تقرير خاص يسلط الضوء على الفرز الطبقي والسلالي حتى بعد الموت من خلال المقاطع التي تظهر الفروق في صور القتلى المعلقة في الشوارع
تحولت شوارع العاصمة اليمنية صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي إلى ما يشبه المعارض المفتوحة لصور قتلى الجماعة، لا سيما خلال المناسبات السنوية مثل ما تسميه الجماعة "أسبوع الشهيد". غير أن التدقيق في تفاصيل هذه اللافتات واللوحات الإعلانية الممتدة على طول الأرصفة والميادين يكشف بوضوح عن وجه آخر للجماعة: نظام طبقي وسلالي صارم يفرّق بين البشر حتى بعد رحيلهم، ويقسّم المجتمع والقتلى إلى فئتين متمايزتين تُعرفان مجتمعيًا بـ "القناديل" و"الزنابيل".
الفروق البصرية: حجم الصورة يعكس المكانة الاجتماعية
يتجلى التمييز العنصري للحركة الحوثية تجليًا صارخًا في هندسة المساحات الإعلانية بالشوارع، حيث يُقاس حجم الصورة وموقعها بناءً على الخلفية الأسرية والسلالية للقتيل:
• صور "القناديل" (النخبة السلالية): تُخصص للقتلى الذين ينتمون إلى الأسر الهاشمية أو القيادات المقربة من دائرة صنع القرار لوحات إعلانية ضخمة (بيلبورد) تنفرد بصورة شخصية واحدة للقتيل. تُعلق هذه اللوحات العملاقة في الميادين العامة الكبرى، وتقاطعات الشوارع الرئيسة والحيوية، وتتميز بجودة تصميم عالية، وألوان زاهية، وتُرفق بألقاب تفخيمية متبوعة برتب عسكرية رفيعة مُنحت لهم بناءً على مكانتهم وليس تدرجهم المهني.
• صور "الزنابيل" (المقاتلون من أبناء القبائل): في المقابل، يُحشر المقاتلون المستقطبون من القبائل وعامة الشعب في لوحات مدمجة ومكتظة. تجمع اللوحة الواحدة عشرات الوجوه في مربعات متناهية الصغر ومتراصة، بحيث تصبح صورة الفرد الواحد صغيرة جدًا وضائعة وسط زحام الأسماء. وفي كثير من الأحيان، لا تجد هذه الصور مكانًا في الميادين الكبرى، بل يُكتفى بطباعتها على ورق رخيص ولصقها على الحوائط أو زجاج المركبات في القرى والمديريات النائية التي ينحدرون منها.
دلالات التمييز: ما وراء الحجم
لا يعود هذا التباين البصري في الشوارع إلى أسباب مادية أو تنظيمية، بل يعكس عقيدة راسخة في أدبيات الجماعة تقوم على الفرز الطبقي، ومن نتائجه:
1. تكريس الفوقية السلالية: إذ تحرص الجماعة من خلال اللوحات الضخمة لفئة "القناديل" على ترسيخ فكرة "الحق الإلهي" والتمييز العرقي في وعي السكان، وإظهار قتلاها من هذه الأسر بوصفهم رموزًا وقادة تاريخيين يستحقون التبجيل المستمر.
2. استرخاص أبناء القبائل: يكشف حشر صور قتلى القبائل في مساحات مجهرية عن نظرة الجماعة لهؤلاء بوصفهم مجرد "وقود للمعارك" وأرقام في قوائم التضحية، ينتهي دورهم بمجرد سقوطهم في جبهات القتال، دون الحاجة لمنحهم تمثيلًا بصريًا لائقًا في الفضاء العام.
3. التفاوت في التشييع والرعاية: ينعكس حجم الصورة في الشارع على أرض الواقع في مراسم التشييع؛ ففي حين تحظى جثامين "القناديل" بمواكب تشييع رسمية مهيبة تنقلها القنوات التلفزيونية وتُدفن في مقابر نموذجية (روضات مركزية)، تُسلم جثامين "الزنابيل" لأهاليهم في صناديق خشبية ليدفنوهم بصمت، مع تفاوت كبير في الرواتب والمساعدات الممنوحة لأسر الطرفين.
خاتمة
إن صور القتلى المنتشرة في شوارع صنعاء ليست مجرد مظاهر لإحياء الذكرى، بل هي وثيقة بصرية تُدين الممارسات العنصرية لجماعة الحوثي، فمن خلال التلاعب بحجم الصور ومواقعها، تعيد الجماعة إنتاج نظام طبقي يقسم اليمنيين إلى أسياد وتابعين، ويؤكد أن التمييز السلالي لا يقتصر على توزيع المناصب والثروات في الحياة فحسب، بل يمتد ليلاحق الضحايا حتى إلى المقابر ولوحات الشوارع.
الشيخ د. فهمي حيدرة
عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





