المنبر اليمني
اليمن سينتصر
حتى نلتقي

اليمن سينتصر

د. ربيع بن طاهر

د. ربيع بن طاهر

عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن

18 أكتوبر 2026٠ قراءة
حجم الخط

أنا الأرضُ التي قال فيها رسولُ الله ﷺ: «الإيمانُ يمانٍ، والحكمةُ يمانية»، أنا سدُّ مأرب وعرشُ بلقيس، وأنا المدرّجاتُ التي نحتها أجدادُكم في صدر الجبل حتى أطعم الجبلُ أهلَه، عشتُ آلافَ السنين، ورأيتُ الغُزاةَ يأتون ثم يرحلون جثثًا أو خائبين، ورأيتُ الطغاةَ يتعاقبون ثم يسقطون، وبقيتُ أنا، وبقي أبنائي.

ومن رحمي خرج الأنصارُ الذين آووا رسولَ الله ﷺ ونصروه، ومن جبالي انطلقت القبائلُ مع جيوش الفتح، تحمل الإسلامَ إلى الشام والعراق ومصر والمغرب والأندلس، ما عرف أبنائي في دين الله مداهنةً، ولا في ساحات الحقّ تردّدًا، إذا انتُهكت حرمةٌ غضبوا لله، وإذا نادى المنادي إلى الحقّ كانوا في الصفّ الأول، لا يُبالون أوقعوا على الموت أم وقع الموتُ عليهم.
لكنني لم أعرف وجعًا كهذا الوجع، جاءني قومٌ من بين أبنائي، قد رضعوا من الفُرس، فرفعوا البندقيةَ في وجه أبنائي، واقتحموا صنعاء كما يقتحم اللصُّ بيتًا نام أهلُه، زعموا أنّ لهم في رقاب الناس حقًّا ورثوه من السماء، وقسَّموا أبنائي إلى سادةٍ وأتباعٍ، وأرادوا أن يعيدوني إلى عهد الإمامة الذي خلعتُه عن كتفي، وغسلتُ منه وجهي بدماء الأحرار، تاجروا باسم الدين وهم أبعدُ الناس عن هديه، ورفعوا شعارَه ليطعنوا به أهلَه.
ملأوا تربتي بالألغام، فصرتُ أخشى أن يمشي أطفالي على صدري، حاصروا تعز، فصارت أمهاتُها يَعْبُرْنَ الجبالَ إلى مستشفى كان على بُعد خطوات، أغلقوا المدارس وفتحوا مراكزَ التعبئة، وكتبوا على جدراني شعاراتِ الموت بدل آيات الحياة، وما زلتُ أسمع أنينَ السجناء في أقبيتهم، وأرى بيوتًا فُجّرت لأنّ أصحابها قالوا كلمةً واحدةً: لا.
وأنا اليمني…
أنا الموظفُ الذي انقطع راتبُه سنواتٍ، فباع أثاثَ بيته قطعةً قطعةً، ثم باع ساعتَه وخاتمَ زواجه، ولم يبع كرامته، أنا الأمُّ التي ودّعت ابنها وهو ذاهب إلى المدرسة، فأعادوه إليها صورةً معلّقةً على عمود كهرباء، وقد ألبسوه بندقيةً ينو بحملها، أنا المعلّمُ الذي صار يعمل حمّالًا ليطعم أطفاله، والطبيبُ الذي هاجر، والفلاحُ الذي ترك حقلَه للألغام، والصحفيُّ الذي كُسر قلمُه في الزنزانة.
أنا النازحُ في خيمةٍ لا تقي حرًّا ولا بردًا، أحمل مفتاحَ بيتي في جيبي، وأعرف أنّ البيت لم يعد هناك، وأنا المغتربُ الذي يحمل اليمنَ في صدره أينما ذهب، ويرسل ما يكسبه إلى أهله، ويبكي وحده حين يسمع الأذانَ فيتذكّر مآذنَ صنعاء القديمة، أو حين يشمّ رائحةَ البُنّ.
قالوا لي: اصمت، فالجوعُ خيرٌ من الرصاص، وقالوا: اخضع؛ فالمقاومةُ عبثٌ، لكنهم لم يعرفوني جيدًا، أنا ابنُ الأرض التي لفظت الإمامةَ مرةً، وستلفظها مرةً أخرى، أنا حفيدُ الصحابة الذين نصروا الدين، وكانوا أحرارًا شرفاءَ يقولون الحقَّ في وجه الظالم، وحفيدُ الأحرار الذين لم يسألوا عن الثمن، أغارُ على ديني أنْ يُختطف باسم الدين، وعلى نبيّي ﷺ أن يُتّخذ نسبُه سُلّمًا لاستعباد الناس، وإنّ صبري ليس ضعفًا، وصمتي ليس رضًا؛ إنما أجمع قوتي كما يجمع الوادي سيلَه قبل أن ينحدر.

