المنبر اليمني
العلماء والإعلام ومعركة الوعي
رأي

العلماء والإعلام ومعركة الوعي

د أنور الشرعبي

د أنور الشرعبي

عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن

15 يوليو 2026٠ قراءة

الفضاء في عصرنا الحاضر أصبح ساحة مفتوحة تتقاطع فيه الأفكار، وتتبادل المعلومات وتنشر بسرعة لم تُعهد من قبل، وبات الإعلام، بوسائله المختلفة والمتجددة، حاضرًا في المؤسسات التعليمية والمحاضن التربوية والعلاقات المجتمعية والأسرية وجزءًا من أدوات تشكيل الوعي المجتمعي

الفضاء في عصرنا الحاضر أصبح ساحة مفتوحة تتقاطع فيه الأفكار، وتتبادل المعلومات وتنشر بسرعة لم تُعهد من قبل، وبات الإعلام، بوسائله المختلفة والمتجددة، حاضرًا في المؤسسات التعليمية والمحاضن التربوية والعلاقات المجتمعية والأسرية وجزءًا من أدوات تشكيل الوعي المجتمعي، وأداةً فاعلةً في بنائه أو تشويشه. ولأهمية الإعلام وحاجتنا إليه صار لزامًا على العلماء والدعاة أن يكونوا في قيادة هذه الدفة لمواجهة ومزاحمة الذين ينشرون الغي بمقارعة حججهم، وملء الفراغ بالمعلومة الموثوقة، وتصحيح الانجرافات وكشف الشبهات، وتحصين الأجيال. وإن حضورهم المنهجي في الحوارات العامة، والمنصات الرقمية، والبرامج التربوية الإعلامية وخوضهم معركة الوعي اليوم ليس ترفًا، بل هو واجب ديني وضرورة شرعية للحفاظ على هويتنا وإبقاء المجتمعات المسلمة متماسكة وقادرة على مواجهة التحديات الفكرية المعاصرة.

الإعلام وفرصة العلماء الوصول إلى جمهور لا محدود

أشير هنا إلى مسألة مهمة وهي أن الله عز وجل أمر الناس بالرجوع إلى العلماء والدعاة ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (سورة النساء آية٨٣)، وذلك لكونهم يملكون مزيجًا فريدًا من المرجعية الشرعية والمعرفة العلمية مع القدرة على الاستنباط والتيقظ لما يحاك للمجتمع المسلم من دعاة الغي والضلال والجماعات المنحرفة بكافة أشكالها، أضف إلى ذلك أنهم يدركون ثقل هذه الأمانة التي تحمّلوها بما أعطاهم الله من علم وحضور بين الناس. لكن ماذا إن غابوا أو زهدوا عن وسائل الإعلام؟ لا شك أن غيابهم عن هذه الساحة أو ضعفهم فيها سيكون لصالح خطاب هش أو متطرف أو مضلل، وحضورهم القوي يعيد بوصلة الوعي نحو ما هو صحيح لا ما هو مجاف للحقيقة، وسيسهم ببقاء ارتباطهم بالناس في ظل التحديات التي أنتجتها ميليشيا الحوثي.

الإعلام اليوم بكافة وسائله المتاحة، والإعلام الرقمي خصوصًا بمنصاته المتعددة والمتجددة يمنح فرصة غير مسبوقة للوصول إلى جمهور واسع بتكلفة منخفضة، وفُتحت للعلم والدعوة آفاق واسعة، ووجدت وسائل مساندة للمسجد والمنبر، سهلت للعلماء والدعاة الوصول إلى كافة شرائح المجتمع ونشر الفكر الوسطي المعتدل وكشف الانحرافات التي تهدد أجيال الحاضر والمستقبل.

قوة الإعلام الرسالي

الإعلام الناجح اليوم هو الذي يجمع بين الدقة العلمية وحرفية التواصل؛ إذ لا يكفي العلم وحده إن غاب عن صاحبه الإتقان في إيصال الرسالة. ومن هنا تبرز أهمية أن يستثمر العالم والداعية في صقل معرفته بالإعلام وأدواته الرقمية، وإن لم يتقن هذه المهارات بنفسه فعليه أن يتكامل مع الجهات الإعلامية والإعلاميين حتى تحافظ الرسالة على قوتها وتكون لهم دفة القيادة في تقوية جبهة الإعلام في معركة الوعي.

ودور الإعلام اليوم في معركة الوعي يجب أيضًا أن يكون ذا بُعد وقائي واضح؛ لأن التدخل المبكر بالمعلومة الصحيحة وتصحيح المغلوط والغثاء حصن يمنع من تغوّل المعلومات والعقائد والسلوكيات المنحرفة في عقول المجتمع، والتي يروج لها أصحابها لتحقيق مآرب أيديولوجية أو سياسية، أضف إلى ذلك أن تفعيل العلماء والدعاة وإبرازهم في البرامج التربوية والمنابر الرقمية ضرورة لتعزيز مناعة المجتمع أمام محاولات الاستقطاب والتلاعب بالمعتقدات.

إن عصرنا بمستجداته وتقنياته يحتم ملء الساحة الإعلامية بالدعاة والمصلحين المؤهلين والعمل على تأهيل غير المؤهل؛ نظرًا لشدة حاجة المجتمعات إليهم. وتتطلب معركة الوعي تضافر الجهود بين المؤسسات الإعلامية والعلماء والدعاة والمصلحين، ولا عذر لأحد بالجهل في زمن التعلم المفتوح، وعلى العلماء والدعاة الاستفادة من الفضاء الإعلامي والرقمي في معركة الوعي وحسمها لصالح الحق. فالأمانة التي يحملونها لا تحتمل التردد أو الإحباط أمام هذا الضجيج، بل على العكس هي حافز لمزيد من البذل والعطاء في سبيل توجيه السلوك العام وتقوية الوعي الجمعي، ولا يجوز أن يُترك مشهد الخطاب العام لمن لا أهلية لهم؛ لأن ذلك يؤدي إلى اختلال في فهم الدين، وضياع الهوية، ويزيد من هشاشة المجتمع أمام تحديات العصر.

شارك هذا المقال
د أنور الشرعبي

د أنور الشرعبي

عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة