المنبر اليمني
معركة فجر اليمن… معركة إرادة واستراتيجية، لا معركة شعارات وانفعالات
فضاء حر

معركة فجر اليمن… معركة إرادة واستراتيجية، لا معركة شعارات وانفعالات

محمد محمد مهدي

محمد محمد مهدي

مستشار وزارة الثقافة

20 أكتوبر 2026٠ قراءة
حجم الخط

معركة فجر اليمن انطلقت لتنتصر، وتمضي نحو غاياتها، لأن المعارك الوطنية الكبرى لا تُخاض بنصف إرادة، ولا تُدار بردود الأفعال، ولا تُقاس نتائجها بضجيج اللحظة. إنها معركة تتطلب وضوح الهدف، وثبات الموقف، والصبر على متطلبات الميدان، والإيمان بأن استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب مشروع وطني لا تقف أمامه تقلبات الآراء ولا حملات التشكيك.

إن الخطأ الأكبر في التعاطي مع معركة بهذا الحجم هو إخضاعها لمنطق العواطف الآنية، أو التعامل معها بعقلية المتابع الذي يريد نتيجة فورية، أو إطلاق الأحكام من خلف الشاشات دون امتلاك المعلومات الكافية أو الإحاطة بتعقيدات الواقع الميداني. فالمعارك الكبرى لا تُدار بعقلية الارتجال، ولا بعقلية العصابات التي تتحرك وفق ردود الأفعال، بل بمنطق الدولة، وحسابات المسؤولية، وتقدير المصالح، وقراءة الميدان، والعمل وفق استراتيجية مدروسة تستوعب طبيعة المواجهة وتحدياتها ومآلاتها.

 

‏لقد تجاوزت معركة فجر اليمن مرحلة الشعارات العاطفية إلى اختبار حقيقي للقدرة على التخطيط، وإدارة المواجهة، وتحقيق الأهداف وفق تقديرات مسؤولة. وفي مثل هذه العمليات، لا يقل الجانب المعلوماتي والاستخباراتي أهمية عن بقية عناصر التخطيط والتنفيذ؛ فالمعرفة الدقيقة بالواقع، وفهم تحركات الخصم، وتقدير الظروف المحيطة، كلها عوامل أساسية في اتخاذ القرارات التي تخدم الهدف وتحد من كلفة المواجهة.

 

‏ومنطلق أساسي في هذه المعركة هو رفض الانجرار إلى إدارة ردة الفعل، ورفض السماح للحوثي بفرض إيقاع المواجهة أو تحديد سقفها وأولوياتها. فليس كل ما يريده الخصم يجب أن يكون محور تحركنا، وليس كل استفزاز يستحق استجابة متعجلة، وليس كل ضجيج إعلامي مؤشراً على حقيقة ما يجري في الميدان. إن امتلاك زمام المبادرة يبدأ من القدرة على التفكير خارج دائرة الاستدراج، والتمسك بالأهداف الاستراتيجية الأوسع، وعدم استبدال الأولويات الوطنية بحسابات اللحظة.

 

‏ولذلك، فإن المعارك التي بهذا الحجم لا تلتفت إلى الشعارات الإعلامية، ولا تُبنى قراءتها على التحليلات السطحية، ولا تُحسم عبر المزايدات أو الأحكام المتسرعة. إنها معارك لها مؤسساتها وقياداتها وأهل الاختصاص فيها، ولها حساباتها التي قد لا تكون جميع تفاصيلها متاحة للرأي العام. ومن حق الناس أن يسألوا ويتابعوا ويطمئنوا، لكن من غير المنطقي أن تتحول المتابعة إلى جلد للذات، أو أن يصبح غياب المعلومات التفصيلية مبرراً للتشكيك، أو أن تُختزل عملية عسكرية معقدة في انطباع عابر أو قراءة متعجلة.

 

‏تأخر النتيجة لا يعني فشل المسار، كما أن ارتفاع الضجيج لا يعني اختلال الميدان. فالعبرة ليست بسرعة الإعلان، ولا بكثرة التصريحات، بل بمدى تحقق الأهداف، وبما تصنعه القرارات من نتائج على أرض الواقع. والنجاح الحقيقي هو أن تُدار المواجهة بمسؤولية ووعي، وأن تُقدَّم المصلحة الوطنية على الاعتبارات الإعلامية، وأن تبقى الغاية الكبرى حاضرة في كل تقدير وقرار.

 

‏وفي هذا السياق، تمثل المملكة العربية السعودية داعماً أساسياً وصادقاً للشرعية اليمنية ولجهود استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، بما يعكس أهمية الشراكة والتنسيق في هذه المرحلة المفصلية. كما أن قيادة الشرعية، ممثلة بفخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، ومعه الشيخ عبدالرحمن المحرمي، واللواء سلطان العرادة، والفزيق طارق صالح واللواء محمود الصبيحي والفريق سالم الخنبشي ومعهم قيادة وزارة الدفاع والداخلية، تتحمل مسؤولية وطنية كبيرة في متابعة مسار المعركة والإشراف على تطوراتها، وتعزيز التنسيق بين مؤسسات الشرعية ومكوناتها، بما يخدم الهدف الوطني الجامع.

