المنبر اليمني
العلامة العمراني..  جهود علمية كبيرة ومؤلفات قليلة وأثر واسع
معالم وأعلام

العلامة العمراني.. جهود علمية كبيرة ومؤلفات قليلة وأثر واسع

المنبر اليمني

المنبر اليمني

خاص

22 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

من يتأمَّل الجهود العلمية المتعددة للقاضي محمد بن إسماعيل العمراني -رحمه الله- ويطلع على علمه الغزير، وثقافته الموسوعية، وإجماع عموم أبناء اليمن عليه، والقبول الذي يحظى به، وكثرة طلابه من اليمنيين ومن غيرهم من العالم الإسلامي، يلاحظ أنه مقل في التأليف.

ومؤلفاته القليلة إما أن يقوم أولاده بجمعها وإصدارها، أو يقوم طلابه بهذه المهمة كما حدث مع كتابه (نظام القضاء في الإسلام) الذي هو في أصله تفريغ لمحاضرات ألقاها القاضي على طلاب المعهد العالي للقضاء بصنعاء([1])، ثم قام طلاب القاضي العمراني في المعهد بجمع هذه المحاضرات وتحريرها ونشرها في هذا الكتاب. وكتب لها القبول وحققت أثرًا في المجتمع.

 وكان القاضي العمراني -رحمه الله- إن وجد أن طلابه قد سجلوا محاضراته وفرغوها وقرروا نشرها لا يمانع من ذلك لتعميم الفائدة للناس، لكنه لا يسعى هو إلى نشرها ويترك الأمر لطلابه وأولاده، فإذا صار الكتاب جاهزًا لا يمانع هو من كتابة مقدمته وإحالة طلبة العلم إليه كما حدث معه عندما سأله تلميذه الشيخ جبران سحاري عن بعض جهوده ومشايخه، فأحاله إلى كتاب (القاضي محمد بن إسماعيل العمراني وجهوده العلمية والدعوية)للدكتور عبد الرحمن الأغبري، إضافة إلى إحالته إلى كتب الفتاوى التي جمعها الشيخ عبد الله قاسم ذيبان وصدرت بعنوان: (نيل الأماني في فتاوى القاضي العمراني)، وكذلك الكتاب الذي أصدره الشيخ نعمان الوتر بعنوان: (نيل الأماني بأسئلة نعمان الوتر وأجوبة القاضي العمراني).

ويقول تلميذه الشيخ عبد الرحمن العيزري([2]): "شيخنا القاضي العمراني -رحمه الله تعالى- غلب عليه مجال التَّدريس على مجال التَّأليف، ومع ذلك فقد ضرب بسهمٍ طيِّب في مجال التأليف، فله مؤلفات وأبحاثٌ طيبةٌ مفيدة ، ومع هذا فقد كان يرى أنَّ مؤلفاته لا ترقى لدرجة مؤلفات الأئمة، ويوجّه بالاستفادة من كتب غيره. وقد تحدَّث -رحمه الله- عن المؤلفات بشكل عام فقال: قد كثرت في مختلف الفنون فلا يحتاج إلى مثلي أن يؤلف، والتأليف يكون للعلماء الكبار، ونحن نحتاج لمن ينشر العلم ويدرسه. ثم قال: أين سيقف تأليفي بجانب مؤلفات المقبلي، وابن الوزير، وابن الأمير، والشوكاني، وابن حجر، والنووي؟"([3]).

 ويبدو أن الأسباب التي دفعت القاضي العمراني إلى ترك التأليف هي: 1ـ التواضع الجم الذي عرف به القاضي العمراني، ونكرانه لذاته، وعدم رغبته في الظهور والشهرة والأضواء. فقد -رحمة الله-  يخشى على نفسه من تبعات وعواقب الشهرة والأضواء، ففضل، لورعه وزهده، أن يبقى مقلًّا في مجال التأليف، وقد أخبرني بهذا الأمر بنفسه فقال لي: ـ من أنا حتى يكون لي مؤلفات؟!

