الجغرافيا التي صنعت الدور
لم تكن الجغرافيا في حضرموت مجرد خلفية ثابتة، بل كانت المحرك الأول لتاريخها؛ فالوادي بِقُراهُ الزراعية، والساحل بنافذته على العالم، والصحراء بامتدادها نحو الجزيرة العربية، تكاتفت لتصنع منظومة اقتصادية وحضارية راسخة؛ ولهذا لم تظهر حواضرها ومراكز نفوذها اعتباطًا، بل انبثقت عند تقاطعات التجارة وموارد المياه لتعكس قدرة المكان على صياغة معالم العمران والسياسة معًا(3).
من هذه العلاقة العضوية بين الإنسان والمكان تبلورت شخصية حضرموت الحضارية؛ فالمجتمع الذي أَلِفَ الأسواق والموانئ وتفاعل مع الثقافات أرسى قيمًا قائمة على التفاوض والثقة والمصالح؛ لذا ارتبط الحضور الحضرمي بالعلم والتجارة والهجرة لا بالصراع، مما أكسب الإقليم مرونة فائقة في استيعاب التحولات بلا تفكك اجتماعي، لتغدو حضرموت ساحةً للتواصل لا للانعزال، وسمةً راسخة في امتدادها التاريخي(4).
وهنا تكمن استمرارية التاريخ؛ إذ تتغير أدوات التأثير، بينما تبقى الوظيفة الأساسية للمكان حاضرة بأشكال جديدة. ومن ثم فإنّ فهم المكانة التي تحتلها حضرموت في المشهد الراهن يبدأ من إدراك أنّ ما يبدو اليوم أهمية جيوسياسية هو في جوهره امتداد لدور حضاري صنعته الجغرافيا، ورسّخته التجربة التاريخية عبر قرون طويلة(5).
الإرث الحضاري والفاعلية السياسية
تبدو تجربة حضرموت خلال العقد الأخير امتدادًا لمسار تاريخي أكثر من كونها استجابة ظرفية للأحداث التي شهدها اليمن، فالمجتمع الذي تشكّل عبر قرون من الانفتاح التجاري، وإدارة المصالح، وبناء العلاقات العابرة للحدود، وجد نفسه أمام لحظة أعادت طرح سؤال عن مكانته داخل الدولة، ودوره في مستقبلها، بعد عقود من هيمنة المركزية وتراجع الحضور المحلي في صناعة القرار(6).
لقد كشفت التحولات التي أعقبت عام 2011، ثم التطورات التي فرضتها الحرب منذ عام 2015، عن تغير تدريجي في الوعي السياسي الحضرمي، ولم يكن هذا التغير قائمًا على القطيعة مع الدولة، أو البحث عن بدائل خارجها، بقدر ما انطلق من المطالبة بشراكة أكثر توازنًا في إدارة الشأن العام، وبما يتناسب مع الثقل الجغرافي والاقتصادي والتاريخي الذي تمثله حضرموت. وتشير الدراسة الصادرة عن مركز مداد حضرموت إلى أنّ المحافظة انتقلت من حالة اتّسمت بالحضور السياسي المحدود إلى مرحلة أكثر فاعلية، اتَّسعت فيها المبادرات المحلية، وارتفع مستوى التنظيم المجتمعي، وبرزت كيانات سعت إلى تمثيل الإرادة الحضرمية ضمن الإطار الوطني(7).
وتجسّد هذا التحوُّل في بروز أطر سياسية ومجتمعية متعددة، من بينها (مؤتمر حضرموت الجامع)، و(حلف قبائل حضرموت)، ثم (مجلس حضرموت الوطني). ورغم اختلاف ظروف نشأة هذه الكيانات وأدوارها، فإنّها تشترك في دلالة واحدة، وهي أنّ حضرموت لم تعد تكتفي بالتفاعل مع القرارات القادمة من المركز، بل أصبحت تسعى إلى المشاركة في صياغتها، انطلاقًا من إدراك متزايد بأنّ استقرار المحافظة وتنميتها يرتبطان بامتلاك أدوات تمثيل قادرة على التعبير عن مصالحها، والمشاركة في رسم مستقبل الدولة اليمنية(8).
