انتفاضة الكلمة تبدأ بيقظة الضمير، ونمو الحس الوطني، وإدراك الأخطار، وتتطلب إقدامًا لترميم جسور الثقة بين الوطن وأبنائه، وبين النخب والشعب.
الوعي هو الخط المناعي الأول في القضاء على الأوبئة الفكرية في مهدها، ومنع تمددها في جسد الوطن، والكلمة هي من تشكّل الوعي في الاتجاهات كلها. وفي معركتنا الوطنية تعد الكلمة بكل مستوياتها (العفوية الشعبية، والنخبوية) خط الدفاع الأول في مواجهة المشاريع الوافدة التي تستهدف الوطن في هويته ووجوده، وفي مقدمتها المشروع الحوثي القائم على التضليل الأيديولوجي، وتزييف الوعي، وتفكيك الانتماء الوطني، ومحاولة توطين هوية وافدة.
والفرد هو محور معركة الكلمة هدمًا أو بناءً، مشاركة أو إحجامًا، وبوعيه يتحقق الوعي الجمعي، إذ كل جمع يبدأ بوعي فردي، وجميعنا مسؤولون عن بناء هذا الوعي. وحين يدرك الإنسان أن الصمت في مواقف الحقيقة تواطؤ، لن نجد صامتًا في قضايا الوطن، ولن نجد صامتًا لديه حسابات لا تنتهي، بل ستتحول الكلمة إلى مسؤولية، يحترم قولها وكتابتها ونشرها وتوجيهها رصاصةً في قلب المشروع الذي يستهدف الجميع، وحين تنتفض كلمة النخب والمسؤولين كلهم وأفراد الشعب، سيسقط كل مشروع، وينتهي بالموت أو الرحيل.
قد تنتفض الكلمة حينًا، لكن كل فرد يكتب بلغته وطريقته، جادًا وساخرًا، مدافعًا عن هويته الجامعة وحاميًا لمحيطه، وكاشفًا ومفنّدًا لكل زيف يراد له أن يصبح حقيقة. وحين تنتفض الكلمة وتتحول إلى معركة وعي وطني، ستقتل المشاريع الوافدة في مهدها، وستقتل الشائعات ولا تنقلها، وسيموت خطاب الكراهية، وسيدفن التطرف، ويعيش الشعب في أمن وسلام وتعايش.
ولن يقف الوعي وتغيب الحقيقة بانتفاضة الكلمة؛ فقد كانت المؤسسات الإعلامية الوطنية الهدف الأول لجماعة الحوثي الإرهابية، لأنها أدركت أثر الكلمة الحرة في بناء الوعي، فسعت إلى إسكاتها بكل الوسائل، وعملت وما زالت تعمل على إنتاج مفاهيم الاصطفاء، وتبرير العنف، وتشويه رموز الوطن، وتوطين ثقافات وافدة على حساب هويتنا.
ولولا انتفاضة الكلمة لكان أصحاب الأقلام الحرة من ضمن بنك أهداف جماعة الحوثي وأولوياتها، ملأت بهم السجون، وشردتهم، وما زالت تختطف وتخفي أعدادًا منهم خوفًا من انتفاضة الكلمة، وخوفًا من تأثر الناس بما يكتبون؛ لأن الانتفاضة قد تبدأ بكلمة توقظ الضمير وتدق جرس الخطر.
لكن تنتفض الكلمة ويتشكل الوعي فإن المسؤولية الوطنية تحتم تبني مشاريع إعلامية تفكك الخطاب الحوثي، وتكشف تناقضاته، وتعرّيه، وتقدم خطابًا وطنيًا جامعًا، ومفاهيم وقيم الدولة الوطنية، وترسخ المواطنة المتساوية، وتسهم في الحفاظ على الإنسان وكرامته وحقه في الحياة.
ولكي تنتفض الكلمة يجب أن تضاعف وسائل الإعلام من دورها في تشكيل الوعي، وتعمل على تنويع برامجها ومحتواها إلى كل فئات المجتمع. فالكلمة الإعلامية قادرة على بناء الفكر أو هدمه، وتشكيل الرأي، وهي كذلك قادرة على الإسهام في توحيد الصف أو تعميق الانقسام.
بغير انتفاضة الكلمة وتشكل الوعي وإسهام النخب في ذلك وإقدامهم من غير حسابات وهمية، ستعود رحى الحرب كلما هدأت لتطحن الشعب وتنهك جسد الوطن، وسنبقى أسرى لمن يملك السلاح.
انتفاضة الكلمة في وجه المشروع الحوثي وغيره من المشاريع التي تستهدف الوطن مسؤولية كل فرد يرى في الوطن قيمة تستحق الدفاع، وهي ثورة يجب أن يسهم في تشكيلها العالم، والصحفي، والسياسي، والمثقف، ويشارك فيها العامي والمتعلم من الرجال والنساء؛ لأن الوطن مسؤولية الجميع.
انتفاضة الكلمة تبدأ بيقظة الضمير، ونمو الحس الوطني، وإدراك الأخطار، وتتطلب إقدامًا لترميم جسور الثقة بين الوطن وأبنائه، وبين النخب والشعب.
وأخيرًا، فإن انتفاضة الكلمة يجب أن تسبق انتفاضة المعركة العسكرية، وتترافقها، وتبقى بعدها.

د ياسر الشرعبي
عضو هيئة التحرير
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





