المنبر اليمني
الوعي الوطني ومعركة اليمنيين الحاسمة مع مشروع الإمامة
حتى نلتقي

الوعي الوطني ومعركة اليمنيين الحاسمة مع مشروع الإمامة

حسن غالب

حسن غالب

إعلامي

21 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

يتوجَّب علينا ونحن في خضم المعركة الوطنية مع الميليشيا الحوثية - التي هي امتداد للمشروع الإمامي المتخلف- أن نقوم بمكاشفات بين الحين والآخر، وأن نبحث وبشكل جدي عن الأسباب والجذور التي أسهمت في إطالة أمد المعركة وتأخر الحسم. ويجب كذلك أن نزن تلك المراجعات بميزان الشرع والمشروع الذي ندعو إليه، وشكل الدولة التي نناضل من أجلها، ثم نتعرّف على موقعنا من هذا المشروع، ومستوى التزامنا بمحدداته، ومدى جاهزيتنا لحمله.

خاض اليمنيون منذ أكثر من ألف عام سلسلة معارك مع قوى ظلامية ارتأت أنها الأجدر بحكمهم والتحكم بحياتهم، زاعمة أن ذلك "حق إلهي" مُنحت إياه. وعلى امتداد هذه المواجهة كان السلاح هو الأداة الأبرز في مواجهة هذا الوباء، باستثناء بقع ضوء عظيمة -رغم صغرها- كانت تنادي بأهمية أن يكون الوعي رديفًا للبندقية، وأنَّ النصر يجب أن تسبقه قناعات راسخة في المجتمع بخطر مشروع الكهنوت الإمامي على الثوابت الكلية. قناعات يُفترض أنْ تتحوَّل إلى وعي جمعي يمارس، ومشروع حياة يدرَّس ويغرس في الأجيال بكافة الطرق.

​يتوجَّب علينا ونحن في خضم المعركة الوطنية مع الميليشيا الحوثية - التي هي امتداد للمشروع الإمامي المتخلف- أن نقوم بمكاشفات بين الحين والآخر، وأن نبحث وبشكل جدي عن الأسباب والجذور التي أسهمت في إطالة أمد المعركة وتأخر الحسم. ويجب كذلك أن نزن تلك المراجعات بميزان الشرع والمشروع الذي ندعو إليه، وشكل الدولة التي نناضل من أجلها، ثم نتعرّف على موقعنا من هذا المشروع، ومستوى التزامنا بمحدداته، ومدى جاهزيتنا لحمله.

​إن طول المعركة مع الميليشيا الحوثية لا يعود إلى "جَلَدِها" في القتال، ولا إلى ظروف دولية خدمت مصالحها بشكل أو بآخر، ولا إلى نقص في العتاد أو الرجال لدى القوى الوطنية، ولا حتى إلى غياب ظهير إقليمي ودولي يدعم مشروع استعادة مؤسسات الدولة؛ بل الحاصل أن مشروع إنهاء الانقلاب يملك نقاط القوة كلها المشار إليها. وإذا استعرضنا الدعم المفتوح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية -والذي شمل مجالات متعددة ومهمة وبشكل مستمر، وفي مقدمتها التسليح والتنمية، وحشد الدعم الدولي لإسناد الحكومة الشرعية- لوجدنا أن ذلك كافيًّا لإنهاء المعركة في وقت قصير.

​التأخر في حسم المعركة واستعادة مؤسسات الدولة يعني أن هناك عنصرًا جوهريًّا يجب أن يكون بارزًا في المعركة ليحرس بوصلتها ويصوبها، وهو الوعي الذي صدرنا المقال به. وإذا اتفقنا أنّ المعركة طالت أكثر مما يجب رغم توافر الدعم المادي، فذلك يعني أنّ "الوعي" هو جوهر المشكلة التي يدور حولها هذا المقال.

​عندما أعاد الملك عبد العزيز آل سعود - طيب الله ثراه - توحيد تلك القارة المترامية الأطراف كان الوعي سلاحه الأهم، وبه استطاع إقناع قبائل متنافرة بجدوى الوحدة وبناء الدولة، وضرورة الخروج من سجن "الأنا" والمصالح الضيقة إلى فضاء الدولة التي ترعى الجميع، ويتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات. وبفضل ذلك الأساس المتين الذي قامت عليه المملكة نرى اليوم هذا البناء العالي والبلد المزدهر.

إن طبيعة المعركة مع المليشيا الحوثية توجب أن يكون الوعي أوَّلًا، وأن توجَّه مشاريع التوعية نحو فئات المجتمع كلها شريطة أن تصب في هدف واحد وبناء هوية جامعة وتحديد العدو الوجودي من غير استحياء. ويشمل مشروع الوعي الوطني مسارات عدة، وهي:

​وعي الجيش: يجب أن يكون وعي الجيش في صدارة مسارات الوعي، فالمقاتل هو الأداة التنفيذية الحاسمة، ولا يكفي أن يمتلك الجندي سلاحًا، بل يجب أن يمتلك إدراكًا عميقًا بطبيعة المعركة، وأنها ليست معركة جغرافيا، بل معركة وجود في مواجهة مشروع سلالي. وهذا الإدراك هو الذي يصنع الفارق بين مقاتل يؤدِّي مهمة، ومقاتل يحمل قضية ويحوِّل الانضباط العسكري إلى التزام وطني يحسم المعركة.

