الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: شبهة الاصطفاء والرد عليها
الدعوى:
يزعم بعض الحوثيين أن الله اصطفى عبد الملك الحوثي للقيادة، كما اصطفى الله محمدا صلى الله عليه وسلم للنبوة، وقال:
هل كان كفار قريش راضون عنه؟ لا لم يرضوا، وكذلك عبد الملك لم يرض عنه كثير من اليمنيين، ارض عنه أو لم ترض عنه لن تضر الحق شيئا.. ماذا تريد بعد أن بين الله لك من دلالات عظمة انتصار المسيرة وهذه الآيات والعلامات والشواهد (فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون)؟
الرد:
هذا الكلام مجرد دعوى يمكن أن يدعيها أي شخص، وهي تدلنا إلى أي دركات من الانحطاط في الفهم قد سقط هؤلاء، والمصيبة الكبرى أن هذا الفهم الضال يُجعل عقيدة دلت عليها الآيات والشواهد.
ويقصد الحوثيون بالآيات التي دلت على اصطفاء أهل البيت في زعمهم قوله تعالى: {ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ}[فاطر: 32]، وقوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ }[القصص: 68] ونحوها من الآيات.
وقد تاهت الفرق الكلامية في معنى هذا الاختيار والاصطفاء، أهو بمعنى الخلق أو الإرادة أو شيء زائد عليهما؟ هل هو نقيض الإكراه والاضطرار أم لا؟ وليس المقام مناسبا لذكر تفصيلها، ولكن أشير إلى خلاصتها بكلام ابن القيم رحمه الله:
أي: هو سبحانه المنفرد بالخلق والاختيار مما خلق، وهو الاصطفاء والاجتباء، ولهذا كان الوقف التام على قوله: {وَيَخْتَارُ}.ثم نفى عنهم الاختيار الذي اقترحوه بإراداتهم، وأن ذلك ليس إليهم، بل إلى الخلّاق العليم، الذي هو أعلم بمحالّ الاختيار ومواضعه، لا مَن قال: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31].
فأخبر سبحانه أنه لا يبعث الرسل باختيارهم، وأن البشر ليس لهم أن يختاروا على الله، بل هو الذي يخلق ما يشاء ويختار، ثم نفى سبحانه أن تكون لهم الخِيَرة، كما ليس لهم الخلق.
وكذلك لم يَفهم معنى الآية مَن قال: إن "الاختيار" ههنا هو الإرادة، كما يقول المتكلمون: إنه سبحانه فاعل بالاختيار؛ فإن هذا اصطلاح حادث منهم، لا يُحْمَل عليه كلام الله، بل لفظ الاختيار في القرآن مطابق لمعناه في اللغة، وهو اختيار الشيء على غيره، وهو يقتضي ترجيح ذلك المختار وتخصيصه وتقديمه على غيره، وهذا أمر أخص من مطلق الإرادة والمشيئة. ([1] )
وقال ابن القيم: والاجتباء: الاصطفاء والإيثار والتّخصيص، وهو افتعال من جَبيتُ الشّيء: إذا حُزتَه إليك، كجباية المال وغيره.
والاصطناع أيضًا: الاصطفاء والاختيار، يعني أنّه اصطفى موسى عليه السلام، واستخلصه لنفسه، وجعله له خالصًا من غير سببٍ كان من موسى ولا وسيلةٍ. فإنّه خرج ليقتبس النّار، فرجع وهو كليم الواحد القهّار، وأكرمُ الخلق عليه، ابتداءً منه سبحانه، من غير سابقةِ استحقاقٍ، ولا تقدُّمِ وسيلةٍ.» ([2] )
وقال ابن الوزير: وقد ظهر أن هذا من الاختيار الذي هو الاصطفاء والاجتباء والانتقاء، لا من الاختيار الذي هو نقيض الاضطرار وليس فيه تأويل، بل هو من المشترك. ([3] )
وقيل: الفرق بين الاختيار والاصطفاء: أن اختيارك الشئ: أخذك خير ما فيه في الحقيقة أو خيره عندك، والاصطفاء أخذ ما يصفو منه ثم كثر حتى استعمل أحدهما موضع الآخر واستعمل الاصطفاء فيما لا صفو له على الحقيقة.» ([4] )
الذي يعنينا هنا هو أن نقول لا جدال في الآيات ولا في معناها العام، ولا في أن لله تعالى أن يختار من يشاء من عباده ويصطفيه، وإنما السؤال: ما الدليل الخاص على أن القبيلة أو الجماعة الفلانية هي المقصودة حتى نقول نزلت في أهل البيت؟، وإذا ورد الدليل وصح في القبيلة أو الجماعة وأنى لهم ذلك؟ فما الدليل على أن حسين الحوثي أو عبد الملك الحوثي هو المقصود بالآية؟ لماذا لا يكون المقصود شخصا آخر في المشرق أو المغرب أو في زحل؟
وهذا لا بد منه وإلا لاستقام لأي أحد أن يدعي أنه رسول من الله ويستدل بآيات عامة من القرآن كقوله تعالى: {ٱللَّهُ يَصۡطَفِي مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلٗا وَمِنَ ٱلنَّاسِۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِير}[الحج: 75].
