أصبح واضحًا أنَّ تأخير استعادة الدولة وإنهاء انقلاب جماعة الحوثي لا يمنح اليمن فرصةً للسلام، وإنما يمنح الجماعة وقتًا إضافيًّا لتثبيت سلطتها، وتوسيع نفوذها، وتعميق سيطرتها على المجتمع، وكلُّ يومٍ يمرُّ يزيد من قدرتها على التجنيد والقمع والجباية وغسل عقول الأجيال، ويرفع في المقابل كلفة الخلاص منها مستقبلًا؛ فمواجهة الحوثي اليوم، وهو محاصر بسخط شعبي متنامٍ وانكشاف واسع لممارساته، أقلُّ صعوبةً بكثير من مواجهته بعد أعوامٍ أخرى يكون قد أحكم فيها قبضته، ورَبَّى جيلًا كاملًا على ثقافته الطائفية، ورسّخ أجهزته الأمنية والعسكرية، وحوّل حياة الناس ومؤسساتهم ومواردهم إلى أدوات تخدم مشروعه وسلطته.
والواقع حاليًا في مناطق سيطرته يكشف أنَّ حالة الرفض الشعبي لم تعد محدودة أو خافتة، فقد ضاق المواطنون بالجبايات المتواصلة، ونهب المرتبات، ومصادرة الحريات، والتدخل في التعليم والمساجد والمناسبات الدينية والاجتماعية، وإرغام الناس على حضور فعاليات الجماعة، والزج بأبنائهم في معارك لا تخدم اليمن ولا تحفظ كرامة اليمنيين.
ومن المعلوم أنه قد سقطت كثير من الشعارات التي استخدمها الحوثي لخداع البسطاء، بعد أن رأى الناس الفارق الصارخ بين ما يقوله وما يمارسه؛ يتحدث عن المستضعفين وهو يضاعف معاناتهم، ويرفع شعارات العدالة بينما يكرّس التمييز السلالي، ويدّعي حماية الدين وهو يوظف الدين لتبرير الاستبداد والعنف وإخضاع المجتمع.
هذا السخط المتراكم يهيئ اليوم فرصةً وطنيةً لا ينبغي التفريط بها، لأن المواطن الذي عاش سنوات القهر أصبح أكثر وعيًا بحقيقة المشروع الحوثي، وأكثر تطلعًا إلى دولة تحميه وتعيد إليه راتبه وكرامته وحقه في الأمن والحرية والمساواة.
غير أنَّ هذه الفرصة لن تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية؛ فالجماعة تعمل بلا توقف على تحصين سلطتها، وتوسيع شبكاتها الأمنية، وتكثيف التعبئة الطائفية، والسيطرة على التعليم والإعلام، وكلما طال بقاؤها اتسعت آثارها في عقول الأطفال والشباب، وأصبحت معالجة هذا التشويه أشد تعقيدًا وأطول زمنًا.
خطر الحوثي لا يقف عند حدود السيطرة على الأرض أو الاستيلاء على مؤسسات الدولة، وإنما يمتد إلى تغيير هوية المجتمع اليمني، وإبعاده عن قيم الإسلام القائمة على الوسطية والاعتدال والرحمة والتسامح، ودفعه نحو ثقافة مشحونة بالحقد والكراهية وتمجيد الموت وتقديس السلالة والزعيم.
قد تُستعاد المواقع والمؤسسات خلال معارك محدودة، أمّا العقول التي تتعرض للتعبئة والتحريف سنوات طويلة فإن استعادتها تحتاج إلى أجيال من التربية والتعليم والتوعية، ولهذا تصبح كل سنة إضافية من عمر الانقلاب عبئًا ثقيلًا على مستقبل اليمن كله. إنَّ استعادة الشرعية في معناها الحقيقي هي استعادة الدولة والقانون والمؤسسات، وإعادة القرار إلى الشعب، وإنهاء سلطة السلاح والمشرف والجباية، ولا يمكن بلوغ ذلك ما دامت القوى الوطنية مستنزفةً في خلافاتها وصراعاتها الجانبية.
المرحلة تفرض توحيد القرار السياسي والعسكري، وتصحيح الاختلالات داخل مؤسسات الشرعية، وتحسين الإدارة والخدمات، وتقديم نموذج يُطمئن المواطنين في مناطق سيطرة الحوثي بأن القادم سيكون دولة عدل ونظام، لا مرحلة انتقام أو فوضى.
كما يجب التفريق بوضوح بين قيادات الجماعة التي صنعت الانقلاب ومارست القتل والقمع، وبين ملايين المواطنين الذين يعيشون تحت سطوتها ويتحملون ظلمها؛ فهؤلاء جزء أصيل من المجتمع اليمني، وهم القوة الحقيقية القادرة على إضعاف المشروع الحوثي من داخله متى وجدوا قيادةً وطنيةً موحدةً وخطابًا مسؤولًا وضمانات تحفظ حقوقهم وكرامتهم.
إنَّ انتظار الحوثي حتى يغيّر سلوكه أو يتخلى عن مشروعه المسلح أو يعود إلى صوابه ويجنح للسلام رهان خاسر أثبتت السنوات بطلانه؛ فهو يستثمر كل تهدئة في إعادة ترتيب صفوفه، ويحوّل كل تردد إلى فرصة للتوسع، ويفسر كل محاولة للسلام معه بأنه ضعفٌ يشجعه على المزيد من الغطرسة والعدوان.
لذلك فإن التحرك اليوم ضرورة لا تحتمل التأجيل، فالشعب في مناطق سيطرته أكثر سخطًا، وممارساته أكثر انكشافًا، وقاعدته الاجتماعية أضعف من الصورة التي يحاول تسويقها، وكل تأخير يمنحه فرصة لمعالجة ضعفه وتثبيت سلطته.
كلفة استعادة الدولة اليوم مهما بدت كبيرة ستظل أقلَّ بكثير من كلفتها غدًا، والتضحيات التي يمكن تقليلها الآن ستتضاعف إن تُرك الحوثي يمد جذوره في مؤسسات المجتمع وعقول أجياله.
إنَّ إنقاذ اليمن يبدأ بإدراك قيمة الوقت، وبناء إرادة وطنية موحدة تستثمر حالة الرفض الشعبي، وتعيد الثقة بالدولة، وتفتح أمام اليمنيين طريقًا واضحًا للخلاص من الانقلاب واستعادة الجمهورية والشرعية والنظام والقانون.


محمد علي العسلي
كاتب وباحث
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





