الشبهة: طالعتنا بعض المقاطع بالادعاء أن القرآن الكريم لا يمكن أن يُعرَف ولا يمكن أن نفهمه ولا يمكن أن نعرف أحكامه إلا عبر آل البيت؛ لأنهم قرناء القرآن. والادعاء بأنهم يملكون كتاب الجفر.
والجواب على هذه الشبهة فيما يلي:
أولًا: ادعاء عارٍ عن الدليل، فكلامهم ادعاء لا دليل عليه، لا من القرآن، ولا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهي دعوى باطلة قائمة على غير دليل قال تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111].
ثانيًا: مناقضة مقصد نزول القرآن وتيسيره. فدعواهم تناقض كون القرآن كتاب هداية وبيان وتبيان للناس كافة، خاطب به عقولهم وأفهامهم، وليس كتاب طلاسم أو ألغاز يستحيل فهمه إلا على فئة معينة دون سائر الأمة قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، وقال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]. وأكد تيسيره للفهم والاتعاظ بقوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17]. فلو كان القرآن مستغلقًا لا يُفهَم إلا عبر أشخاص مخصوصين لبطلت به الحجة على سائر الخلق.
ثالثًا: دعواهم تناقض دعوة الخلق كافة للتدبر؛ حيث حث الله عز وجل البشرية كلها على تدبر آياته وفهم معانيه، ولم يستثن أحدًا دون أحد قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، وقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]. فأنزل الله القرآن ليتدبره جميع الكلفين لا فئة محصورة.
رابعًا: أمر الله لنبيه صلى الله وعليه وسلم أن يبين القرآن للناس كافة؛ مما يستلزم أن فهمه ليس خاصًا بأهل البيت قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].
خامسًا: هذه الدعوى تناقض ما جاء في النصوص من الدعوة إلى التعلم والتفقه؛ إذ ما فائدة التبحر في العلم إن كان الفهم الحقيقي مغلقًا ومحصورًا في فئة محدودة؟. قال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [التوبة: 122] فلو كان الفهم الحق والتأويل المعتمد محتكرًا في سلالة بعينها، لصار تفقه بقية الطوائف والعلماء عبثًا لا ثمرة منه، ولأدى إلى سقوط التكليف عن بقية الأمة؛ إذ لا تكليف بمالا يستطاع أو بما هو مغلق الأبواب.
سادسًا: هذه الدعوى لم يقل بها أحد من خيار آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لا من الصحابة رضي الله عنهم ولا من بعدهم فلم يُعرَف عنهم قط أنهم ادعوا لأنفسهم فهمًا سريًا محجوبًا عن الأمة، بل كانوا يردون الناس إلى محكم الكتاب وصحيح سنة رسول الله عليه وسلم، ويفتحون باب العلم والفهم لكل طالب هدى، وقد نفى علي بن أبي طالب رضي الله عنه اختصاص أهل البيت بعلم مستور وأبطل هذه الفرية بيمين قاطعة ففي صحيح البخاري (4/ 69) برقم: (3047) عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ إِلَّا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: «لاَ وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي القُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ»، قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: «العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لاَ يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ». وفي صحيح مسلم (3/ 1567) برقم: (1978) عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ، أَخَصَّكُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ كَافَّةً، إِلَّا مَا كَانَ فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا، قَالَ: فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مَكْتُوبٌ فِيهَا: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الْأَرْضِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا». فأوضح أن التمايز بين الناس إنما يكون بفتح الفهم والتدبر الذي يؤتيه الله من يشاء من عباده الملتزمين بقواعد لسان العرب، وأصول الشريعة وليس بعلم سري باطني محتكر.
سابعًا: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما بالفقه في الدين وأن يعلمه الله التأويل، يبطل حصر العلم والتأويل في سلالة معينة، وإلا لم يكن للدعاء معنى، فالتأويل والفهم ينالان بالفتح الإلهي والاجتهاد والطلب، والتعلم، لا بالوراثة السلالية.