2 ـ انشغال القاضي العمراني بالتدريس والفتاوى، فقد كان  -رحمة الله- يرى أن الأولوية للتدريس والفتاوى لنفع الناس ونشر العلم بينهم، والإجابة عن أسئلتهم وتفقيههم في أمور الدين؛ ولذا ظلَّ القاضي العمراني على مدار عقود يتلقى الفتاوى، ويجيب عليها بخطه؛ لأنه يرى أن في الإجابة عن أسئلة الناس حلّ لإشكالات في حياتهم ولتفقيههم في أمور دينهم.

 

 

3 ـ القاضي العمراني كان يحثُّ طلابه على تسجيل المسائل العلمية وتقييد المعلومات وحفظها لكي تثبت في الأذهان في حال المراجعة، ولكي تُنشر وينتفع الناس بها بعد ذلك؛ ولذا كان يعتب على الطلاب الذين يستمعون إليه ولا يسجلون ما يقوله، وكان يردد قول الشاعر:

العلم صيد والكتابة قيده   قيد صيودك بالحبال الواثقة

فمن الحماقة ان تصيد غزالة وتتركها بين الخلائق طالقة

وكان القاضي العمراني يرى أن بناء الرجال وتعليم الأجيال أهم من كتابة وتدوين المؤلفات وإصدار الكتب، وأن على طلابه نشر علمه؛ وهذا ما حدث، فهناك أكثر من 100 بحث منشور، وكلّها أفادت من دروس وفتاوى القاضي العمراني حتى الآن، وهذا ما ذهب إليه الدكتور عبد الرحمن الأغبري، حيث قال: "وحاولت أن استخرج من خلال ما ذكرت شيئًا لم أسبق إليه فيما أعلم كبعض رسائله وبحوثه ومقالاته وفتاواه سواء الفقهية منها أم الحديثية أم حتى العقائدية، وجُلُّها لا زالت مخطوطة، مع أنه في كلِّ مرَّة عند محاولتي استخراج شيءٍ منه يُبدي اعتذارًا لطيفًا وينتحل جوابًا شافيًا: ما عندي شيء ولست بشيء، ما هي إلا دعوة أمي لي". ولا زلت أعتقد أنه لم يخرج لي كل ما عنده رغم محاولاتي الكثيرة، خاصة وأن علومه وجهوده أكثرها في هوامش كتبه كتعليقات على مصنفات من سبقوه، ومما زادني اعتقادًا بذلك أن بعضًا من طلابه كان قد اقترح عليه أن يجمع فوائده التي كان يذكرها لهم أثناء دروسه في كتب حسب تخصص الفوائد؛ فعمل بهذا المقترح، ولكنه فقد كثيرًا مما أودع كتبه هذه الفوائد، كما وجدت ذلك مكتوبًا في بعض مخطوطاته القديمة"([4])

يضاف إلى ذلك أن فتاوى القاضي العمراني -رحمة الله- في الإذاعة والقنوات الفضائية والصحف جُمع بعضها وما زال جزء منها في طريقه إلى الصدور على شكل كتب، إضافة إلى دروسه في المعهد العالي للقضاء وغيرها، فقد نشرت حلقات منها في اليوتيوب والبقية في الطريق إلى النشر. وهناك -كما علمت- قرابة 10 ألف ساعة بث سيتم نشرها؛ وهذا خير كثير وفضل عميم، ونور عظيم، والحمد لله أن قيّض أولاد القاضي الأفاضل وبعض طلابه للعكوف على نشر علم القاضي العمراني وإخراج دروسه وفتاواه للناس بأجمل حلة وبأروع إصدار.

4 ـ القاضي العمراني كتب كثيرًا من الهوامش والتعقيبات والتصويبات على كتب قام بتدريسها، مثل: كتاب (فقه السنة) للعلامة سيد سابق. وقد قام تلميذ القاضي العمراني الشيخ فؤاد دحابة بإصدار كتاب (تهذيب فقه السنة) وفيه تعقيبات وهوامش للقاضي العمراني على هذا الكتاب، وكذلك فعل بعض طلاب القاضي في كتب أخرى.