وعلى هذا الأساس، فإنّ الفاعلية السياسية التي تشهدها حضرموت اليوم لا ينبغي فهمها باعتبارها تحولًا مفاجئًا فرضته الظروف الراهنة، بل بوصفها مرحلة جديدة في تطور وظيفة تاريخية ظلَّ الإقليم يؤدِّيها بأشكال مختلفة عبر العصور. ومن هنا تبدو حضرموت وهي تعيد تعريف علاقتها بالمركز ليس من موقع الخصومة، وإنما من موقع الشريك الذي يسعى إلى إعادة التوازن في بنية الدولة اليمنية، انطلاقًا من إدراك أنّ استقرار اليمن يبدأ من تمكين أقاليمه التاريخية من أداء أدوارها الطبيعية في التنمية وصناعة القرار(9).
حضرموت... محور التوازن في الشرق اليمني
لم يعد الشرق اليمني محافظات متجاورة، بل فضاءً جيوسياسيًّا تتشابك فيه الجغرافيا والاقتصاد والأمن، تقف حضرموت في قلبه كعنصر توازن محوري بفضل موقعها الاستراتيجي الرابط بين الساحل والوادي والصحراء والمهرة وشبوة. ورغم تباين المحافظات الشرقية إلّا أنّها تتشارك في واجهة بحرية وثروات وامتدادات اجتماعية، فضلًا عن تحديات التنمية وإدارة الموارد؛ مما يجعل التنسيق بينها ضرورة حتمية تمليها المصلحة والواقع الجغرافي المشترك لا مجرد مشروع سياسي عابر(10).
في هذا المشهد، لا تبرز حضرموت بمساحتها وسكانها فحسب، بل بكونها ركيزة الوصل والتوازن؛ فهي العمق الاقتصادي للشرق اليمني، وممره الجغرافي، وموئل خبرته في إدارة التنوع؛ لذا فإنّ أي رؤية لمستقبل المنطقة تستند إلى دورها المحوري في بناء الاستقرار والتنمية. ولا يعني هذا خلوّها من التحديات، بل يؤكد أنّ موقعها وإرثها يحمّلانها مسؤولية تتجاوز نطاقها المحلي. وإن استقرارها أصبح دعامة لأمن اليمن بأسره، ومن هنا تتجلَّى ضرورة ترسيخ الشراكة وتكامل المؤسسات لتحويل الجغرافيا إلى جسر للتواصل لتستأنف حضرموت دورها التاريخي الأصيل: نقطة التقاء، وركيزةً للتوازن في محيطها.
شبوة والمهرة.. الاستقرار مصلحة مشتركة
تمثل شبوة حالة خاصة في معادلة الشرق اليمني، فهي محافظة تقع عند تقاطع الجغرافيا والسياسة والاقتصاد، وتملك احتياطيات نفطية مهمة، وتُشكّل حلقة وصل بين الشمال والجنوب، ولذلك لم يكن غريبًا أنْ تتحول خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة للتنافس بين القوى المحلية والإقليمية.
وقد أثبتت تجربة شبوة أنّ الاستقرار ليس خيارًا سياسيًا فحسب، لكنه ضرورة تنموية ومجتمعية، فكلما تراجعت حدة الصراع ظهرت فرص أفضل لإعادة بناء المؤسسات، وتحسين الخدمات، وتعزيز حضور الدولة. ومن هنا، فإنّ أمن شبوة واستقرارها يمثلان مصلحة مباشرة لحضرموت، كما أنّ استقرار حضرموت يشكل عامل دعم مهم لشبوة(11).
أما المهرة -الواقعة في أقصى الشرق اليمني- فقد قدمت نموذجًا مختلفًا للاستقرار، فعلى الرغم من موقعها الحدودي وحساسيتها الجيوسياسية، استطاعت المحافظة أن تحافظ على قدر كبير من السلم الاجتماعي، وأنْ تتجنب الانزلاق إلى مواجهات واسعة النطاق.
وتشير الدراسات الإنسانية إلى أنّ المهرة تواجه تحدِّيات مرتبطة بالبنية التحتية والكوارث الطبيعية والنزوح الداخلي، إلّا أنّ طبيعة مجتمعها، ووجود شبكات اجتماعية متماسكة، أسهما في تعزيز قدرتها على احتواء الأزمات وإدارة التحديات بصورة أكثر هدوءًا(12).