ثامنًا: مناقضة مبدأ حفظ الشريعة ونقلها بالتواتر: فالنبي صلى الله عليه وسلم بلغ الدين كاملًا للأمة كافة دون كتمان، ونقل الصحابة قاطبة القرآن وتفسيره وأحكامه، والقول بأن القرآن لا يفهمه إلا أهل البيت يسقط حجية نقل الصحابة رضي الله عنهم، وتواتر الشريعة، ويفتح الباب للتأويلات الباطنية التي تعطل أحكام الإسلام وظواهره.
تاسعًا: هذه الشبهة تناقض القرآن في أمره بالرجوع إلى الوحي عند الاختلاف قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59]. وقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]. فالرجوع يكون إلى الكتاب والسنة، واستنباط الحكم يكون من القادر على ذلك بغض النظر عن نسبه وجنسه.
عاشرًا: هذه الشبهة تناقض القرآن في أمره بسؤال أهل الذكر قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. فدل أن الفهم واستنباط الأحكام ليس خاصًا بطائفة أو سلالة وإنما بأهلية وعلم أيًا كان جنس الشخص.
الحادي عشر: هذه الدعوى تناقض ما جاء في القرآن من مدح لمطلق العلماء وثناء عليهم؛ حيث تستلزم أن أي عالم لا مكانة له ولا قدر، ولا قبول لقوله ما دام ليس من أهل البيت بخلاف ما دلت عليه النصوص قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18]، وقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]. فلو كان فهم القرآن وتأويله محتكرًا في سلالة معينة، لكان هذا المدح القرآني الشامل لمطلق أهل العلم لا معنى له بالنسبة لسائر الأمة من غير تلك السلالة.
الثاني عشر: هذه الشبهة تناقض القرآن في جعله وراثة الكتاب عامًا في الأمة وليس خاصًا بسلالة قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32].
الثالث عشر: هذه الشبهة تجعل وراثة النبي صلى الله عليه وسلم بالنسب وليست بالعلم وهذا خلاف ما جاءت به الشريعة من أن العلماء ورثة الأنبياء دون تقييد بنسب معين.
الرابع عشر: هذه الشبهة تناقض السيرة العملية التاريخية للصحابة والتابعين وأئمة الإسلام في تفسير القرآن وتناقله؛ فلو كان فهم القرآن مقصورًا على أهل البيت لما اجتهد الصحابة والتابعون من غير أهل البيت في التفرغ لتعلم القرآن وتفسيره وروايته وإقرائه، ولما نقلت عنهم المذاهب والآراء التفسيرية التي ملأت كتب المفسرين. وقد انتفع المسلمون بعلم أهل البيت، كما انتفعوا بعلم سائر الصحابة الذين نقلوا القرآن والسنة وفسروهما.
الخامس عشر: التناقض العملي لأصحاب هذه الشبهة في قبول أقوال أهل البيت؛ فأصحاب هذه الدعوى لا يلتزمونها عمليًا إلا وفقًا لأهوائهم؛ فلن يعملوا بفهم أحد من آل البيت ما دام من أهل السنة، بل لا بد أن يكون على نهجهم، وهذا يسقط دعواهم؛ حيث يردون فهم الشخص ولو كان من أهل البيت ما دام ليس على مذهبهم؛ لأنهم لو قبلوه لتركوا فهومهم المنحرفة واعتقاداتهم الباطلة. وإن قالوا رددنا فهمه لأنه أخطأ. قيل لهم بأي معيار عرفتم خطأه؟ إن قالوا بالدليل، أثبتوا أن الدليل هو الحاكم على أهل البيت وغيرهم، وبطلت شبهة احتكار الفهم في النسب، وإن قالوا لأنه لم يوافق مذهبنا أثبتوا أن المذهب هو إلههم ومتبوعهم.
