يقظة المجتمع اليمني كانت ولا تزال الحصن المنيع أمام المشروع الحوثي الذي فشل خلال عقد من الزمن في اختراق وجدان اليمنيين، أو فرض قناعاته العقدية والسياسية على الشعب.
يقظة المجتمع اليمني كانت ولا تزال الحصن المنيع أمام المشروع الحوثي الذي فشل خلال عقد من الزمن في اختراق وجدان اليمنيين، أو فرض قناعاته العقدية والسياسية على الشعب.
سعت جماعة الحوثي منذ اجتياحها العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014 إلى فرض مشروعها العقدي والسياسي القائم على فكرة "الولاية" والإمامة، مستندة إلى تأويلات كهنوتية طائفية تفتح باب الطعن في الدين والنيل من الصحابة، وفي مقدمتهم الخلفاء، إضافة إلى محاولتها إعادة صياغة المجتمع اليمني على أسس جديدة تتماهى مع رؤيتها الطائفية الوافدة المحاطة بالإرهاب. لكن هذا المشروع واجه مقاومة مجتمعية واسعة، وأثبتت السنوات العشر الماضية أن يقظة اليمنيين كانت أقوى من أدوات التجريف والتطييف التي استخدمها الحوثيون، والسؤال هو: لماذا فشل الحوثي في إقناع اليمنيين بمشروعه وعقيديته الإمامية والقبول بفكرة الولاية؟
الفشل الحوثي الذريع في توطين مشروعه الإمامي الخميني يعود إلى أسباب كثيرة أهمها:
الوعي الديني السني الراسخ
المجتمع اليمني يتمسك بالعقيدة السنية التي ترفض فكرة الولاية السلالية الطائفية بما تتضمنه من انحرافات عقائدية، وطعن في الثوابت والمسلمات، وتجريف وتشويه وتكفير لخيار الأمة وهم الصحابة ورموز الأمة الذين -رضي الله عنهم- ومات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راضٍ.
تحقير تاريخ اليمن والنيل من رموزه: اتجه الحوثيون من أول وهلة إلى الكشف عن وجههم الحقيقي، وبدأوا بتشويه رموز اليمن، وتغيير أسماء المؤسسات التي حملت بعض تلك الأعلام، إضافة إلى أحداث تغييرات في التاريخ، ومنع الاحتفالات بالمناسبات الوطنية. وهذا العداء الحوثي قوبل برفض شعبي واصطفاف مجتمعي للدفاع عن المكتسبات؛ لأن اليمنيين خاضوا ثورات متواصلة ضد الإمامة في الماضي، ويعدّون العودة إليها نكسة تاريخية لا يمكنهم القبول بها.
الروابط المجتمعية والدينية العميقة
القبائل، العلماء، والخطباء، الدعاة، الناشطون، الإعلاميون، كان لهم دور فاعل في تحصين المجتمع من الاختراق الطائفي الذي ما ترك وسيلة إلا وظفها لإحداث اختراق في وعي الشعب.
الوعي الشعبي المتزايد
وسائل التواصل، الإعلام البديل، والنقاشات المجتمعية أسهمت في كشف أهداف المشروع الحوثي وخطره على اليمن حاضرًا ومستقبلًا.
الخبرة التاريخية في مقاومة التطييف
اليمنيون سبق أن واجهوا محاولات مشابهة في فترات تاريخية سابقة، ولديهم مناعة ثقافية ضد التغيير الطائفي القسري، واعتزاز بهويتهم ومقاومة لكل من يحاول المساس بها.
الدور التربوي للأسرة والمجتمع المحلي
رغم تغيير المناهج، بقيت الأسرة والمدرسة المجتمعية تحافظ على القيم السنية وتنقلها للأجيال منيعة حصينة، تقاوم وترفض محاولات الحوثي المستميتة لتغييرها أو حرفها عن المنهج الصحيح، وامتنعت بعض الأسر عن إرسال أبنائهم إلى المدارس التي يمارس فيها التطييف، وربما تحملوا تكاليف باهظة من أجل إلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة حفاظًا على دينهم وخوفًا من الفكر الحوثي.
الهوية الوطنية الجامعة
اليمنيون يتمسكون بهويتهم الوطنية الجامعة التي تتجاوز الانتماءات الطائفية والمذهبية، ويرفضون أي مشروع يعيد إنتاج الانقسام، أو يفرض وصاية دينية عرقية أو طائفية أو حزبية على المجتمع.
الطابع القسري للمشروع الحوثي
اعتمد الحوثيون على القوة والبطش لفرض مشروعهم، مما ولّد رفضًا شعبيًا واسعًا بدلًا من القبول الطوعي.
غياب النموذج الجاذب
لم يقدم الحوثيون نموذجًا سياسيًا أو اجتماعيًا أو قيميًّا يمكن أن يقنع الناس بجدوى مشروعهم، بل ارتبط حكمهم بالقمع، الفساد، وتدهور الخدمات، واعتمادهم على أراذل الخلق في ممارسة القمع والتسلط على الناس.
الطابع الاستعلائي للمشروع الحوثي
المشروع الحوثي يجتر فكرة (أنا خير منه) وهو ما يتناقض مع قيم المساواة والعدالة التي يؤمن بها اليمنيون كجزء من إيمانهم بالإسلام العظيم الذي جعل الناس سواسية لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى.
تصاعد سخط المجتمع على الحوثيين
هناك عوامل كثيرة تقف وراء تنامي سخط الشعب اليمني تجاه الحوثيين، ومنها:
الاستهداف الحوثي للهوية الثقافية والدينية
شملت تلك الاستهدافات الطعن في السنة، وتغيير المناهج وتسميمها، والعداء للمؤسسات الدينية والمراكز العلمية، وانتهاك المقدسات، وفي مقدمتها المساجد، وفرض خطباء يؤمنون بفكر الحوثي، وإقصاء الرموز الدينية والاجتماعية المرتبطة بوجدان وواقع المجتمع ومعيشته وثقافته، مما أثار حفيظة المجتمع.
الانهيار الاقتصادي والمعيشي
سياسات التجويع التي انتهجها الحوثيون أدَّت إلى تدهور الوضع الاقتصادي وحلول الكارثة، وحرمان الموظفين رواتبهم وحقوقهم المكفولة شرعًا وقانونًا، وفرض الجبايات على المواطنين.
القمع والانتهاكات
الاعتقالات، والسطو على ممتلكات الناس ومصادرتها، وتقييد الحريات الدينية والإعلامية، زادت من حالة الغضب الشعبي للمشروع الحوثي.
أخيرًا
المشروع الحوثي اصطدم بجدار صلب من الوعي الشعبي، والتمسك بالهوية الوطنية والدينية، مما جعله عاجزًا عن تحقيق أهدافه رغم امتلاكه أدوات السلطة والقوة في مناطق سيطرته، وباتت يقظة المجتمع اليمني تقف حاط صد يزداد صلابة مع كل محاولة اختراق جديدة.

أحمد اليفرسي
مدير التحرير
كاتب في مجلة المنبر اليمني.