ومن هذا المنظور، فإنّ استقرار الشرق اليمني لا يقوم على قوة محافظة واحدة، بل على شبكة من العلاقات المتوازنة بين حضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى، حيث يشكل نجاح كل محافظة عامل قوة للأخرى، ويؤدي اضطراب أي منها إلى إرباك المشهد بأكمله.
حضرموت والجوار الإقليمي
لا تنفصل حضرموت عن بعدها الإقليمي، فهي ليست على هامش الجزيرة العربية، بل تشرف على ممر بحري عالمي يربط الخليج بالمحيط الهندي، وتجاور عُمان، وتقع ضمن دائرة الاهتمام السعودي والإماراتي.
هذا الموقع منح حضرموت أهمية جيوسياسية متزايدة، خصوصًا بعد عام 2015، حين أعادت الحرب اليمنية رسم خرائط النفوذ وموازين القوى. ومع تراجع سلطة الدولة المركزية في كثير من المناطق أصبحت حضرموت محلَّ اهتمام إقليمي ودولي متزايد، ليس فقط بسبب مواردها النفطية، وإنما لأنها تمثل إحدى المناطق القليلة القادرة على إنتاج الاستقرار.
ولعل أبرز ما يميز التجربة الحضرمية حتى الآن هو نجاحها النسبي في الحفاظ على هذا التوازن، فهي لم تنغلق على ذاتها، ولم تنخرط بصورة كاملة في محاور الصراع، بل سعت إلى بناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة، مع الحفاظ على خصوصيتها وهويتها المحلية.
حضرموت ليست جغرافيا فقط
حضرموت ليست محافظة نفطية أو شريط ساحلي فقط، هي فكرة متكاملة للتوازن بين الهوية والشراكة، والمصالح المحلية والأبعاد الإقليمية. وقد أثبتت التجربة أنّ الاستقرار يصنعه التوافق وإدارة التنوع لا القوة وحدها، وبذلك تظلُّ حضرموت مؤهَّلة لتكون حارسة الشرق اليمني، وركيزة لاستقرار إقليمي يتوق إلى النماذج الناجحة بقدر حاجته إلى الموارد.
إن السؤال لم يعد: ما الذي يمكن أن تقدمه حضرموت لليمن؟ بل أصبح: كيف يمكن الحفاظ على هذا النموذج المتوازن، وتمكينه من الإسهام في بناء دولة أكثر عدالة واستقرارًا؟
فالرهان الحقيقي ليس على جغرافيا المكان، بل على حكمة الإنسان الذي يسكنه، وعلى قدرته في تحويل التاريخ والهوية والجغرافيا إلى مشروع للمستقبل.
الهوامش
محمد عبدالقادر بافقيه، توحيد اليمن القديم، ، ص160–178، محمد عوض محروس، حضرموت والجوار القبلي - التحالف والمواجهة ص 275 - 334
مركز مداد حضرموت للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، حضرموت.. من الصمت السياسي إلى الفعل السياسي، ص3–6؛ وأنور الخضري، ورائد باتيس، عرش حضرموت: رؤساء الحكومات الحضارم خلال خمس وثلاثين سنة من عمر الجمهورية اليمنية.. السياقات والأداء والتحديات والمنجزات، ص3–7،
بافقيه، توحيد ..، ، ص160–166،
بافقيه، توحيد ..، ص166–178،
يستند هذا الاستنتاج إلى قراءة تركيبية لما عرضه بافقيه عن الوظيفة الجغرافية لحضرموت، مع الاستفادة من التحليل الوارد في: مركز مداد حضرموت للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، حضرموت.. من الصمت السياسي إلى الفعل السياسي، ص3–6،
حضرموت.. من الصمت السياسي إلى الفعل السياسي، ص3–5،
المرجع نفسه، ص5–8،
المرجع نفسه، ص8–12،
أنور الخضري، ورائد باتيس، عرش حضرموت: رؤساء الحكومات الحضارم خلال خمس وثلاثين سنة من عمر الجمهورية اليمنية.. السياقات والأداء والتحديات والمنجزات، ص7–15،
مركز مداد حضرموت للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، مجلس الإقليم الشرقي: الفرص والتحديات، ص5–12،
مجلس الإقليم الشرقي: الفرص والتحديات (حضرموت، 2024)، ص5-8.
عبير صالح حمدي بن غودل، التدخلات الإنسانية في المحافظات الشرقية (حضرموت – المهرة – شبوة): ورقة تحليلية، 2025، ص13-15