ويقول اليمنُ لابنه:
يا بنيّ، لا تيأس، فالليلُ مهما طال لا يملك أنْ يمنع الفجر، والظلمُ مهما تطاول فعمرُه قصير، لقد رأيتُ قبلهم كثيرين، وكلّهم صاروا سطرًا مشوهًا في كتاب التاريخ، وبقيتُ أنا أكتب الكتاب، تمسّك بإيمانك ورقة فؤادك، وبحكمتك التي وُصفتَ بها، وبشجاعة أجدادك الذين لم يُعطوا الدنيّةَ في دينهم، واقتسمْ رغيفك مع جارك كما فعل أجدادُك الأشعريون، فبهذا وحده تنتصر.

ويجيبه اليمني:
سأعود إليك يا يمن كما يعود المطرُ إلى الأرض العطشى، سأعود بغيرة الأنصار على دين الله، وبشجاعة الفاتحين الذين لم يعرفوا الهزيمة، سأعود إلى صنعاء فأفتح أبوابها لكل أبنائها، بلا سيّدٍ ولا مَسُودٍ، سأعيد القلمَ إلى يدِ الطفل، والراتبَ إلى يدِ العامل، والأمانَ إلى الطريق، والابتسامةَ إلى وجه أمي، وسأرفع علمَ الجمهورية فوق كل جبلٍ ووادٍ، ليعرف العالمُ أنّ هذا الشعب لا يُهزم.

اليمنُ سينتصر… لأنّ الأرضَ لا تخون أهلها، ولأنّ أهلها لا يخونونها، ولأنّ الحقَّ أبقى من كل بندقية.
اليمنُ سينتصر… لأنّ دعوةَ رسول الله ﷺ بالبركة ما زالت تُظلّل أرضه.
اليمنُ سينتصر… لأنّ أبناءه يغارون على دين الله أنْ يُتّخذ تجارةً أو سُلّمًا للتسلّط.
اليمنُ سينتصر…لأنّ دماءَ الشهداء لا تذهبُ هدرًا، ودموعَ الأمهات لا تسقط عبثًا.
اليمنُ سينتص؛ لأنّ الطفلَ الذي حُرم سيعود إلى مدرسته، والمظلومَ الذي صبر سيرى عدلَ الله.
وإنّ غدًا لناظره قريب، وإنّ غدًا لناظره قريب.

شارك هذا المقال
د. ربيع بن طاهر

د. ربيع بن طاهر

عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

اليمن بلا حوثي.. استعادة الوطن والهوية والإنسان
حتى نلتقي

اليمن بلا حوثي.. استعادة الوطن والهوية والإنسان

حين يتخيَّل اليمني يوم الخلاص، فإنه لا يتخيل لحظة توقف الحرب أو انتهاء جولة من جولات القتال، بل يتخيل وطنًا يستعيد عافيته، ودولة تستعيد حضورها، ومجتمعًا يتنفَّس من جديد. اليمن بلا جماعة الحوثي يعني، قبل كل شيء، اليمن بلا مشروع يفرض نفسه على الدولة والمجتمع بقوة السلاح، وبلا أفكار سلالية وعنصرية واستعلائية تجعل من النسب معيارًا للتمييز بين أبناء الوطن الواحد.

محمد محمد مهديمحمد محمد مهدي27 سبتمبر 2026
ماذا تصنع محاضن الحوثي بأجيال اليمن؟
حتى نلتقي

ماذا تصنع محاضن الحوثي بأجيال اليمن؟

تتمثل جناية العقيدة الحوثية المغلوطة على ديموغرافية اليمن وجيله الناشئ في أمور كثيرة منها: ١- تجريف الهوية الوطنية اليمنية. ٢- فرض مشروع طائفي سلالي مغاير لتاريخ اليمن المتنوع عبر تفكيك نسيجه الاجتماعي. ٣- تغيير المناهج التعليمية، وتدمير المؤسسات الثقافية. ٤- تجريم التفكير الحر خارج إطار العقيدة الحوثية لترسيخ عقيدة الولاء المطلق للجماعة.

د.عبدالله بن غالب الحميريد.عبدالله بن غالب الحميري23 أغسطس 2026
مسؤولية الكلمة
حتى نلتقي

مسؤولية الكلمة

الكلمة مسؤولية وأمانة، لها تأثير كبير إيجابًا أو سلبًا، على النفس والآخرين، وبهذا جاءت النصوص، ومنها ما رواه البخاري عن النبيّ ﷺ قَالَ: (إنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالى مَا يُلقِي لهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّه بهَا دَرَجاتٍ، وَإنَّ الْعبْدَ لَيَتَكلَّمُ بالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ تَعالى لا يُلْقي لهَا بَالًا يهِوي بهَا في جَهَنَّم). ويشمل التأثير الإيجابي للكلمة الجوانب المادية والنفسية والمعنوية، وتحقق التحفيز، وتعمل على رفع مستوى الطاقة والروح المعنوية، وهذا ينعكس إيجابًا على أداء الفرد والمجتمع، والتعاطي مع القضايا والأدوار الاجتماعية التي يقومون بها.

عمار بن ناشر العريقيعمار بن ناشر العريقي28 يوليو 2026