المنبر اليمني
قصور حضرموت ...تاريخها ورمزيتها
معالم وأعلام

قصور حضرموت ...تاريخها ورمزيتها

د طه حسين هديل

د طه حسين هديل

مستشار ثقافي بسفارة اليمن في الرياض

24 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

نتيجة لاهتمام بعض حكام حضرموت ومشايخها، والأغنياء من التجار الحضارم والمهاجرين منهم بالبناء والمعمار اتَّجه كثير منهم إلى تمييز أنفسهم عن غيرهم بتعمير البيوت المتقاربة ذات الطوابق المتعددة، والقصور المنفردة والمتميزة بأشكالها الفنية والمعمارية الجميلة والمحاطة بالحدائق الغناء، معتمدين في بنائها على مادة الطين المقاوم لعوامل التعرية وللظواهر البيئية الصعبة.

 وكانت لهم طرقهم في مزج الطين ببعض المواد من البيئة (كالتبن) التي ساعدت على قوة الطوب (المدر) المصنوع وتماسكه هذه الفترة الزمنية الطويلة. وقد اعتمد الحضارم على مادة الطوب في مبانيهم لمزايا تتوافر فيها، ومنها احتفاظها ببرودة تتناسب والأجواء الصحراوية الحارة أو الباردة لحضرموت. وحفاظًا على الخصوصية لسكان هذه المباني نحت الحضارم الأخشاب وصنعوا منها الأبواب القوية لبيوتهم وقصورهم، وتفننوا في صناعة النوافذ الخشبية المزخرفة (المشربيات) التي تسمح بمرور الهواء والضوء للحفاظ على خصوصية كل أسرة حضرمية. وعلى امتداد تاريخ حضرموت ظلَّت معظم تلك القصور شواهد حيّة على حضارة لم تقهرها شمس الصحراء، أو قساوة الزمن ووقفت عصية أمام مزاحمة البناء العصري الذي التهم كثيرًا من التراث في مدن كثيرة. وتجسّد مدينة شبام التاريخية المتفرِّدة بقصورها العالية المبنية من الطين والمعروفة بـ: (مانهاتن الصحراء) تنوع الحرف التي شاعت بين أبناء حضرموت، إضافة إلى أنها تعدُّ دليلًا على عظمة الحضارم وقدرتهم في هذا الجانب المعماري الفريد.     
ومن أشهر تلك القصور، على سبيل المثال لا الحصر: 
قصر سيئون: يقع في قلب مدينة سيئون، وهو من أكبر المباني الطينية في العالم، ويحتوي على (45) غرفة، إضافة إلى العديد من المرافق والمباني، ويعود بناؤه إلى القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، وتحديدًا إلى عهد دولة السلطان بدر أبو طويرق. وقد شكل تحفةً معماريةً فنيةً متناسقة تدلّ على رقي هذه الدولة وعظمة سلاطينها، ويخفي خلف جدرانه العديد من قصص السلاطين وكبار رجال دولتهم. ويضمُّ اليوم متحفًا تاريخيًّا يحتوي على العديد من الآثار التي تعود إلى مرحلة ما قبل الإسلام. ولأهمية هذا المعلم في تاريخ حضرموت وتخليدًا لرمزيَّته واستمراريته في ذاكرة الأجيال وضعت صورته على عملة الألف الريال اليمني المتداولة اليوم. 
قصر الرناد: يعد من أقدم قصور مدينة تريم، واشتهر بكونه حصنًا دفاعيًّا ومقرًا للحكم. ويعود بناؤه إلى ما قبل الإسلام لِمَا وُجِد فيه من قطع أثرية، وبعض كتابات المسند المنقوشة عليه، ويتميَّز بأنفاقه السرية، وبئره التي كانت مصدرًا مهمًّا للمياه لكلِّ من سكَنَه أو أقام فيه أوقات الشدة. وقد رُمم ووسع في فترات مختلفة.
قصر عشّة: بناه عمر بن شيخ الكاف سنة 1339هـ/ 1920م في تريم، وسمي بعشّة نسبة إلى بئر عشّة والأرض الزراعية التي بني عليها، ويتميز بنمط معماري فريد جمع بين نمط البناء الحضرمي والنمط الآسوي.
قصر السلطان القعيطي (المعين) :معلم بارز في ساحل حضرموت، بناه السلطان غالب بن عوض القعيطي سنة 1925م في المدخل الرئيس لمدينة المكلا الذي كان يعرف قديمًا برع السدة، ويتكون من ثلاثة أدوار محاطة بمساحة واسعة عليها سور طويل. وبعد سقوط السلطنة القعيطية سنة 1967م سمي بقصر 14 أكتوبر، وأصبح اليوم متحفًا يضم العديد من المقتنيات الأثرية والتراثية. 
قصر القُبة :شيَّده محمد بن حسين الكاف -أحد أثرياء المنطقة-في وادي عيديد بمدينة تريم في سنة 1350هـ/ 1931م تقريبًا، ويتميز ببنائه المعماري، وزخارفه الجميلة، وقُبّته التي اعتلت سطحه، وما أحيط به من بساتين وأشجار عالية زادت من جمال منظره.
قصر حمطوط :يقع في حافة المحيضرة بتريم، وسُمّي بهذا الاسم نسبة إلى البستان الذي بُني فيه، حيث بناه حسين بن شيخ الكاف سنة 1353هـ/ 1934م، ويتميز بفنائه الداخلي، وبركته المائية، وجماله المعماري والهندسي. 
قصر الكاف: أنشأه عمر بن شيخ الكاف في تريم، واستغرق بناؤه سنوات طويلة، وكان الانتهاء من بنائه سنة 1357هـ/ 1938م. وقد أبدع فيه مَعالِمَة حضرموت ليخرجوا بتحفة فنية معمارية ذات طوابق متعددة، وأعمدة ضخمة، ونقوش متعددة نحتت على جدرانه الطينية.
قصر دار السلام: بناه محمد بن حسين الكاف سنة 1357هـ/ 1938م في تريم، وعرف بجمال منظره، والأشكال الهندسية على واجهته.     
قصر المنيصورة: يقع في تريم بالقرب من قصر عشّة، وتعود ملكيته إلى أحمد بن عمر بن يحيى الذي بناه سنة 1351هـ/ 1952م. وقد أُبدع في عملية تشييده، لاسيما واجهته الخارجية ذات الأعمدة الصغيرة، والألوان المتناسقة، وأحيط بحديقة جميلة تنوعت فيها الأشجار والورود.
قصر بُقشان: أنشئ في قرية خيلة بقشان بدوعن، وهو قصر طيني شاهق، يتفرد بألوانه الزاهية، ونقوشه الجميلة التقليدية، وقد بناه المغفور له الشيخ أحمد سعيد بقشان في سنة 1956م، والد رجل الأعمال الشيخ عبد الله بقشان.
قصر الباغ: هو أحد القصور الحضرمية المعروفة في غيل باوزير، تعود ملكيته إلى السلطان عمر بن عوض القعيطي، ويرجع بناؤه إلى نهاية القرن التاسع عشر كمسكن صيفي للسلطان وأسرته، ويتميز بفن معماري متأثر بالطراز الهندي، ويتكوّن من طابقين يضمان العديد من الغرف، وتحيط به الأشجار التي أعطت لموقعه منظر خلاب، وتمتد أمامه بركة كبيرة للسباحة.
تلك القصور الطينية التي ألمحنا إلى بعضها هي نماذج لما انتشر في حضرموت من قصور متنوِّعة في أشكالها، ودالّة على تنوّع الحرف وكثرة المهرة من الحرفيين فيها، وتفردهم ببعض أنماط البناء وما يتصل بها من مزيا جمالية أو مظاهر اجتماعية، إضافة إلى نقلهم لأنماط عالمية من دول مختلفة كالهند وبعض الدول الآسيوية؛ وهو ما يكشف عن امتداد علاقتهم بالدول والاستفادة من التجارب ونقلها إلى مدنهم. وقد أصبحت اليوم هذه القصور أو معظمها تواجه خطر الانهيار نتيجة الإهمال، وهو ما يتطلَّب من الجهات المعنية في الدولة والسلطة المحلية تدخلًا عاجلًا للحفاظ عليها.      

