ليست كل الأخطار تُرى بالعين، فبعضُها يتسلّل بهدوء إلى العقول ويغيّر طريقة التفكير، ويعيد تشكيل القناعات حتى يصبح الانحراف فكرة، ثم قناعة، ثم سلوكًا يهدد الفرد والمجتمع، وبعد تشكله ترتفع كلفة تغييره أو القضاء عليه. من هنا تنبع أهمية ما يُسمّى بـالأمن الفكري؛ أي: حماية عقل الإنسان من التطرف بسياج من الوعي الصحيح، وبناؤه على الفهم المتوازن والفكر الوسطي المعتدل.
ليست كل الأخطار تُرى بالعين، فبعضُها يتسلّل بهدوء إلى العقول ويغيّر طريقة التفكير، ويعيد تشكيل القناعات حتى يصبح الانحراف فكرة، ثم قناعة، ثم سلوكًا يهدد الفرد والمجتمع، وبعد تشكله ترتفع كلفة تغييره أو القضاء عليه. من هنا تنبع أهمية ما يُسمّى بـالأمن الفكري؛ أي: حماية عقل الإنسان من التطرف بسياج من الوعي الصحيح، وبناؤه على الفهم المتوازن والفكر الوسطي المعتدل.
ولم تعد الحروب اليوم تُحسم فقط في ميادين القتال التقليدية، بل انتقلت إلى ما يُعرف بـحروب الجيل الخامس، وأصبحت العقول هي الجغرافيا المستهدفة، والأفكار هي الذخيرة. لقد اكتسب الأمن الفكري في عصرنا أهمية قصوى للدولة، وأصبح ضرورة أمنية شديد الحساسية لحماية السيادة الوطنية من التآكل الداخلي، وحماية تآلف المجتمع ووحدته واستقراره من أي اختراق في ظل فضاء مفتوح تستثمره على الجماعات لبث أفكارها.
الوسطيَّة مبدأ ثابت
وضع الإسلام محددات "الأمن الفكري" عبر مفهوم الوسطيَّة لحماية المجتمع من الاستقطاب المتطرف الحادّ. يقول الله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا). هذه الوسطية هي صمام أمان الدولة يحمي حاضرها ويصون مستقبلها، وهو الأمان الجيوسياسي كما يطلق عليه الاستراتيجيون، بالمعنى الذي يتجاوز مجرد الأمن الشكلي إلى قدرة الدولة على حماية مصالحها الحيوية ومكانتها في محيطها الإقليمي والدولي وتأمين مجالها الحيوي من التهديدات الداخلية التي ترتبط بمشاريع خارجية، عن طريق تحصين مواطنيها من الاستجابة للتحريض والاستقطابات، ومن ثم تحمي نفسها من مفاجآت مُهلكة؛ ولذلك كان التعبير النبوي عن خطورة الغلوّ والتطرف دقيقًا، فوصفه بالهلاك والإهلاك للأمم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"إياكم والغلو في الدِّين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغُلوُّ في الدين"، يضاف إلى ذلك أن الغُلوّ في الدين هو المدخل الأول لتفكيك الدولة وسقوطها في فخ الفوضى. والتاريخ يخبرنا أنَّ الدول التي سمحت بنموّ بؤر الغُلوّ انتهت إلى صراعات أهلية دمرت حاضرها ومستقبلها، وفتّتت وحدتها الوطنية، ومزقت نسيجها الاجتماعي.
حوار عبدالله بن ابن عبّاس حكمة بالغة
في تتبع الجذور التاريخية لمواجهة الانحراف نجد أنَّ الصحابة أدركوا مبكرًا أنَّ الفكر لا يموت بالسيف وحده، بل بفكر أصحَّ منه. فحين ناظر ابن عباس -رضي الله عنهما- الخوارج، لم يكن يمارس وعظًا تقليديًّا، بل كان يمارس تفكيكًا لطريقة فاسدة في التفكير.