5 ـ القاضي العمراني حريص على أن ينتفع الناس بعلمه وبما كتبه وما قاله في الدروس والفتاوى والبرامج الفضائية؛ ولذا أقرَّ نجله السفير عبد الرزاق العمراني على جمعه للمعارف واللطائف التي جمعها نقلًا عن والده، ومنها التي خطَّها والده بيده وسمعها منه، وأخرجها في كتابه الرائع: (سفينة العمراني معارف ولطائف)، قد صدرت طبعتها الأولى والثانية عن دار المقتبس، وكتب لها مقدمة أيضًا. وأقر القاضي العمراني نجله الدكتور عبد الغني العمراني على جمع مقالاته التي كتبها قبل ما يقارب 70 عامًا وإصدارها في كتاب بعنوان: (مقالات القاضي العمراني)، وكتب لها مقدمة؛ وذلك لحرص القاضي العمراني -رحمة الله- على أن يستفيد الناس من هذه المقالات.



([1]) كتاب : ( نظام القضاء في الإسلام ) تأليف القاضي محمد بن إسماعيل العمراني وهو مجموعة محاضرات ألقاها القاضي العمران أثناء تدريسه بمعهد القضاء العالي بصنعاء وقامت إدارة المعهد بجمعها وطباعتها في كتاب عام 1984م وقد طبع عدة مرات.

([2]) الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن صالح العيزري ولد في صنعاء بتاريخ 1394هـ الموافق 1973م درس على أيدي نخبة من كبار علماء اليمن وتتلمذ لسنوات طويلة على يد القاضي العمراني، وله مؤلفات عديدة منها: "الاختيارات العلمية في المسائل الفقهية" للإمام الشوكاني " وكتاب" جهود الشيخ الألباني في الحديث – رواية ودراية وغيرها من المؤلفات العلمية.

([3]) انظر: كتاب (صفحاتٌ مضيئةٌ من سيرة القاضي العلامة محمد بن إسماعيل العَمراني) تأليف الشيخ عبد الرحمن العيزري، منشورات مركز سلف للدراسات والبحوث على هذا الرابط : https://salafcenter.org/6077

([4]) انظر: كتاب (القاضي العلامة محمد بن إسماعيل العمراني ـ حياته العلمية والدعوية) تأليف الدكتور عبد الرحمن الأغبري صـ 17.

شارك هذا المقال
المنبر اليمني

المنبر اليمني

خاص

فريق تحرير مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

عبدالرزاق البقماء .. تاريخ من التضحية الصادقة
معالم وأعلام

عبدالرزاق البقماء .. تاريخ من التضحية الصادقة

حين تقترب نار الفتن والأفكار المتطرفة من الأوطان تحتاج إلى شخصيات استثنائية تطفئها، وتنصر الحق، وتكشف الزيف، وتعري الباطل وتتصدى له، وتُنير الطريق بنور الهدى، وتزرع الأمل في نفوس الناس، وتصدع بالحق. تحتاج إلى قادة يتصدرون للدفاع عن أرضها وهويتها، رجال صادقين في تضحياتهم ومواقفهم.

المنبر اليمنيالمنبر اليمني22 أغسطس 2026
قصور حضرموت ...تاريخها ورمزيتها
معالم وأعلام

قصور حضرموت ...تاريخها ورمزيتها

نتيجة لاهتمام بعض حكام حضرموت ومشايخها، والأغنياء من التجار الحضارم والمهاجرين منهم بالبناء والمعمار اتَّجه كثير منهم إلى تمييز أنفسهم عن غيرهم بتعمير البيوت المتقاربة ذات الطوابق المتعددة، والقصور المنفردة والمتميزة بأشكالها الفنية والمعمارية الجميلة والمحاطة بالحدائق الغناء، معتمدين في بنائها على مادة الطين المقاوم لعوامل التعرية وللظواهر البيئية الصعبة.

د طه حسين هديلد طه حسين هديل24 يوليو 2026
الإمام الصنعاني السيرة والأثر
معالم وأعلام

الإمام الصنعاني السيرة والأثر

العلامة محمد بن الأمير الصنعاني -رحمه الله- فقيه اليمن، ومحدِّثها، أسس مدرسة علمية في اليمن تعتمد الدليل وتتجاوز التقليد، وأصبح من أقوى الشخصيات العلمية وأشهرها في تاريخ اليمن والعالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري. اتسم في تدريسه وتأليفه وما يصدر عنه من فتاوى بالتحرر الفكري، والشجاعة الأدبية، والعودة إلى منابع الدين الصافية بعيدًا عن نوازع المجتمع وتأثيرات البيئة.

ههيئة التحرير21 يوليو 2026