السادس عشر: تحويل الشريعة من برهان علمي إلى سلطوية نسبية وعنصرية؛ فيؤدي إلى إلغاء المعيار العلمي والترجيح الدليلي وتجهيل الأمة، وهذا يتنافى كليًا مع طبيعة الدين الإسلامي الذي قام على قوله تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]. فهذه الشبهة تجعل المعيار في قبول الفهم هو "من قال" لا "ماذا قال". ثم إذا اختلف القول داخل هذه الفئة، فإن رجحوا بالدليل فلم يحصرونه في هذه الفئة؟ وإن رجحوا بالنسب فهو نسب واحد والقولان مختلفان؛ فيستلزم العودة قسرًا إلى قوة الدليل، وقوة الدليل لا علاقة لها بالنسب. وأيضًا وقوع الخلاف بين أفراد هذه الفئة يعني بالضرورة أن أحدهم قد يخطئ والآخر يصيب، ومجرد تطرق الخطأ لأحدهم يبطل دعوى الاحتكار العصمي للفهم، ويؤكد أن فهمهم كغيرهم يقع فيه الاجتهاد المحتمل للخطأ والصواب.
السابع عشر: هذه الدعوى تجعل العنصرية دينًا؛ حيث تقسم الناس في الأفضلية على أساس العنصر والنسب، وليس على أساس العلم والدين والتقوى، وهو خلاف ما جاءت به شريعة الإسلام العظيمة.
الثامن عشر: كتاب الجفر الذي ينسبونه إلى علي رضي الله عنه، هو كتاب مكذوب باطل مفترى، لا أصل له ولا إسناد. ذكر العلامة ابن خلدون رحمه الله أن واضعه هو هارون بن سعيد العجلي وأن الكتاب: "لم تتصل روايته، ولا عُرِف عينه". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموعة الرسائل والمسائل (4/ 55): "ما ذكر عن علي وأهل البيت من أنهم اختصوا بعلم خصهم به النبي صلى الله عليه وسلم دون غيرهم كذب عليهم، مثل ما يذكر من الجفر والبطاقة والجدول، وغير ذلك". وقال الإمام الذهبي في تاريخ الإسلام ط التوفيقية (9/ 58): "وَقَدْ كَذَبَتْ عَلَيْهِ الرَّافِضَةُ وَنَسَبَتْ إِلَيْهِ أَشْيَاءَ لَمْ يَسْمَعْ بِهَا، كَمِثْلِ كِتَابِ الْجَفْرِ".
التاسع عشر: كتاب الجفر ينافي عقيدة الغيب في الإسلام حيث يزعم مروجوه أنه يشتمل على حوادث الزمان، وعلم ما كان وما يكون إلى قيام الساعة من طريق التنجيم وعلم الحروف، وهذا مصادم لقطعيات العقيدة؛ فالغيب لا يعلمه إلا الله، ولم يودع النبي صلى الله عليه وسلم أسرار المستقبل في كتب مكتومة لخاصة أهله، وادعاء معرفة الغيب أو تنجيم المستقبل كفر وضلال، ينافي صريح القرآن الكريم الذي حصر علم الغيب بالله وحده قال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام: 59]، وقال تعالى: { قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65]، وقال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 26، 27]، وقال تعالى: {فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ } [يونس: 20]، وقال تعالى: { وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ }[الأعراف: 188].
وختامًا: فإن هذه الشبهات المنحرفة لا تهدف إلا إلى تقويض الثقة بكتاب الله عز وجل، وصرف الأمة عن تدبره المباشر، واختلاف هالات وهمية تقدس أشخاصًا وتنسب لهم علم الغيب لابتزاز عقول الجهال. والواجب الشرعي على العلماء وطلبة العلم كشف هذه الأكاذيب وبيان تناقض أصحابها. والله الهادي إلى سواء السبيل.

د بندر الخضر
عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





