المنبر اليمني
رسالة إلى كل متخادم مع الحوثيين
فضاء حر

رسالة إلى كل متخادم مع الحوثيين

د محمد بن موسى العامري

د محمد بن موسى العامري

مستشار رئيس الجمهورية

18 أغسطس 2026٠ قراءة
حجم الخط

لا تكن ظهيرًا للمجرمين

لا تكن ظهيرًا للمجرمين

هناك محطات يصبح فيها الصمت موقفًا، والتبرير مشاركة معنوية، والترويج إسنادًا، والمال وقودًا، والحضور في فعالياتهم رسالة دعائية تتجاوز صاحبها إلى توظيفها من قبلهم.

وبعد انكشاف جرائم الحوثيين وعدوانهم على الشعب اليمني، فإن المسؤولية الدينية والأخلاقية والوطنية تقتضي من كل عاقل أن يراجع موقفه، وأن يسأل نفسه بصدق: أين موقفي مما يجري؟ وأين أقف من هذه الأحداث؟

فالوقوف إلى جانب مليشيا طائفية مسلحة تمارس العنف والإرهاب، لتثبيت مشروعها المنحرف المدعوم إيرانيًا، والمفارق للثوابت الدينية والوطنية، والدافع الأساسي في إطالة الصراع ومعاناة الناس وتقويض مؤسسات الدولة، ليس أمرًا هينًا، ولا يمكن تبريره بأنه موقف سياسي، أو مجاملة اجتماعية، أو مصلحة شخصية عابرة، مهما برر ذلك من يقترفه.

فالمواقف لا تقاس بما يقوله أصحابها عن أنفسهم، وإنما بما تنتجه من آثار، وباستمرار الضرر أو توفير الغطاء له. ومن أعان على ذلك فقد حمل من المسؤولية والجناية بقدر ما ترتب على إسناده.

ومن هنا تأتي هذه الدعوة إلى مراجعة المواقف، والابتعاد عن كل صورة من صور الإسناد التي تُستغل في مشروع تخريبي، ضرره على المصالح الكلية والضرورات لا يخفى، وإسهامه في إطالة الحرب وتبرير الانتهاكات وتجميل صورة من يمارسها، أو منحه غطاءً اجتماعيًا وسياسيًا لا يستحقه، لم يعد أمرًا يحتمل التجاهل.

ومن صور الإسناد التي ينبغي الحذر منها في هذه الظروف:

1- حضور فعاليات الحوثيين ومناسباتهم

التي توظف للحشد والتعبئة، فالحضور الجماهيري في مناسباتهم لا يبقى مجرد حضور اجتماعي، بل يتحول إلى غطاء سياسي واجتماعي لجهود التعبئة والاستقطاب والتجنيد، ويمنح المليشيا صورة زائفة عن حجم القبول الشعبي بها، وتزداد الخطورة إذا كان ذلك ممن ينتسبون إلى المؤسسات العلمية والاجتماعية.

2- المشاركة في الدورات والأنشطة التي تُسخّر لإعادة تشكيل الوعي

ولا سيما حين تُستغل الأنشطة الدينية والثقافية وسيلة لغرس خطاب طائفي منحرف، وخطاب سياسي قائم على التعبئة والاستقطاب وتزييف الوعي.

3- المساندة الإعلامية والترويج

سواء عبر نشر خطاباتهم الدعائية، أو إعادة تداول المواد التي تمنحهم شرعية مجانية، أو تقديم صورتهم للناس منزوعة من سياق الجرائم والانتهاكات.

فالإعلام ليس مجرد نقل للمعلومة، بل قد يتحول إلى أداة لصناعة القبول وتوجيه الرأي العام.

4- تقديم المساعدات المالية أو اللوجستية

كل دعم يمكن أن يتحول إلى مورد يخدم الحرب أو النشاط العسكري أو مشروع مليشيا الحوثي أو قياداتها، ينبغي التوقف عنده بمسؤولية. فالمال حين يوضع في خدمة العنف ونشر الضلال والبدع والشركيات وأنواع الانحرافات وفرضها، ليس مالًا محايدًا، وإنما أداة لإسناد الجريمة وإسهام في استمرار المعاناة.

5- توفير الغطاء الاجتماعي أو القبلي للممارسات المسلحة

وذلك من خلال استخدام المكانة الاجتماعية أو القبلية لتسهيل التجنيد، أو فرض النفوذ، أو حماية المتورطين، أو تبرير ممارسات لا يمكن تبريرها تحت أي غطاء.

6- التوسط لتبرئة المتورطين في الانتهاكات أو الضغط على الضحايا وأسرهم

فالوساطة التي تنتهي إلى حماية الجاني وإسكات الضحية ليست إصلاحًا، وإنما هي حماية للظلم. أما الإصلاح الحقيقي فهو الذي يعيد الحقوق إلى أصحابها، ويمنع تكرار الجريمة، ويحفظ للمجتمع حقه في العدالة.

