ويعدُّ الشيخ الدكتور عبدالرزاق البقماء -رحمه الله- واحدًا من أولئك الصادقين -هكذا نحسبه والله حسيبه- الذين نذروا أنفسهم للعلم وللحق والدفاع عنه، وللعمل الإنساني وخدمة المجتمع، فقد جمع بين أداء رسالته في المحراب طوال مسيرته خطيبًا ومحاضرًا ومشاركًا في الندوات الفكرية واللقاءات التوعوية، وكان قريبًا من مجتمعه. لبَّى نداء الواجب الديني والوطني في الميدان حين حلت الجائحة الحوثية في اليمن، وسطَّر صفحة بطولية وهو يدافع عن هوية اليمن وعقيدته، وكانت له إسهامات إنسانية في مختلف المجالات، وكان يسد حاجات النازحين في المخيمات بحسب استطاعته وعلاقاته.
وقد كانت حلقاته وبرامجه التي قدمها في قناتي صفاء ووصال شاهدًا على عمق هذا الوعي؛ إذ لم يكن يكتفي بإدانة الممارسات، بل كان يعود إلى الجذور، ويفكك الأفكار، ويكشف التناقضات، ويفضح الارتباط بالمشروع الإيراني، ويبين خطر الحوثيين على اليمنيين في دينهم وأمنهم ووطنهم وهويتهم.
نشأة علمية ومنهجية وسطية
نشأ الشيخ عبدالرزاق البقماء على حب العلم، وتنوعت روافده العلمية والمعرفية، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإسلامية من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية وعلى أيدي مشايخها الفضلاء أخذ العلم الشرعي من نبعه الصافي. وأسهمت دراسته في الجامعة الإسلامية في صقل وعيه وبنائه العلمي واكتساب المنهج الوسطي الذي عرف به مشايخ المملكة. فقد اتسم في حياته بفكره المعتدل ونبذ التعصب ومحاربة التطرف بشكل صريح وعلني، وسعى إلى جمع كلمة اليمنيين ورأب الصدع بين مكوناتهم المختلفة، وآمن أن المواجهة مع المشروع الحوثي الإمامِي لا تقتصر على البندقية فحسب، بل تبدأ من كشف زيف الخرافة، وتفنيد شبهها، ومواجهة تجار الشعارات، وإعادة الفطرة الوطنية والدينية إلى مسارها الصحيح.
ومن مواقف الدكتور عبدالرزاق البقماء، رحمه الله، أنه كان زاهدًا ورعًا، لا يتكلف الزهد ولا يتظاهر بالورع، وإنما كان ذلك سجيةً راسخةً في نفسه، تظهر في دقيق شأنه كما تظهر في جليله.
دُعي ذات مرة إلى مطعم فيه بوفيه مفتوحة، وكان معلومًا أن قيمة الطعام قد دُفعت مقدمًا، فامتنع رحمه الله عن الأكل منها، وقال لي بمعنى كلامه: إن في هذا الأمر شبهةً لا أطمئن إليها؛ فالناس يدفعون مبلغًا واحدًا، ثم يأكل هذا ما لذّ وطاب، ولا يأكل ذاك إلا القليل، مع استوائهما في المدفوع. ثم انصرف عن البوفيه، وأخذ رغيفًا وقليلًا من السلطة، مكتفيًا بما تبرأ به الذمة ويطمئن إليه القلب.
وقد تبدو هذه الحادثة صغيرة في ظاهرها، لكنها عند من يعرف الرجل ليست صغيرة؛ إذ تكشف عن قلبٍ كان يتحرى الحلال حتى في المواطن التي يتساهل فيها كثير من الناس، وعن نفسٍ كانت ترى الورع ليس في المحاريب وحدها، بل في اللقمة والدرهم والمعاملة.
وكانت العبادة باديةً عليه، ترى في سمته آثار الخشية، وعلى محياه سكينة العابدين، وتلمح في حديثه ونظراته شيئًا من ذلك التبتل الذي يجعل صاحبه يعيش لله، ويستصغر ما سواه. غير أن زهده لم يكن زهد المنعزلين عن آلام الناس؛ بل كان زهدًا باعثًا على البذل، وورعًا يدفع إلى النجدة، وتقوى تحمل صاحبها أعباء الآخرين.
كان رحمه الله متفانيًا في قضاء ديون المرضى، وإعانة المحتاجين، ومعالجة الجرحى، وحمل أثقال الناس عنهم. وتحمل لأجل ذلك ديونًا بلغت ملايين، حتى إنه كان يستدين مبالغ كبيرة ليشتري بها السلاح لمقاومة الحوثيين والدفاع عن اليمن وأهله. وكان يرى في قضاء حوائج الناس عبادة، وفي نصرة المظلوم واجبًا، وفي احتمال تبعات ذلك شرفًا لا غُنمًا.
وعندما تدفقت جموع النازحين نحو محافظة مأرب هربًا من البطش الحوثي، سارع الشيخ البقاء بنفسه ليقف إلى جانب الناس مواسيًا ومساندًا ومناصرًا، ويعيش آلام المجتمع. ولم يقف عند هذا الحد، بل استثمر ثقته القبلية ومكانته الاجتماعية ليقود مساعي الصلح بين القبائل، ويحشد الجميع لمعركة اليمن الكبرى وهي مواجهة الإرهاب الحوثي. كان -رحمه الله- يؤمن أن تماسك الجبهة الداخلية في مأرب هو صمام الأمان الأول للجمهورية. وكل ذلك أكسبه ثقة المجتمع واحترامًا واسعًا في أوساط القوى الوطنية.
البقماء من أوائل القادة الميدانيين
كان الشيخ البقماء من أوائل القادة الذين أسهموا في إسناد الجيش الوطني والمقاومة الشعبية، ولعل أبرز بصماته الميدانية تمثلت في تأسيس وتنظيم "ألوية اليمن السعيد" بمأرب، وكان يتقدم الصفوف في الجبهات، يشد أزر المرابطين، ويرفع معنوياتهم، ويزرع في نفوسهم أن محاربة جماعة الحوثي تعد دفاعًا عن العقيدة والهوية والكرامة اليمنية.
البقاء في ركاب الشهداء
الأدوار الكبيرة والجهود الفاعلة التي اضطلع بها الشيخ البقماء أصبح بسببها هدفًا لجماعة الحوثي؛ لأنها تخشى من كل صوت يجمع ويحشد ويرص الصفوف لمواجهتها. وفي يونيو 2022م، امتدت أيدي الغدر بعبوة إجرامية استهدفت سيارته في منطقة الخدرة بمحافظة مأرب، لتفيض روحه إلى بارئها شهيدًا شامخًا. وأحدث نبأ شهادته حزنًا عميقًا في الشارع اليمني، ونعاه كبار قيادات الدولة، والعلماء، والمكونات السياسية والقبائل، مؤكدين أن خسارته هي خسارة للوطن بأكمله.
عاش صادقًا ومات مرابطًا، وبرهن بدمائه أن العلماء الصادقين هم من يصدعون بالحق ويدفعون ضريبة كلمة الحق، ويسطرون مواقف واضحة في مواجهة الإرهاب. لقد زرع في ذاكرة أجيال اليمنيين نموذجًا فريدًا للعالم العامل المساند لدولته وولاة أمره، والقائد الميداني الذي لم ينفصل يومًا عن هموم شعبه.
لقد عاش البقماء عاملًا لدين ووطنه، مضحيًا من أجل هدفه، واستشهد وهو مساند لدولته ويؤدي واجبه، ويدافع عن عقيدته.