شارك هذا المقال
د طه حسين هديل

د طه حسين هديل

مستشار ثقافي بسفارة اليمن في الرياض

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

عبدالرزاق البقماء .. تاريخ من التضحية الصادقة
معالم وأعلام

عبدالرزاق البقماء .. تاريخ من التضحية الصادقة

حين تقترب نار الفتن والأفكار المتطرفة من الأوطان تحتاج إلى شخصيات استثنائية تطفئها، وتنصر الحق، وتكشف الزيف، وتعري الباطل وتتصدى له، وتُنير الطريق بنور الهدى، وتزرع الأمل في نفوس الناس، وتصدع بالحق. تحتاج إلى قادة يتصدرون للدفاع عن أرضها وهويتها، رجال صادقين في تضحياتهم ومواقفهم.

المنبر اليمنيالمنبر اليمني22 أغسطس 2026
العلامة العمراني..  جهود علمية كبيرة ومؤلفات قليلة وأثر واسع
معالم وأعلام

العلامة العمراني.. جهود علمية كبيرة ومؤلفات قليلة وأثر واسع

من يتأمَّل الجهود العلمية المتعددة للقاضي محمد بن إسماعيل العمراني -رحمه الله- ويطلع على علمه الغزير، وثقافته الموسوعية، وإجماع عموم أبناء اليمن عليه، والقبول الذي يحظى به، وكثرة طلابه من اليمنيين ومن غيرهم من العالم الإسلامي، يلاحظ أنه مقل في التأليف.

المنبر اليمنيالمنبر اليمني22 يوليو 2026
الإمام الصنعاني السيرة والأثر
معالم وأعلام

الإمام الصنعاني السيرة والأثر

العلامة محمد بن الأمير الصنعاني -رحمه الله- فقيه اليمن، ومحدِّثها، أسس مدرسة علمية في اليمن تعتمد الدليل وتتجاوز التقليد، وأصبح من أقوى الشخصيات العلمية وأشهرها في تاريخ اليمن والعالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري. اتسم في تدريسه وتأليفه وما يصدر عنه من فتاوى بالتحرر الفكري، والشجاعة الأدبية، والعودة إلى منابع الدين الصافية بعيدًا عن نوازع المجتمع وتأثيرات البيئة.

ههيئة التحرير21 يوليو 2026