7- استخدام المنابر العامة أو الدينية أو الإعلامية لتجميل صورة مليشيا الحوثي أو قلب الحقائق

وتحويل الجاني إلى ضحية والضحية إلى متهم. فأخطر ما يصيب المجتمعات ليس وقوع الجريمة، وإنما إعادة تعريفها حتى تصبح مقبولة في الوعي العام.

8- المشاركة في حملات التشويه والتحريض

فالمشاركة في استهداف العلماء أو السياسيين أو الصحفيين والناشطين والمعارضين لمشروع المليشيا التخريبي، أو ترديد الاتهامات التي تصدر بحقهم دون تحقق، تعني المساهمة في صناعة بيئة تخنق الحقيقة وتطارد المخالفين.

9- تسهيل التحركات أو توفير البيئة الآمنة للممارسات المسلحة

ومن ذلك الصمت أو قبول استخدام المنشآت المدنية أو المدارس أو المستشفيات أو التجمعات السكانية أو المنصات العامة في سياقات تخدم الأعمال العسكرية أو التعبئة المسلحة.

ويتعيّن على القادرين من القبائل وغيرهم منع ذلك عبر تحالفات قبلية، وخلق بيئة رافضة، وإثارة الرأي العام ضد هذه الممارسات، لما لها من أضرار بالغة على المواطنين ومصالح المجتمع.

10- المشاركة في صناعة صورة زائفة عن الواقع

عبر إنكار الحقائق الثابتة، أو التقليل من حجم الانتهاكات، أو تقديم الواقع للناس بصورة تخالف ما يعرفونه ويعيشونه. فتزييف الوعي لا يقل خطرًا عن التستر على الجريمة؛ لأنه يهيئ المجتمع لقبولها والتعايش معها.

11- استغلال الخلافات السياسية لتبرير الارتهان لمشروع طائفي مرتهن للخارج

فالخلاف مع القوى والأحزاب والشخصيات السياسية أمر طبيعي في الحياة العامة، لكنه لا ينبغي أن يدفع الإنسان إلى الارتماء في أحضان مشروع طائفي يهدد الدولة والمجتمع.

والخصومة السياسية لا تبرر التحالف مع منطق السلاح خارج إطار الدولة، كما أن أخطاء الآخرين لا تمنح أحدًا رخصة لتبرير أخطاء المليشيا المسلحة.

12- تحويل المصلحة الشخصية إلى مبرر دائم للتنازل عن المبادئ

قد يبحث الإنسان عن الأمان أو الوظيفة أو المال أو النفوذ، وهذا مفهوم من حيث دوافعه الإنسانية، لكنه لا يجعل كل موقف مقبولًا. وهناك لحظة يصبح فيها الثمن الذي يدفعه الإنسان من مبادئه وسمعته وكرامته أكبر من كل منفعة حصل عليها.

الخاتمة

من المهم أن يدرك من وجد نفسه في هذا المسار أن مراجعة الموقف ليست عيبًا، والتراجع عن الخطأ ليس هزيمة، والاعتراف بأن بعض الخيارات كانت خاطئة ليس ضعفًا.

بل الشجاعة الحقيقية قد تبدأ عندما يمتلك الإنسان القدرة على أن يقول: أخطأت، ويعيد النظر في مواقفه، ولا يكون جزءًا من مسار يضر بالناس أو يطيل معاناتهم.

فالتاريخ لا يحاكم الناس فقط على مواقفهم الأولى، وإنما يحاكمهم أيضًا على قدرتهم على مراجعة أخطائهم عندما تتضح الحقائق. ومن يملك شجاعة التصحيح في الوقت المناسب يحفظ لنفسه مساحة من الاحترام، أما من يصر على الخطأ بعد انكشافه، فإنه لا يدافع عن موقفه بقدر ما يدافع عن صورته أمام نفسه، ولا يوجد أحد فوق المحاسبة الأخلاقية.

وقد يظن بعض الناس أن التقارب مع القوة المسيطرة في مناطق نفوذ الحوثيين سيمنحه حماية أو نفوذًا أو مصلحة، لكن سنن الله تخبرنا أن موازين القوى تتغير، وأن الظلم لا يدوم، وأن المواقف تبقى في ذاكرة الناس.

ومن أكبر الأخطاء أن يبيع الإنسان موقفه بثمن مؤقت، ثم يكتشف لاحقًا أن الثمن الذي دفعه لم يكن من ماله أو منصبه فقط، بل من سمعته ومكانته وثقة الناس به.

