لم تكن السعودية يومًا جارًا عابرًا، بل كانت دائمًا الحاضر حين يغيب الآخرون، والصامت حين تضجّ الأصوات بلا مضمون، والداعم حين تنفد الخيارات. علاقة نجحت فيها الحكمة أكثر مما نجح الصخب.
ليست كل العلاقات بين الشعوب تُقاس بالحدود، ولا تُفهم من الخرائط الجغرافية. بعض العلاقات تُدرك بالشعور والترابط الوجداني، وبالتجربة والتعايش قبل التحليل؛ إنها علاقة تتجاوز السياسة لتُرى في الشعوب تقاربًا وتآلفًا وانسجامًا. هكذا هي العلاقة بين السعودية واليمن؛ علاقة لا تبدأ من خطٍ متعرّج على الرمال أو الجبال، ولا تنتهي عند منفذ قد يطرأ ما يُغلقه.
لم تكن السعودية يومًا جارًا عابرًا، بل كانت دائمًا الحاضر حين يغيب الآخرون، والصامت حين تضجّ الأصوات بلا مضمون، والداعم حين تنفد الخيارات. علاقة نجحت فيها الحكمة أكثر مما نجح الصخب.
السياسة قد تتغير، نعم، والظروف تتبدل، لكن ما بين السعودية واليمن ظل ثابتًا: الحرص على أن يبقى اليمن قائمًا لا ساحةً، ودولةً، لا فوضى.
حين اهتزَّ اليمن في محطات كثيرة امتدت يد السعودية لتثبيته ومساندة شرعيته؛ بادرت فانطفأ الحريق وبدأ النماء. لم تبحث يومًا عن مكسب على حساب اليمن، بل عن توازن مفقود إن استمر فقدانه امتد أثره خارج الحدود. وحين تعقّد المشهد، لم تدفع نحو الانقسام، بل نحو الدولة. هذا هو الفارق بين من يرى في اليمن مشروع نفوذ، ومن يراه عمقًا واستقرارًا.
لم تقل السعودية يومًا إنها وصية على اليمن، لكنها قالت — بالفعل لا بالقول — إن انهياره خطر على الجميع. وهذا ما أثبتته التجارب، فكلَّما ضعف اليمن تمددت الفوضى، وكلما اقترب من الاستقرار تنفست المنطقة.
كثيرون يتحدَّثون عن السياسة، وقليلون يتحدثون عن الإنسان. والسعودية في علاقتها باليمن بدأت من الإنسان: من الغذاء والدواء، ومن الجامعة والمدرسة والمستشفى، ومن الكهرباء والماء، من المدينة والقرية والطريق المقطوع؛ لأن التنمية ليست شعارًا، بل فعل صامت لا يحتاج إلى ضجيج.
يُخطئ من يظن أن دعم اليمن كان عبئًا على السعودية، بل كان الدعم السعودي — ولا يزال — خيارًا استراتيجيًا. فاليمن المستقر مصلحة مشتركة، واليمن المزدهر ليس حلمًا، بل ضرورة.
وفي كلِّ مرَّة حاولت الفوضى أن ترفع رأسها، أو سُعي إلى استنباتها، كان الصوت السعودي واضحًا وحازمًا: لا بديل عن الدولة، ولا طريق غير الاستقرار، ولا مستقبل يُبنى بالسلاح أو التحريض أو الإعلام المنفلت، ولا مكان لتفريخ المشاريع خارج إطار الدولة.
العلاقة بين البلدين ليست علاقة تابع ومتبوع، بل علاقة شقيقين يعرفان أن الخصام لا يصنع مستقبلًا، وأن التنمية لا تنمو في ظل الانقسام؛ ولهذا كان النداء السعودي دائمًا موجّهًا للجميع: اصطفوا من أجل اليمن لا ضد بعضكم، قرروا ونحن معكم وسندكم، وأنتم “أهلنا”.
من ينظر بتجرّد سيرى أن السعودية اختارت الطريق الأصعب: طريق الصبر، والحوار، وجمع الشتات، ودعم الدولة، لا طريق الاستثمار في الفوضى.
اليمن لا يحتاج مزيدًا من الأصوات المرتفعة، بل مزيدًا من العمل الهادئ. والسعودية — في كل مراحل العلاقة — كانت أقرب إلى العمل، وأبعد عن الضجيج.
العلاقة بين بلدينا علاقة يصعب تحديد تاريخها وحدودها، لكن من السهل سرد شواهد عمقها. علاقتنا علاقة جوار، ومسؤولية، ومصير.
استقرار اليمن ليس شأنًا يمنيًّا فقط، بل شأن كلِّ من يعرف أن النار إن اشتعلت في بيت الجار وصلت حرارتها إلى الجميع.

د ياسر الشرعبي
عضو هيئة التحرير
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





