في لحظات التحولات وأعاصير الفوضى وظلمات الفتن وضجيج الصراعات التي تمر بها الأوطان وتنهكها، تبرز الحاجة إلى البحث عن نماذج ملهمة والتذكير بها، لاستلهامها والاستفادة من تجاربها. وفي بلدنا المثخن بالحروب والصراعات التي تغذيها روافد مختلفة، نحن أحوج ما نكون إلى بعث محطات من حضارتنا كأصل نشد بعضنا إليه من أجل التعايش والسلام.
وحضرموت بتاريخها العريق وقيمها الراسخة واحدة من المدن الفريدة التي تمثل صورة حية للتعايش، ومدينة للسلام ونبذ الفوضى واستهجان خطابات الكراهية، ولا يضرها لحظات دخيلة قد تطرأ في بعض مدنها ولا ذنب لها فيها. إنها الأرض التي تثبت يومًا بعد يوم أن السلام في جنباتها ثقافة متجذّرة وسلوك تتوارثه الأجيال؛ ويكفي أنها تجمع بين الساحل والوادي، وهما اسمان يفيضان بالرحابة، والبساطة، والخير المكاني والمعنوي.
وعلى امتداد التاريخ نسج أبناء حضرموت هوية خاصة، ورسموا نموذجًا فريدًا عُرفوا به داخل اليمن ولازمهم في المهجر؛ فقد جعلوا التسامح والتعايش وسيادة النظام والاعتدال، ورسم حدود التعامل الواضح ركائز أساسية لإدارة تفاصيل حياتهم الخاصة والعامة. هذه القيم تبرز جليًّا في ترابط مجتمعهم، وتواضع أبنائه مهما علت بهم الرتب والمناصب، وتتجلَّى كذلك في سلوك التاجر ونمط تعامله، وسيرة المهاجر وأثره، وأخلاق العالم ودعوته. لقد جابوا الآفاق ونشروا الإسلام في أصقاع الأرض بالقدوة، والصدق في التعامل. هذا الإرث الأخلاقي هو نفسه الذي ما زال يحمي المجتمع الحضرمي اليوم، وجعله يقاوم الأفكار الدخيلة والمشاريع الضيقة ويسطر تجربة ملهمة.
وتجلَّت أبرز ملامح التجربة الحضرمية في اللحظة الراهنة في قدرتها على الحفاظ على نسيجها الاجتماعي، وتلاحم مكوناتها واصطفافها خلف قيادتها الشرعية في ظل ظروف استثنائية عصفت بمؤسسات الدولة. ورغم أن أطراف الساحل والوادي وصلها بعض شرر نار الفتنة إلا أنها سرعان ما أطفئت بوعي جمعي راسخ وإسناد أخوي صادق من الأشقاء في المملكة العربية السعودية.
إن السلام الذي تنعم به حضرموت هو ثمرة وعي جمعي وتضحيات مستمرة، ويتطلب اصطفافًا لحمايته من التآكل وترميم أي تصدعات أحدثها مَن وفَدَ إليها من خارجها مجندًا لخدمة مشاريع خارجية. وإن ديمومة استقرارها تفرض على النُّخب الحضرمية بمختلف مكوناتها الدعوية والسياسية والقبلية والاجتماعية، استشعار المسؤولية وتجاوز الخلافات البينية، وإعلاء المصلحة العامة فوق أي حسابات، والحذر من أدوات الفوضى الممولة أو الموظفة لتشويه صورة حضرموت وتاريخها.
ويبدأ الحفاظ على حضرموت وقيمها الشاملة من اصطفاف كلِّ المؤسسات والمؤثرين لتعزيز الوعي بتاريخها وتاريخ سفرائها الذين سطروا أروع الصور في ناصية التاريخ في دول العالم وقاراته، يضاف إلى ذلك قيام مؤسسات الدولة بواجباتها تجاه المواطن الحضرمي ابتداء من توفير الخدمات الأساسية ثم ضبط أمنه واستقراره، والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه التلاعب بمصالح المواطنين أو استغلال نفوذه في الإضرار بحقوق المواطنين ومصالحهم أو بالفساد والعبث في مؤسسات الدولة، كما أن واجب المجتمع مساندة الدولة والتمسك بالنظام والقانون، ودعم المؤسسات الرسمية للأمن والجيش، والمطالبة المستمرة بتفعيل دور القضاء وإرساء العدل، ورفض كل سلوك دخيل على الحياة الخاصة والعامة.
إن الحفاظ على حضرموت وصونها هو حفاظ على مدرسة حضارية نهل منها أبناء اليمن والعالم، مدرسة تؤكد أن الاستقرار يبدأ من احترام الإنسان وتمسكه بقيمه والعض عليها بالنواجذ، إضافة إلى اللحمة المجتمعية، والقبول بالتنوع، وصون الحريات المتقيِّدة بالشرع والقانون، وتوجيه الجهود كلها نحو البناء والتعليم والاستثمار بدلًا من الاقتتال والهدم. وقد رأينا شواهد ذلك في مؤسسات رائدة تتنافس على التكافل، وتبنّي مشاريع التعليم وإطلاق المبادرات المجتمعية وفي اصطفاف رجال الأعمال إلى جانب من ينشد العلم من أبناء حضرموت بل ومن غيرهم، وذلك قدر حضرموت أن يعم نفعها.
الحفاظ على حضرموت بتاريخها وقيمها هو حفاظ على الرافعة الحقيقية لإنقاذ ما تبقى من مؤسسات، هكذا ينظر إليها اليمنيون، والنموذج الذي يحتذى به لرسم مستقبل اليمن على أسس الشراكة والسلام والتعايش والعدالة.
إن حماية هذا النموذج الفريد ضرورة ملحة لأمن المنطقة، ودعمه يتطلَّب تضافر الجهود الفردية والمؤسسية وتكاملًا بين المجتمع وقيادة السلطة المحلية وقيادة الدولة والمساندة الإقليمية والدولية. ونحن على ثقة أن حضرموت بوعي أبنائها ستبقى نقطة الضوء التي تضيء اليمن، وبوابة العبور نحو المستقبل.

د ياسر الشرعبي
عضو هيئة التحرير
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