ومن السهل أن يبرر الإنسان لنفسه موقفًا حين يكون في قلب القوة الغاشمة، لكن الأصعب أن يفسر هذا الموقف عندما تتغير الظروف وتبقى الأسئلة معلقة: ماذا فعلت حين كان الناس يتألمون؟ وماذا قلت حين كان الصمت أكثر راحة؟ ولمن قدمت موقفك ومكانتك واسمك؟

اليمن لا يحتاج إلى مزيد من المبررين لجرائم الحوثيين، ولا إلى مزيد من المصفقين لعبث مليشيا الحوثي، ولا إلى من يضعون مصالحهم الشخصية فوق مصلحة المجتمع والدولة.

اليمن يحتاج إلى رجال ونساء يقفون مع العدالة وكرامة الإنسان، ومع حق المجتمع في السلام والأمان، ومع حق الأجيال القادمة في أن تعيش بعيدًا عن الخوف والاستقطاب والتعبئة المسلحة، وبعيدًا عن تحويل الخرافة والجهل إلى أدوات للسيطرة على الناس.

والخلاصة:

لكل من وجد نفسه قريبًا من هذا المسار:

راجع موقفك قبل أن يصبح موقفك شهادة عليك.

لا تنتظر حتى تتغير موازين القوة لكي تكتشف أن بعض المواقف كان ثمنها أكبر مما ظننت، ولا تجعل لحظة سياسية عابرة تدفعك إلى موقف قد يرافق اسمك لسنوات طويلة.

ليس كل من وقف إلى جانب طائفة منحرفة في لحظة قوتها سيبقى قادرًا على تبرير موقفه حين تتغير الظروف، وليس كل من استفاد من نفوذ سياسي مؤقت يستطيع محو آثار ما فعله من ذاكرة المجتمع.

ويبقى المبدأ فوق الأشخاص، والوطن فوق الأحزاب والجماعات، والإنسان فوق الحسابات السياسية.

وفي الكتاب العزيز، على لسان موسى عليه السلام:

﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾

والظهير للمجرم لا يشترط أن يحمل سلاحًا؛ فقد يكون ظهيره بكلمة، أو مال، أو منصة، أو تبرير، أو حضور، أو وساطة، أو صمت في موضع لا يجوز فيه الصمت.

وقد يكون أخطر صور الظهير أن يعرف الإنسان الحقيقة ثم يستخدم مكانته لإخفائها، أو يعرف الظلم ثم يبحث له عن مبررات، أو يرى الضحية ثم ينشغل بتبرئة الجاني.

فلا تكن ظهيرًا للمجرمين، ولا تكن غطاءً للظلم، ولا تجعل حسابات اليوم سببًا في خسارة احترامك غدًا.

كن مع الحق وإن كان ثمنه ثقيلًا، ومع العدل وإن كان الانحياز إليه مكلفًا، ومع كرامة الإنسان حين يحاول السلاح أن يصادرها.

شارك هذا المقال
د محمد بن موسى العامري

د محمد بن موسى العامري

مستشار رئيس الجمهورية

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

ما انعكاسات "اتفاقية مكة" على اليمن؟
فضاء حر

ما انعكاسات "اتفاقية مكة" على اليمن؟

يرى الكاتب السياسي اليمني عمار زعبل أن وجود دولتين بحجم باكستان وتركيا إلى جانب السعودية يمنح الرياض هامشاً أوسع في إدارة الملفات الإقليمية، ومنها الملف اليمني، سواء عبر أدوات الردع أو دعم أي تسوية سياسية مستقبلية من موقع قوة.

المنبر اليمنيالمنبر اليمني17 أغسطس 2026
السعودية وحضرموت علاقات راسخة تتشكل عبر حياة الناس اليومية
فضاء حر

السعودية وحضرموت علاقات راسخة تتشكل عبر حياة الناس اليومية

أتصور أنّ بعض الأمكنة ليست حدودًا مرسومة على الخرائط، ولا أسماءً تتداولها السجلات التاريخية، بل أراها تتحول مع الزمن إلى تجارب إنسانية كاملة، تختزن في تكوينها معنى العيش المشترك، وكيفية بناء التوازن بين الإنسان وبيئته ومحيطه الاجتماعي.

سامي الكافسامي الكاف25 يوليو 2026
جغرافيا التوازن: حضرموت حارسة الشرق وعمود للاستقرار الإقليمي
فضاء حر

جغرافيا التوازن: حضرموت حارسة الشرق وعمود للاستقرار الإقليمي

لا تُقاس الأقاليم بالمساحة والثروة، بل بصُنع التاريخ، وحضرموت خيرُ شاهد، إذ لم تكن قط هامشًا جغرافيًّا، بل كانت منذ القِدَم قطبًا فاعلًا يربط الإنسان بالمكان، واليمن بالعالم. وبفضل بيئتها المتنوعة بين الساحل والوادي والصحراء انبثقت منها حضارةٌ راسخة وممالك عريقة، تجاوزت وظيفتها التاريخية النطاق المحلي لتترك بصمةً خالدة في الجزيرة العربية.

أحمد الرباكيأحمد الرباكي25 يوليو 2026