ولهذا قالت بعض الفرق الضالة من الصوفية الولاية أعلى من النبوة، والولي عندهم فوق مرتبة النبي، وقالت بعض فرق الشيعة كالإمامية الاثني عشرية أئمتهم فوق مرتبة النبيين إلا النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومع هذا أعطوا أئمتهم حق نسخ القرآن والولاية التكونية بالتصرف في الكون، وقالت الشيعة الباطنية: "إن الاصطفاء درجة فوق درجة النبيين، وفوق هذه أيضاً درجة أعلى منها وهي درجة الحجاب، قال المفضل الجعفي:(قلت يا مولاي هل علينا نحن معرفة هذه الدرجات) قال الصادق: نعم، من عرف هذا الباطن فقد سقط عنه عمل الظاهر، ومادام لا يعرف هذه الدرجات ولا يبلغها بمعرفته، فإذا بلغها وعرفها منزلة منزلة، ودرجة درجة، فهو حينئذ حر قد سقطت عنه العبودية، وخرج من حد المملوكية إلى حد الحرية باشتهائه ومعرفته.
قلت: يا مولاي فهل ذلك في كتاب الله؟ قال: نعم، أما سمعت قوله تعالى: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى) [النجم: 42] فإذا عرف الرجل ربه فقد انتهى للمطلوب، ولا شيء أبلغ إلى الله من الوحدانية والمعرفة، وإنما وضعت الأصفاد والأغلال على المقصرين، وأما من قد بلغ وعرف هذه الدرجات التي قرأتها لك فقد أعتقته من الرق، ورفعت عنه الأغلال والأصفاد وإقامة الظاهر. ثم تلا قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [المائدة: 93] وقرأ مولاي: (لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ [النور: 29]، قلت: ما تعني هذه يا مولاي؟ قال: يعني رفعة في المعرفة وارتفاعاً في الدرجات»([5] )
وبنحو هذا يحصل العبث بالوحي والافتراء على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ويستدل الحوثيون والشيعة عموما بأدلة فضائل أهل البيت على فضل الشخص المعين منهم، والصحيح أن أدلة فضائل أهل البيت كأدلة فضائل أهل اليمن وأهل الشام ونحوها، لا يصح تنزيلها على الأفراد فيفضلون بها، لأنها خاصة بالنوع أي المجموع ولا تتنزل على الأفراد، فلا تدل على حجية قول الفرد ولا عصمته ولا اختصاصه بملك أو فهم أو زعامة، كما هو مقرر في أصول الفقه.
وقد جرى الخلاف بين الصحابة ثم من بعدهم، ولم يفهم أو يستدل أحد على صحة فهمه بأنه من قريش للأدلة التي وردت في فضائل قريش، ولا الشامي استدل على حجية قوله أو أنه الإمام أو الزعيم بأحاديث فضائل أهل الشام وهكذا.
بل لم يستدل أحد من الصحابة ممن نص النبي صلى الله عليه وسلم على فضله خاصة بهذه الفضيلة على تقديم فهمه وصحته واختصاصه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» " . فَإِذَا كَانَ جُمْلَةُ قُرَيْشٍ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهَا لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِمْ، بَلْ فِي سَائِرِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ، وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ قُرَيْشٍ نَفَرٌ مَعْدُودُونَ، وَغَالِبُهُمْ إِنَّمَا أَسْلَمُوا عَامَ الْفَتْحِ، وَهُمُ الطُّلَقَاءُ.
وَلَيْسَ كُلُّ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، بَلِ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ - كَابْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيِّ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيِّ، وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيِّ - وَهَؤُلَاءِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ أَفْضَلُ مِنْ أَكْثَرِ بَنِي هَاشِمٍ، فَالسَّابِقُونَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ: حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ وَجَعْفَرٌ وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ أَرْبَعَةُ أَنْفُسٍ. وَأَهْلُ بَدْرٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، فَمِنْهُمْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ثَلَاثَةٌ، وَسَائِرُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ بَنِي هَاشِمٍ([6] ).
