تتبدى لي حضرموت، من هذا المنظور المشار إليه في المبتدأ، حالة استثنائية داخل المجال اليمني والعربي، إذ لا يمكن في تقديري اختزالها في امتدادها الجغرافي الواسع، أو في تاريخها التجاري العريق فحسب، وإنما في قدرتها الفريدة على إنتاج نموذج اجتماعي حافظ على تماسكه عبر عقود طويلة من التحولات والتحديات. فكل قراءة متأنية لحضرموت تكشف أنّ "سر قوتها" لم يكن قائمًا على وفرة الموارد وحدها، بل على تراكم وعي اجتماعي عميق، جعل من الاستقرار قيمة ثقافية قبل أن يكون هدفًا سياسيًّا، ومن التعايش خيارًا وجوديًّا قبل أن يكون ضرورة فرضتها الظروف.
لاحظوا معي من فضلكم: حين نتأمل هذا النموذج بعمق أكبر نجد أنّ المجتمع الحضرمي لم يبنِ توازنه من خلال الانغلاق على ذاته، بل من خلال انفتاحه المنظم على العالم. فحضرموت التي أرسلت أبناءها عبر البحار والقارات لم تفقد هويتها، بل ازدادت رسوخًا بفعل هذا الاحتكاك الواسع بالحضارات والثقافات المختلفة؛ ولذلك تشكلت لديها قدرة نادرة على الجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين المحافظة على الجذور والاستفادة من المتغيرات. هذه الخاصية في تصوري لم تكن مجرَّد سمة اجتماعية عادية أو عابرة، بل أصبحت جزءًا من البنية الفكرية للمجتمع، الأمر الذي ساعده على تجاوز أزمات كثيرة دون أن يفقد اتزانه الداخلي. فالمجتمعات التي تتعلّم كيف تتفاعل مع العالم دون أن تذوب فيه تمتلك في اعتقادي قدرة أكبر على الصمود أمام العواصف السياسية والاقتصادية.
من هذه القاعدة تحديدًا برزت منظومة القيم التي اشتهر بها المجتمع الحضرمي، حيث لم يكن التكافل مجرَّد ممارسة أخلاقية محدودة، بل تحوّل إلى أحد الأعمدة التي يقوم عليها البناء الاجتماعي بأكمله. فالوفاء والثقة والتعاون بين الناس لم تتشكل باعتبارها شعارات مثالية، وإنما بوصفها أدوات عملية لضمان استمرارية المجتمع وحمايته من التفكك.
في الواقع أصبحت هذه القيم عبر الزمن بمثابة شبكة أمان غير مرئية، تساعد -على نحو ما- على امتصاص الصدمات وتخفيف آثار الأزمات.
وعليه؛ يمكن تفسير قدرة حضرموت على الحفاظ على درجة معتبرة من التماسك الاجتماعي حتى في الفترات التي شهدت فيها مناطق أخرى انهيارات حادة في البنية الاجتماعية والسياسية. فالقوة الحقيقية للمجتمعات في اعتقادي لا تُقاس بما تمتلكه من أدوات مادية فحسب، بل بما تختزنه "من رأسمال أخلاقي" قادر على حماية نسيجها الداخلي.
ومن ثم، من الطبيعي أنْ تقودنا هذه الحقيقة إلى فهم أعمق للعلاقة التي ربطت حضرموت بالمملكة العربية السعودية عبر عقود طويلة فائتة. فهذه العلاقة لم تُبنَ على اعتبارات سياسية طارئة، أو مصالح مؤقتة يمكن أن تتبدل بتبدل الظروف، بل نشأت في فضاء واسع تشكّلت فيه روابط الجوار والجغرافيا والمصاهرة والعمل والتبادل الثقافي والاجتماعي.
في الواقع كانت الحدود بين حضرموت والمملكة، في معناها الإنساني، جسورًا للحركة والتفاعل أكثر من كونها خطوطًا للفصل، ومع مرور الزمن تشكّلت أجيال كاملة حملت في ذاكرتها المشتركة قصص العمل والتعليم والتجارة والعلاقات الاجتماعية التي نسجت شبكة واسعة من الروابط الإنسانية المتبادلة، الأمر الذي منح هذه العلاقة عمقًا يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.
ولعل واحدة من أهم سمات هذه العلاقة أنّها تطورت بصورة طبيعية ومتدرجة، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي أو المبالغات الخطابية؛ فالمملكة العربية السعودية لم تكن بالنسبة لكثير من الحضارم مجرد وجهة للعمل أو الاستثمار، بل فضاءً اجتماعيًّا احتضن آلاف الأسر، وأسهم في تكوين مسارات حياتية متكاملة لأجيال متعاقبة.
في المقابل حمل الحضارم معهم إلى المجتمع السعودي خبراتهم التجارية، وثقافتهم العملية، وإسهاماتهم الاقتصادية والاجتماعية، ما جعل العلاقة بين الجانبين أقرب في تصوري إلى نموذج اندماج إنساني متبادل المنفعة.