اعتدال تجربة ملهمة
يُعدُّ المركز السعودي العالمي لمكافحة الفكر المتطرف (اعتدال)، مدرسة في مجالها، وقد عدّ أهل العلم حواراته بأنها جهاد بالبيان، امتثالًا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- :"يحمل هذا العلم من كل خلَفٍ عُدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".
التجربة السعودية في مجال الأمن الفكري تُعلمنا أن الحرب اليوم هي حرب فكرية تبنى على سرديات وتصورات، ومركز اعتماد يقوم على تصحيح السرديات وتصحيح طريقة الاستدلال، ويعتمد على فكرة التحصين الوقائي للأسرة والمدرسة والمسجد، وكذلك وسائل التقنية ومنصّات التواصل الاجتماعي.
الأمن الفكر يهزم التطرّف السياسي
كليَّات الشَّريعة ومقاصد الدين يقْطعان بأنَّ مَناط الأحكام في سياسة الرعية قائم على قاعدة جلب المصالح ودرْء المفاسد. ويقطعان بأنَّ ما تقوم به الحركاتُ المُؤدلجة المبنيّة على التثوير والمعارضات الانتهازية من خروج على الجماعة، وافتئات على مقام وليّ الأمر، هو عينُ الفسادِ الذي نَهت عنه الشَّريعة؛ إذ لا يصحُّ شرعًا ولا عقلًا أن يُنازَع وليُّ الأمر في أصل سلطته عبْر تنظيماتٍ سريّة أو كيانات موازية، لِمَا يترتَّبُ على ذلك من انفراط عقد السمع والطاعة، وفواتِ مقصودِ الدين من حفظ الضرورات الخمس.
تلك الكيانات المؤدلجة نزعت النصوص من سياقاتها الكليّة، ووضعت الخروجَ والفتنة محلَّ المناصحة والحكمة، وغابَ عنها أنَّ المفسدةَ الصغيرة لا تُزال بمفسدة أكبرَ منها. فالتطرُّف الثوريُّ الذي يمارسُه هؤلاء تحت مسمياتٍ زائفةٍ هو في حقيقتِه نقضٌ للمواثيق، وتفريقٌ للكلمةِ، يُفْضي إلى الهرْج والفوضى، وينتهي بضياعِ الدِّينِ والدنيا معًا.
وهذا يؤكد أن التصدّي لهذا الفكر المنحرف هو من أوجبِ الواجباتِ لحفظ كيان الدول، واستعادة سكينة المجتمع واستقراره. ومعلوم أن الشريعةُ مبنية على اليُسر ورفعِ الحرج، لا على سفك الدماءِ وتقويض الأوطان.
تجفيف منابع التطرف
أمنيًّا
- إنفاذ القانون بحزم ضد الكيانات الموازية.
- رصد المحتوى الرقمي والإلكتروني المتطرف
- تفكيك شبكات التمويل
- تحقيق الضربات الاستباقية الاستخباراتية.
مسجديًّا ودعويًّا
- الانتقال من الوعظ العام إلى التفنيد الأصولي لشبهات الخوارج، والجماعات الثورية.
- تقديم خطاب وسطي يربط النص بمقاصد الشريعة في حفظ النفس والنظام العام.
- ترسيخ مرجعية العلماء الراسخين لمنع فوضى الفتيا التي تشرعن العنف.
المؤسسات التعليمية والثقافية
- نشر المفاهيم الصحيحة وبناء عقول عصية على الاختراق الأيديولوجي.
- تعزيز قيم التسامح والتعايش.
- استيعاب طاقات الشباب وتوجيهها نحو البناء الحضاري بدلًا من الانغلاق الفكري.
المجتمع وأولياء الأمور
- تفعيل دور الأسرة في الرقابة الرقمية.
- المتابعة الحثيثة لدوائر أصدقاء الأبناء.
- استبدال لغة القمع بلغة الحوار لردم الفجوة بين الأجيال.
- غرس قيم الولاء والانتماء الوطني باعتباره جزءًا من الالتزام الشرعي، وهو ما يحرم الجماعات المتطرفة من حاضنتها الاجتماعية.

أحمد جحاف
كاتب وباحث
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