ومما يستدل به الشيعة على اختصاصهم بالاصطفاء وحجية إجماعهم قول الله تعالى: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِ اللهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) ﴾ [الحج : 78].
قالوا وجه الاستدلال: أن الاجتباء هو الاختيار، وهو تعالى لا يختار للشهادة إلا العدول، وظاهر الآية وإن تناول جميع ولد إبراهيم عليه السلام، فإنه يخرج من عدا أهل البيت بالإجماع، لوقوع الاتفاق على أن قول من عداهم ليس بحجة، وإنما الخلاف في إجماعهم، فلا يجوز أن يخرجوا من عموم الآية لغير دلالة فثبت إن إجماعهم حجة.
ولم ينص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن قول غير عترته من القبائل حجة، فيجب حمل الآية على أن المراد بها عترته دون سائر ولد إبراهيم لهذه الدلالة([7]).
واستدلالهم بالآية على حجية إجماع أهل البيت أنه مجرد دعوى مبنية على التوهمات، فالقول بوقوع الاتفاق على أن إجماع غير أهل البيت ليس بحجة دعوى يردها وجود الخلاف حول إجماع أهل المدينة، ووجود الخلاف حول إجماع الخلفاء الأربعة بغض النظر عن الراجح لكن وجود الخلاف حول إجماع غير أهل البيت يبطل الدعوى([8]).
وعليه فلا يصح الاستدلال باستصحاب معنى الآية من موطن الاتفاق وهو الكلام على الأمة المحمدية المؤمنة إلى موطن الخلاف وهو إجماع أهل البيت.
ثم إن القول بأنه لم ينص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن قول غير عترته من القبائل حجة، فيجب حمل الآية عليه، هو استدلال بنفس الدعوى، لأنه لم يصح هذا القول حتى تحمل الآية عليه.
والصواب أن الآية في الأمة المحمدية المؤمنة جميعاً، يوضح ذلك أن أصح ما يفسـر به القرآن هو القرآن نفسه.
ومما يدل على أن المراد بالآية الأمة المؤمنة جميعاً قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة : 143] فمعنى الآية هنا هو نفس معنى آية الاجتباء التي استدلوا بها من حيث إثبات العدالة للأمة فالوسط العدل، وأكد ذلك هنا بقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
ثم إن آية الاجتباء التي في سورة الحج تتكلم عن الأمة، فالخطاب في السورة مصـرح بذكر الأمة من أول الآيات قال تعالى: ﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67)... وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ.. ﴾[الحج :67- 78]
والقول بأن هذا الاجتباء للأمة قول أهل العلم من المفسـرين والأصوليين وغيرهم، وقيل: أن الآية في الصحابة خاصة([9]).
واستأنس يحيى بن حمزة بالإضافة إلى عدم الدليل على العصمة والحجية، بما ينسب إلى علي رضي الله عنه : (فإني لست في نفسـي بفوق أن أخطئ) : لم أبلغ إلى حالة العصمة عن الخطأ([10]).. فحاله رضي الله عنه لا تختلف عن حال الذين كان يتكلم معهم.
ويقول المهدي: لا يقال: فإن علياً كان عندكم معصوماً، ولم تجعلوا قول العِترة حجة إلا للعصمة، فيلزمكم أن يكون قوله وحده حجة، وكذلك قول الحسن وأخيه وأمه، ولا قائل بذلك إلا الإمامية، لأنا لا نقول بهذا.. فإنا نجيب عن ذلك بأنه قد ظهر مخالفة الصحابة إياه في كثير من المسائل.. ولم ينكر.... اهـ ([11]).
وأما الاستدلال بقول الله تعالى: {ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ}[فاطر: 32]
فبقية الآية يرد عليهم كما هو واضح أنها في هذه الأمة، وقد أحسن البغوي حينما قال: قَالَ جَعْفَرُ الصَّادِقُ: بَدَأَ بِالظَّالِمِينَ إِخْبَارًا بِأَنَّهُ لَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ إِلَّا بِكَرَمِهِ، وَأَنَّ الظُّلْمَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الِاصْطِفَاءِ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمُقْتَصِدِينَ لِأَنَّهُمْ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، ثُمَّ خَتَمَ بِالسَّابِقِينَ لِئَلَّا يَأْمَنَ أَحَدٌ مَكْرَهُ، وَكُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ. ([12])
وهذا يبين أنها في هذه الأمة المحمدية كما نقل عن السلف، ويبين أن الاصطفاء والولاية والصديقية ونحوها كلها مراتب تقبل الانقسام. ([13])
خطر:
وتقديس القيادة تقديسا يعطل النقد والمحاسبة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الطاعة في المعروف)، وليت الأمر يقف عند هذا، بل يصل إلى الاستعلاء والتكبر كحال إبليس، وينتج عن هذ الفكر العنصري احتقار الآخرين واستحلال أموالهم وأعراضهم ودماءهم كما هو واقع اليوم، وكل ذلك تحت مسمى الحق الإلهي المزعوم كحال اليهود والنصارى الذين أبطل الله مزاعمهم بقوله: (بل أنتم بشر ممن خلق) حينما قالوا:( نحن أبناء الله وأحباؤه).