تتجلى هنا إحدى الحقائق المهمة في العلاقات بين الشعوب؛ فالعلاقات الأكثر رسوخًا ليست تلك التي تُبنى في قاعات السياسة فقط، بل هي في اعتقادي تلك التي تتشكّل عبر حياة الناس اليومية، وتجاربهم المشتركة على امتداد الزمن.
من هذا المنطلق يمكن فهم المظاهر المتكررة للتضامن والتقارب بين المجتمع الحضرمي والمملكة العربية السعودية بوصفها تعبيرًا عن مخزون طويل من الثقة المتبادلة. فالثقة كما أرى ليست قرارًا سياسيًا يُتخذ في لحظة معينة، وإنما نتيجة تراكم تاريخي من التجارب الإيجابية التي تترسخ في الوعي الجمعي.
وعندما تواجه المجتمعات تحديات كبرى أو لحظات قلق إقليمي، تظهر هذه الروابط بصورة أكثر وضوحًا؛ لأنها تستند إلى أساس إنساني عميق، لا إلى اعتبارات ظرفية مؤقتة. ولهذا تبدو العلاقة بين حضرموت والمملكة مثالًا على كيفية تحول الجغرافيا المشتركة والتاريخ المشترك إلى رصيد استراتيجي يسهم في تعزيز الاستقرار ويحد من احتمالات الانقسام أو التوتر.
لاحظوا معي من فضلكم أنّ هذا البعد الإنساني يكتسب أهمية أكبر إذا نظرنا إلى حضرموت بوصفها نموذجًا يعكس إمكانية بناء الاستقرار في بيئة تعج بالتحديات. فالقيمة الحقيقية لهذا النموذج لا تكمن فقط في نجاحه النسبي في الحفاظ على التماسك، بل في الرسالة التي يقدمها للمحيط الواسع.
الواقع يؤكد أنّ المجتمعات ليست محكومة دائمًا بمنطق الصراع، وأنّ بإمكانها أنْ تنتج بدائل أكثر عقلانية تقوم على إدارة التباينات ضمن إطار من التوافق الاجتماعي. تصبح هنا حماية الاستقرار في حضرموت مرتبطة بحماية فكرة أوسع تتعلق بإمكانية بناء الدولة على أساس التوازن والشراكة المجتمعية، لا على أساس الغلبة والإقصاء. فحين تنجح تجربة محلية في إنتاج الاستقرار فإنّ أثرها في تقديري يتجاوز حدودها المباشرة ليصبح مصدر إلهام لمحيطها بأكمله.
لاحظوا معي أنّ الدولة في معناها الحديث لا تُختزل في المؤسسات أو القوانين أو الهياكل الإدارية، على أهميتها جميعًا، وإنما تقوم أساسًا على وجود مجتمع يؤمن بفكرة العيش المشترك، ويعتبر الاستقرار مصلحة عامة تتقدم على المصالح الضيقة.
تتبدّى لي حضرموت - من هذه الزاوية المشار إليها أعلاه - مثالًا مهمًّا على العلاقة العضوية بين المجتمع والدولة؛ إذ إنّ ما راكمه المجتمع الحضرمي من خبرات في التعايش والتكافل والاعتدال يشكل في تصوري قاعدة ضرورية لأي مشروع وطني يسعى إلى ترسيخ الاستقرار، فالدولة القوية لا تُبنى فقط من أعلى عبر السلطة، وإنما تُبنى أيضًا من أسفل عبر الوعي الاجتماعي الذي يمنحها الشرعية والقدرة على الاستمرار.
وإذا كان المستقبل يُصنع عادة من خلال الخيارات التي تتخذها المجتمعات في اللحظات المفصلية، فإنّ حضرموت تبدو لي اليوم أمام فرصة تاريخية لتأكيد المعنى الذي مثلته طويلًا في الوعي اليمني والعربي.
لاحظوا أيضًا أنّ المسألة لا تتعلق فقط بالحفاظ على الأمن أو حماية الاستقرار الآني، بل بتعزيز نموذج إنساني أثبت أنّ "الاعتدال" يمكن أن يكون قوة، وأن "التعايش" يمكن أن يكون أساسًا للتنمية، وأن "العلاقات الأخوية" الصادقة بين الشعوب قادرة على إنتاج مساحات واسعة من الثقة والتعاون.
وبين حضرموت والسعودية تتجسَّد هذه الحقيقة بوضوح؛ إذ تتداخل الجغرافيا مع التاريخ، ويتكامل البعد الاجتماعي مع الاقتصادي، لتنشأ علاقة تبدو أقرب إلى شراكة إنسانية طويلة المدى منها إلى مجرد تقاطع مصالح عابر.
وعليه؛ فإنّ الرهان الحقيقي في تصوري ليس على ما تحقّق فقط، بل على ما يمكن أن تؤسس له هذه العلاقة من آفاق أوسع للاستقرار والتنمية والتكامل الإنساني في المستقبل.