أولًا: الرد من المنظور الشرعي وفقه المقاصد
1. تناقض الاستدلال بآيات الصلح مع واقع الحصار والعدوان
افتتح البيان بآية عظيمة في فضل العفو والإصلاح: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (الشورى: 40)، وحديث إصلاح ذات البين. غير أن الإصلاح في الشريعة يقتضي رفع الظلم أولًا لا شرعنته بينما الجماعة الحوثية تحاصر مدينة تعز وتستهدف مدنييها، والصلح الحقيقي يبدأ برفع الحصار وكف الأذى، وليس بدعوة الضحية للاستسلام ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (آل عمران: 167) والله جل وعلا يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ﴾(الحجرات: 9).
فالجماعة الباغية التي ترفض السلام وتستمر في الحصار والعدوان لا يجوز شرعًا التمكين لها تحت لافتة «إصلاح ذات البين».
2. إبطال إسقاط «أمان مكة» على دخول المليشيات للمدن
وظّف البيان عبارة الخاتمة الشهيرة: «فمن دخل داره فهو آمن»، وهي محاكاة تاريخية لقول الرسول ﷺ يوم فتح مكة. وهذا إسقاط في غير محله؛ فالرسول ﷺ كان يمثل الدولة الشرعية والنبوة، ودخل مكة لإزالة مظاهر الظلم والشرك وتأمين الناس، بينما الجماعة الحوثية جماعة مسلحة انقلبت على التوافق الوطني والشرعية، كما يعرفه كل اليمنيين؛ فضلًا أن يكون خافيًا على أبناء تعز، وهذه الجماعة الحوثية لا تملك الولاية الشرعية لمنح «صكوك الأمان» للناس في بيوتهم ومحافظاتهم؛ بل حملوا السلاح على كل اليمنيين وما استماتتهم على دخول تعز وحصارها إلا دليل على كذب هذا البيان الخادع الكاذب المزعوم بل ينطبق عليهم قول النبي ﷺ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا» (متفق عليه).
فمن يشهر السلاح في وجه المجتمع، ويهدده بالاجتياح لا يمكنه أن يتقمص دور المؤمِّن للناس.
ثانيًا: الرد من المنظور القانوني والدستوري
1. انعدام الصفة القانونية والدستورية لمُفتي هذا البيان والميليشيا الحوثية الإرهابية
يحمل البيان صفة «مفتي محافظة تعز». ومن الناحية القانونية، إن هذه صفة منعدمة الأثر، كونها صادرة عن سلطة انقلابية غير معترف بها محليًّا ولا دوليًّا. والقانون والدستور اليمني يحصران تعيين الوظائف العامة والدرجات العليا برئيس الجمهورية والحكومة الشرعية المعترف بها حيث ينص الدستور اليمني على أن: مصدر السلطة، والإذن بممارستها بشكل مباشر عن طريق مؤسساته الدستورية.
وبالتالي، فإن أي قرارات أو تعيينات أو بيانات تصدر عن مليشيا الحوثي الإرهابية تعد باطلة بطلانًا مطلقًا.
2. تجريم الانقلاب وتقويض مؤسسات الدولة والسلاح المنفلت
يدعو البيان أبناء تعز لتسليم السلاح والقبول بسلطة الحوثي، وهذا المطلب يمثل دعوة صريحة لانتهاك السيادة الوطنية، والاعتراف بجسم موازٍ متمرد على الدول؛ بينما ينص الدستور اليمني على أن: «الدولة هي التي تنشئ القوات المسلحة... ويحظر على أي فرد أو جهة أو جماعة أو حزب أو تنظيم سياسي إنشاء فصائل أو قوات مسلحة تحت أي مسمى»، كما يجرّم قانون الجرائم والعقوبات اليمني كل من أقدم على تغيير الدستور، أو تقويض سلطات الدولة بالقوة.
ثالثًا: تفكيك المغالطات الواقعية والتاريخية
1. قلب الحقائق بشأن كرامة وثقافة تعز
يتباكى البيان على معاناة تعز طوال سنوات ويدعي السعي لإنقاذها ومحاربة الإرهاب.
وفي حين أن المعاناة الكبرى واليومية لتعز بدأت تحديدًا مع الانقلاب والحصار المطبق الذي فرضته الجماعة، والذي تسبب في كوارث إنسانية وصحية واقتصادية موثقة بتقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الكبرى.
ووصم المدافعين عن مدينتهم بـ«الدواعش» هو غطاء سياسي وتبرير لتسويغ الاجتياح العسكري.
2. التناقض بين شعار «التنوع الفكري» وممارسات الجماعة الحوثية
يمتدح البيان تاريخ تعز في «التنوع الفكري والتجانس المذهبي والحرية الفكرية»؛ مشيرًا إلى الصوفية وابن علوان والأشرفية)، وهنا يبرز التناقض الصارخ؛ فالفكر الحوثي قائم أساسًا على نظرية «الحق الإلهي» الحصري، وهو نهج إقصائي أحادي يصطدم كليًّا مع المذهب الشافعي والإرث الصوفي المنفتح لتعز، فالممارسات الفعلية وتفجير المنازل ودور العبادة تدحض تمامًا مزاعم القبول بالتنوع.
خلاصة الرد المحكم
إن البيان الصادر عن الشيخ علوي سهل عقيل هو غطاء ديني لمشروع عسكري وسياسي؛ يلبس عباءة الوعظ والحرص على المقاصد الشرعية في ظاهره، بينما يبطن دعوة صريحة لأبناء تعز للاستسلام والقبول بسلطة مغتصبة بقوة السلاح.
وإن أي مبادرة حقيقية للصلح وحقن الدماء يجب أن تبدأ شرعًا وقانونًا عبر ولي أمر اليمن المعترف به شرعًا وقانونًا ودوليًّا وإقليميًّا؛ ويبدأ فورًا بإنهاء مسببات الجريمة: برفع الحصار الجائر فورًا عن تعز، وإعادة الأسلحة والمؤسسات المنهوبة إلى الدولة الشرعية والالتزام بالدستور والقوانين النافذة، ومحاسبة المليشيا الحوثية الإرهابية محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا وما دون ذلك فهو شرعنة للظلم وتأسيس لسلام زائف لا يدوم.