وتعال معي لترى ما الفرق بين هذا الحق الإلهي المزعوم عند الحوثيين ونتائجه وآثاره المدمرة، وبين ما في التوارة المحرفة عن فكرة الشعب المختار:
"تكرر التوراة في العديد من نصوصها وصف اليهود بأنهم شعب الله المختار ومن عداهم (غوييم)، حيث تحولت فكرة الاختيارية هذه إلى مزاعم عقيدية تستند على الاصطفاء والاستثناء والاستعلاء والعداء وادعاء القداسة. فالزعم بالاختيار راسخ في نفوس اليهود والتي يتشربها الطفل منهم منذ الصغر ومنها: "لأنك شعب مقدس للرب إلهك وقد اصطفاك الرب لتكون له شعباً خاصاً على جميع الشعوب التي على وجه الأرض". وهم كذلك يعتقدون أنهم شعب استثنائي: "أنا يهوه إلهكم الذي ميزكم من الشعوب". أما الاستعلاء على بقية الشعوب فهو فعل عبادة كما في الخطاب التوراتي: "يقف الأجانب ويرعون غنمكم أما انتم فتدعون كهنة الرب تأكلون ثروة الأمم وعلى مجدهم ينآمرون". أما الروح العدوانية فتتجسد على لسان إلههم يهوه: "فلا تقطعوا عهدا مع سكان هذه الأرض". وأيضا يبشرهم: "فاعلم اليوم أن الرب إلهك هو يعبر أمامك كنار آكلة هو يقرضهم وهو يذللهم أمام وجهك فتطردهم وتبيدهم سريعاً كما كلمك الرب إلهك". هم أيضاً شعب الله المقدس والاعتداء عليه اعتداء على الرب: "أسير بينكم وأكون لكم إلها وانتم تكونون لي شعباً". وفي موضع آخر: "لأنك شعب مقدس للرب إلهك". هكذا أدت هذه النصوص إلى نمو الوعي العنصري بفكرة الشعب المختار والى الإيمان بجنس وأمة متفوقة، كتب لها تاريخ خاص لا تندمج في أمة أخرى ولو عاشت بينها أجيالا، والواقع أن هذه الكتابات الملفقة تؤسس لأسطورة شعب الله المختار بمضمونها العنصري"([14])
اللهم إنا نسألك الهدى ونعوذ بك من الضلال، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
[1] ) «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - ط عطاءات العلم» (1/ 109- 110).
[2] ) «مدارج السالكين» (3/ 259 ط عطاءات العلم).
[3] ) «العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم» (7/ 35).
[4] ) «معجم الفروق اللغوية الحاوي لكتابَي العسكري والجزائري» (ص29 ط قُمّ)..
[5] ) انظر: «موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام» (9/ 265 بترقيم الشاملة آليا):«((الهفت الشريف)) (ص42) وانظر (ص125)».
[6] ) «منهاج السنة النبوية» (7/ 243)..
([7]) المجموع المنصوري الجزء الثاني (القسم الثاني) - (2 / 40) وجوهرة الأصول وتذكرة الفحول للرصاص الحفيد (ص346).
([8]) البحر المحيط للزركشي (3/528، 535) و الفصول اللؤلؤية (ص 257، ص307). وكتاب هداية العقول مع الحاشية (1/537-538)وإرشاد الفحول للشوكاني (ص304-308).
([9]) جامع البيان في تفسير القرآن للطبري ( 16/644-647) وتفسير القرآن العظيم، تأليف: أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي [ 700 -774 هـ ] (5/ 455) المحقق : سامي بن محمد سلامة، الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999م، والتحرير والتنوير لابن عاشور(17/251) و الموافقات في أصول الفقه، تأليف : إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي (2 / 255) تحقيق : عبد الله دراز الناشر : دار المعرفة – بيروت، وهداية العقول (1/501-502) والكاشف لذوي العقول (ص 141- 142) والْمُهَذَّبُ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ تأليف : د. عبد الكريم بن علي بن محمد النملة (2 / 861) دار النشر : مكتبة الرشد – الرياض، الطبعة الأولى : 1420 هـ - 1999م.

د. قاسم قعبان العصيمي
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





