المنبر اليمني
انتفاضة الكلمة والمسؤولية الوطنية
حتى نلتقي

انتفاضة الكلمة والمسؤولية الوطنية

د ياسر الشرعبي

د ياسر الشرعبي

عضو هيئة التحرير

16 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

انتفاضة الكلمة تبدأ بيقظة الضمير، ونمو الحس الوطني، وإدراك الأخطار، وتتطلب إقدامًا لترميم جسور الثقة بين الوطن وأبنائه، وبين النخب والشعب.

الوعي هو الخط المناعي الأول في القضاء على الأوبئة الفكرية في مهدها، ومنع تمددها في جسد الوطن، والكلمة هي من تشكّل الوعي في الاتجاهات كلها. وفي معركتنا الوطنية تعد الكلمة بكل مستوياتها (العفوية الشعبية، والنخبوية) خط الدفاع الأول في مواجهة المشاريع الوافدة التي تستهدف الوطن في هويته ووجوده، وفي مقدمتها المشروع الحوثي القائم على التضليل الأيديولوجي، وتزييف الوعي، وتفكيك الانتماء الوطني، ومحاولة توطين هوية وافدة.

والفرد هو محور معركة الكلمة هدمًا أو بناءً، مشاركة أو إحجامًا، وبوعيه يتحقق الوعي الجمعي، إذ كل جمع يبدأ بوعي فردي، وجميعنا مسؤولون عن بناء هذا الوعي. وحين يدرك الإنسان أن الصمت في مواقف الحقيقة تواطؤ، لن نجد صامتًا في قضايا الوطن، ولن نجد صامتًا لديه حسابات لا تنتهي، بل ستتحول الكلمة إلى مسؤولية، يحترم قولها وكتابتها ونشرها وتوجيهها رصاصةً في قلب المشروع الذي يستهدف الجميع، وحين تنتفض كلمة النخب والمسؤولين كلهم وأفراد الشعب، سيسقط كل مشروع، وينتهي بالموت أو الرحيل.

قد تنتفض الكلمة حينًا، لكن كل فرد يكتب بلغته وطريقته، جادًا وساخرًا، مدافعًا عن هويته الجامعة وحاميًا لمحيطه، وكاشفًا ومفنّدًا لكل زيف يراد له أن يصبح حقيقة. وحين تنتفض الكلمة وتتحول إلى معركة وعي وطني، ستقتل المشاريع الوافدة في مهدها، وستقتل الشائعات ولا تنقلها، وسيموت خطاب الكراهية، وسيدفن التطرف، ويعيش الشعب في أمن وسلام وتعايش.

ولن يقف الوعي وتغيب الحقيقة بانتفاضة الكلمة؛ فقد كانت المؤسسات الإعلامية الوطنية الهدف الأول لجماعة الحوثي الإرهابية، لأنها أدركت أثر الكلمة الحرة في بناء الوعي، فسعت إلى إسكاتها بكل الوسائل، وعملت وما زالت تعمل على إنتاج مفاهيم الاصطفاء، وتبرير العنف، وتشويه رموز الوطن، وتوطين ثقافات وافدة على حساب هويتنا.

ولولا انتفاضة الكلمة لكان أصحاب الأقلام الحرة من ضمن بنك أهداف جماعة الحوثي وأولوياتها، ملأت بهم السجون، وشردتهم، وما زالت تختطف وتخفي أعدادًا منهم خوفًا من انتفاضة الكلمة، وخوفًا من تأثر الناس بما يكتبون؛ لأن الانتفاضة قد تبدأ بكلمة توقظ الضمير وتدق جرس الخطر.

لكن تنتفض الكلمة ويتشكل الوعي فإن المسؤولية الوطنية تحتم تبني مشاريع إعلامية تفكك الخطاب الحوثي، وتكشف تناقضاته، وتعرّيه، وتقدم خطابًا وطنيًا جامعًا، ومفاهيم وقيم الدولة الوطنية، وترسخ المواطنة المتساوية، وتسهم في الحفاظ على الإنسان وكرامته وحقه في الحياة.