 

‏إن المرحلة الراهنة تحتاج إلى رفع المعنويات، وتعزيز الثقة، وتغليب لغة المسؤولية، لا إلى نشر الإحباط أو استباق النتائج أو تحويل كل تطور إلى مناسبة للتشكيك. فالمعركة ليست مادة للاستهلاك الإعلامي، ولا ساحة لاستعراض الآراء، بل قضية وطن وشعب ودولة ومستقبل.

 

‏لسنا مطالبين بتصديق كل رواية، ولا بتعطيل حق النقد والتقييم، ولكننا مطالبون بالتمييز بين النقد المسؤول والتشكيك المجاني، وبين القراءة المهنية والانطباع السطحي، وبين الحرص على النجاح والرغبة في تسجيل المواقف على حساب المعركة.

 

‏فجر اليمن ليس مجرد اسم لعملية عسكرية، بل عنوان لأمل وطني في استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب وفتح طريق نحو يمن آمن ومستقر. والطريق إلى هذه الغاية يحتاج إلى الصبر والثبات والوعي، وإلى دعم كل جهد مسؤول، ومحاسبة الأداء بمعايير موضوعية، وترك التفاصيل الفنية والميدانية لأهل الاختصاص، مع التمسك بحق الشعب في معرفة الحقائق وتقييم النتائج.

‏‏فلنمنح العمل المسؤول فرصته، ولنرفع سقف الوعي بقدر ما نرفع سقف التطلعات، ولنرفض أن تتحول المعركة إلى مادة للإحباط والمزايدات. فالأوطان لا تُبنى بالصراخ، ولا تُستعاد الدولة بالأمنيات وحدها، بل بالرؤية الواضحة، والعمل المنظم، والقيادة المسؤولة، والإرادة الوطنية التي لا تفقد بوصلتها تحت ضغط اللحظة.

 

‏اليمن يستحق دولة، والشعب يستحق مستقبلاً آمناً، والرهان الحقيقي هو على تحقيق الأهداف الوطنية بالمسؤولية والكفاءة والثبات.

شارك هذا المقال
محمد محمد مهدي

محمد محمد مهدي

مستشار وزارة الثقافة

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

عنصرية الحوثي في شوارع صنعاء: حجم الصورة يحدد "قيمة" القتيل
فضاء حر

عنصرية الحوثي في شوارع صنعاء: حجم الصورة يحدد "قيمة" القتيل

تقرير خاص يسلط الضوء على الفرز الطبقي والسلالي حتى بعد الموت من خلال المقاطع التي تظهر الفروق في صور القتلى المعلقة في الشوارع

االشيخ د. فهمي حيدرة18 أكتوبر 2026
رد علمي على بيان منتحل صفة مفتي تعز: المدعو علوي سهل بن عقيل
فضاء حر

رد علمي على بيان منتحل صفة مفتي تعز: المدعو علوي سهل بن عقيل

تفكيك الخطاب من منظور الشريعة الإسلامية ومقاصدها والقانون الدستوري اليمني ملخص تمهيدي للمجلة: يقدم هذا الرد تبيانًا علميًّا يفصل بين المقاصد الشرعية السامية ونصوص الدستور النافذ، وبين التوظيف السياسي والعسكري الذي انتهجه بيان المفتي المعين من قبل المليشيا الحوثية الخارجية شرعًا وقانونًا، تفكيكًا للمغالطات التاريخية والواقعية الموجهة لأبناء محافظة تعز.

دد فهمي محمد حيدرة17 أكتوبر 2026
هـلوسات حـوثـيـة تحت تأثير الـخـرافـة.. مـن الـغـدر بـالـيـمـن إلـى أحـلام الـفـتـح الـمـزعـوم!
فضاء حر

هـلوسات حـوثـيـة تحت تأثير الـخـرافـة.. مـن الـغـدر بـالـيـمـن إلـى أحـلام الـفـتـح الـمـزعـوم!

الحمد لله رب العالمين لم يحصل للحرمين على طول التاريخ الإسلامي من خدمة وتكريم وطهارة وتنظيم ما حصل في عهد الممكلة العربية السعودية شهد بذلك القريب والبعيد والمسلم والكافر. ثم يأتي حوثي لا يعرف للدين وحرماته قدرا ولا يفهم في التاريخ الماضي والحاضر شبرا وينبح بأنه سيحرر الحرمين من الاحتلال؟!! إنه يعيش في غياهب الحقد والجهل وعمى البصر والبصيرة.

د. قاسم قعبان العصيميد. قاسم قعبان العصيمي11 أكتوبر 2026