​وعي القادة السياسيين: يمثل هذا الوعي حجر الزاوية، وأي اختلال فيه تظهر تداعياته مباشرة في مسار الصراع. والسياسي الذي لا يمتلك تصورًا واضحًا للمشروع الوطني، أو يخلط بين ضرورات الدولة ومصالحه الخاصة، يسهم في إطالة أمد المعركة. أما القائد الواعي فيقدم نموذجًا للدولة التي ينادي بها، ويترجم ذلك في قراراته وسلوكه.

​وعي العاملين في الشأن العام: يشمل هذا الوعي النخب، والناشطين، والمؤثرين؛ فهؤلاء يقع عليهم عبء تشكيل الرأي العام؛ ولهذا إن كان خطابهم مرتبكًا أو متناقضًا أو خاضعًا للمصالح الضيقة فسيسهم في تشويش الوعي الجمعي. والمطلوب هو خطاب مسؤول يعزز فكرة الدولة، ويواجه خرافات الحوثيين بالحجة والوضوح.

​وعي المواطن: هو الغاية النهائية، إذ لا يمكن لأي مشروع أن ينتصر من غير حاضنة شعبية مؤمنة به. والمواطن ليس متلقيًّا سلبيًّا بل شريك أصيل، وكلما تعمّق إدراكه بزيف مشروع الإمامة وبأهمية الدولة العادلة، أصبح أكثر صمودًا وأقل قابلية للاختراق.

​الإعلام: هو الوسيلة الأكثر تأثيرًا، وهو الحامل الأساسي لهذا الوعي، ولا يقتصر دوره على نقل الحدث، بل يتجاوزه إلى تفكيك خطاب الحوثيين، وكشف تناقضاته، وبناء سردية وطنية جامعة تربط بين التضحيات اليومية والهدف الاستراتيجي.

​إن المعارك لا تُحسم بالسلاح وحده، بل بترسيخ وعي جامع يضبط الاتجاه ويمنح التضحيات معناها. وحين تتكامل حلقات الوعي: من الجندي إلى القائد، ومن النخبة إلى المواطن، ويتحول الإعلام إلى أداة بناء، وتتوحَّد وجهة البوصلة وتضيق مساحات التردد وتتلاشى الخلافات البينية، عندها فقط يصبح النصر نتيجة طبيعية لمسار واضح، لا حدثًا مؤجلًا تفرضه الظروف والسياسات المتضاربة.

 

شارك هذا المقال
حسن غالب

حسن غالب

إعلامي

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

اليمن سينتصر
حتى نلتقي

اليمن سينتصر

أنا الأرضُ التي قال فيها رسولُ الله ﷺ: «الإيمانُ يمانٍ، والحكمةُ يمانية»، أنا سدُّ مأرب وعرشُ بلقيس، وأنا المدرّجاتُ التي نحتها أجدادُكم في صدر الجبل حتى أطعم الجبلُ أهلَه، عشتُ آلافَ السنين، ورأيتُ الغُزاةَ يأتون ثم يرحلون جثثًا أو خائبين، ورأيتُ الطغاةَ يتعاقبون ثم يسقطون، وبقيتُ أنا، وبقي أبنائي.

د. ربيع بن طاهرد. ربيع بن طاهر18 أكتوبر 2026
اليمن بلا حوثي.. استعادة الوطن والهوية والإنسان
حتى نلتقي

اليمن بلا حوثي.. استعادة الوطن والهوية والإنسان

حين يتخيَّل اليمني يوم الخلاص، فإنه لا يتخيل لحظة توقف الحرب أو انتهاء جولة من جولات القتال، بل يتخيل وطنًا يستعيد عافيته، ودولة تستعيد حضورها، ومجتمعًا يتنفَّس من جديد. اليمن بلا جماعة الحوثي يعني، قبل كل شيء، اليمن بلا مشروع يفرض نفسه على الدولة والمجتمع بقوة السلاح، وبلا أفكار سلالية وعنصرية واستعلائية تجعل من النسب معيارًا للتمييز بين أبناء الوطن الواحد.

محمد محمد مهديمحمد محمد مهدي27 سبتمبر 2026
ماذا تصنع محاضن الحوثي بأجيال اليمن؟
حتى نلتقي

ماذا تصنع محاضن الحوثي بأجيال اليمن؟

تتمثل جناية العقيدة الحوثية المغلوطة على ديموغرافية اليمن وجيله الناشئ في أمور كثيرة منها: ١- تجريف الهوية الوطنية اليمنية. ٢- فرض مشروع طائفي سلالي مغاير لتاريخ اليمن المتنوع عبر تفكيك نسيجه الاجتماعي. ٣- تغيير المناهج التعليمية، وتدمير المؤسسات الثقافية. ٤- تجريم التفكير الحر خارج إطار العقيدة الحوثية لترسيخ عقيدة الولاء المطلق للجماعة.

د.عبدالله بن غالب الحميريد.عبدالله بن غالب الحميري23 أغسطس 2026