ولكي تنتفض الكلمة يجب أن تضاعف وسائل الإعلام من دورها في تشكيل الوعي، وتعمل على تنويع برامجها ومحتواها إلى كل فئات المجتمع. فالكلمة الإعلامية قادرة على بناء الفكر أو هدمه، وتشكيل الرأي، وهي كذلك قادرة على الإسهام في توحيد الصف أو تعميق الانقسام.

بغير انتفاضة الكلمة وتشكل الوعي وإسهام النخب في ذلك وإقدامهم من غير حسابات وهمية، ستعود رحى الحرب كلما هدأت لتطحن الشعب وتنهك جسد الوطن، وسنبقى أسرى لمن يملك السلاح.

انتفاضة الكلمة في وجه المشروع الحوثي وغيره من المشاريع التي تستهدف الوطن مسؤولية كل فرد يرى في الوطن قيمة تستحق الدفاع، وهي ثورة يجب أن يسهم في تشكيلها العالم، والصحفي، والسياسي، والمثقف، ويشارك فيها العامي والمتعلم من الرجال والنساء؛ لأن الوطن مسؤولية الجميع.

انتفاضة الكلمة تبدأ بيقظة الضمير، ونمو الحس الوطني، وإدراك الأخطار، وتتطلب إقدامًا لترميم جسور الثقة بين الوطن وأبنائه، وبين النخب والشعب.

وأخيرًا، فإن انتفاضة الكلمة يجب أن تسبق انتفاضة المعركة العسكرية، وتترافقها، وتبقى بعدها.

شارك هذا المقال
د ياسر الشرعبي

د ياسر الشرعبي

عضو هيئة التحرير

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

اليمن سينتصر
حتى نلتقي

اليمن سينتصر

أنا الأرضُ التي قال فيها رسولُ الله ﷺ: «الإيمانُ يمانٍ، والحكمةُ يمانية»، أنا سدُّ مأرب وعرشُ بلقيس، وأنا المدرّجاتُ التي نحتها أجدادُكم في صدر الجبل حتى أطعم الجبلُ أهلَه، عشتُ آلافَ السنين، ورأيتُ الغُزاةَ يأتون ثم يرحلون جثثًا أو خائبين، ورأيتُ الطغاةَ يتعاقبون ثم يسقطون، وبقيتُ أنا، وبقي أبنائي.

د. ربيع بن طاهرد. ربيع بن طاهر18 أكتوبر 2026
اليمن بلا حوثي.. استعادة الوطن والهوية والإنسان
حتى نلتقي

اليمن بلا حوثي.. استعادة الوطن والهوية والإنسان

حين يتخيَّل اليمني يوم الخلاص، فإنه لا يتخيل لحظة توقف الحرب أو انتهاء جولة من جولات القتال، بل يتخيل وطنًا يستعيد عافيته، ودولة تستعيد حضورها، ومجتمعًا يتنفَّس من جديد. اليمن بلا جماعة الحوثي يعني، قبل كل شيء، اليمن بلا مشروع يفرض نفسه على الدولة والمجتمع بقوة السلاح، وبلا أفكار سلالية وعنصرية واستعلائية تجعل من النسب معيارًا للتمييز بين أبناء الوطن الواحد.

محمد محمد مهديمحمد محمد مهدي27 سبتمبر 2026
ماذا تصنع محاضن الحوثي بأجيال اليمن؟
حتى نلتقي

ماذا تصنع محاضن الحوثي بأجيال اليمن؟

تتمثل جناية العقيدة الحوثية المغلوطة على ديموغرافية اليمن وجيله الناشئ في أمور كثيرة منها: ١- تجريف الهوية الوطنية اليمنية. ٢- فرض مشروع طائفي سلالي مغاير لتاريخ اليمن المتنوع عبر تفكيك نسيجه الاجتماعي. ٣- تغيير المناهج التعليمية، وتدمير المؤسسات الثقافية. ٤- تجريم التفكير الحر خارج إطار العقيدة الحوثية لترسيخ عقيدة الولاء المطلق للجماعة.

د.عبدالله بن غالب الحميريد.عبدالله بن غالب الحميري23 أغسطس 2026