في مقاومتهم ضد الكهنوتية والبغاة والمنحرفين عن منهج الله الحق.
رابعًا: الوحدة المجتمعية، والروابط القبلية الأصيلة والقيم والأعراف السائدة؛ فكلها شكّلت عوامل ثوابت في المعركة الوطنية، ولهذا تماسك المجتمع اليمني رغم محاولات التفريق، ومن المهم نشر التوعية بين ساسة وقادة وكبار شخصيات المجتمع وخاصةً القبائل؛ إذ تجتمع القبائل على نصرة المظلوم ورد العدوان، مستندة إلى قيم الشرف والنخوة.
خامسًا: الصبر والمصابرة في وجه الابتلاءات، فمهما وقع من ظلم وطغيان، وقتل وتشريد، فالمسلم يصبر ويصابر ويرابط في مواجهة الظلم، والتصدي لمن يستهدف الدين، ولا يقبل الدَّنِيَّةَ في دين الله، ولا العيش منكسرًا ذليلًا تحت عبد ليس له من الأمر شيئا إلا ما قدره الله، وهذا مصداقا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} [آل عمران: 200]. فالصبر هو وقود الثبات، وبه يعلو شأن الأمة في مواجهة الظلم والجبروت والطغيان، وباستصحابه يستمر الوعي.
إن ثبات اليمنيين ومقاومتهم للتجريف الحوثي نابع من إيمانهم، وتمسكهم بثوابتهم الدينية والوطنية، ووحدتهم المجتمعية، وتمسكهم بعروبتهم وإسلامهم، وهم بذلك يضربون أروع الأمثلة في الصبر والثبات دفاعًا عن العقيدة، وحماية لهذا البلد الجريح. وسننتصر في معركتنا الفكرية والعسكرية، لكن يجب علينا الأخذ بجميع أسباب النصر، والبعد عن كلِّ العوامل التي تُؤخِّرُ حسم المعركة.

أحمد جحاف
كاتب وباحث
كاتب في مجلة المنبر اليمني.



