والإجابة عن هذه الأسئلة تفتح الباب أمام مقاربة أكثر تماسكًا، تُعنى بفهم السياسة الخارجية الإيرانية تجاه محيطها الجزيري (شبه الجزيرة العربية)؛ فالمنطقة التي تشمل اليمن، ودول مجلس التعاون الخليجي، والهلال الخصيب، تُشكّل من منظور جيوسياسي كتلة مترابطة، تُشرف على البحار المحيطة بشبه الجزيرة العربية، لا سيما البحر الأحمر والبحر العربي اللذين لا ينفصلان بدورهما عن القرن الإفريقي.
ولفهم هذه الأبعاد، علينا أن نعرِّج سريعًا للنظر في كيفية رؤية إيران لنفسها في المنطقة، وما الدور الذي تسعى إلى شغله، وبالتالي معرفة محددات سياساتها ومرتكزاتها.
في هذا الجانب، نجد تداخلًا وثيقًا بين ما هو متصل (تاريخي) وما هو مستجد؛ فإيران ترى نفسها قوة إقليمية ذات أبعاد تاريخية، تمنحها الاستيهامات الثقافية فيها القدرة والرغبة في السيطرة على هذه المنطقة الغنية بالموارد، وذات الأهمية الاستراتيجية البالغة في الاقتصاد العالمي المعاصر، وهذا الإرث يسبق تشكّل النظام الإيراني الراهن، والذي تحوّل إلى نظام بمرتكزات قومية ودينية مذهبية؛ ورغم افتراقه في بعض الجوانب عن النظام الملكي السابق فقد اجتمع معه في النظرة التّوسعية إلى الذات الإيرانية.
بناءً على ذلك، تظهر السياسة الخارجية الإيرانية كخليط - تطوري تحولي وفق كل مرحلة- يجمع بين المبادئ السياسية العامة لأي دولة تسعى إلى الحفاظ على مصالحها وخلق مجالها الحيوي، وبين المرتكزات الثورية والأيديولوجية الدينية، إلى جانب مقتضيات حاجة النظام إلى ترسيخ وجوده، ثم البقاء على قيد الحياة، وإعادة توجيه سياساته، وتجميع أصول قوته في المواجهة المفتوحة مع خصومه. ويُضاف إلى ذلك الصورة الذهنية الكامنة في الثقافة العامة ولدى النخب السياسية عن إيران وحجمها ومكانتها، وهي تصورات تاريخية ومستقبلية، تغذي نزعات العظمة، والتوسع، والمواجهة.
شبكات إيران التوسعية
من هذا المنطلق، تشكّلت نظرة إيران إلى المنطقة كأجندة جيوسياسية توسعية، يُوظف فيها "المذهب والعامل الديني" أداةً رئيسةً للتغلغل، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تنفذ إلى المجتمعات المستهدفة عبر منافذ متعددة، أبرزها الاشتغال على المفارقات والتناقضات الاجتماعية والسياسية الداخلية لكل بلد. وتستند إيران في ذلك إلى قدرات لا يُستهان بها في المجالين الاقتصادي والعسكري، وتملك أدوات تمدد متنوعة، من بينها القدرات البحرية.
علاوة على ذلك، فإن النظام الذي تشكّل في نهاية السبعينيات دخل مباشرة في حالة عداء إقليمي ودولي، وبالتالي أصبح يتغذّى على سياق المواجهة المستمرة، واكتسب مرونة في تطوير آليات المقاومة والبقاء، مستندًا إلى فرز الفاعلين الدوليين والمحليين في قوالب جامدة: خصوم، أو أحلاف محتملين.
وفي هذا السياق، نجحت إيران في بناء شبكات نفوذ واسعة، سواء عبر الدعم الدبلوماسي أو النشاط الطائفي في إطار التنافس الإقليمي، ممتدة إلى المنطقة المحيطة بالبحر الأحمر على ضفتيه (اليمنية والإفريقية). وقد صاغت طهران استراتيجية لتطويق الجزيرة العربية أطلقت عليها "استراتيجية الجنوب" بحسب الباحثين الفرنسيين لوران أميلو وكارولين غارديه (Amelot & Gardet, 2011). ويقع البحر الأحمر في قلب هذه الاستراتيجية، حيث استهدفت بناء علاقات متميزة مع دول في القرن الإفريقي في إطار تصور شامل للنفوذ في القارة الإفريقية، وفق ما يراه أستاذ الجيوسياسية الفرنسي ميشيل كورينمان (Korinman, 2010).
بحلول عام 2008، كانت إيران قد أقامت علاقات دبلوماسية مع أكثر من أربعين دولة إفريقية، قام بعضها على تعاون عسكري وثيق، كما كان الحال مع السودان الذي مثّل الشريك الأساسي لها في إفريقيا لفترة طويلة، أو مع نيجيريا منذ عام 2005. ورغم ذلك تعثرت بعض هذه العلاقات لاحقًا بسبب الأنشطة الطائفية الإيرانية (كما حدث مع السنغال التي قطعت علاقاتها معها تاريخيًّا عام 1984)، أو بسبب الدعم العسكري بالسلاح لجماعات ما دون الدولة (كما حدث في نيجيريا).
منذ بداية الألفية، ركّزت طهران بشكل مكثف على دول القرن الإفريقي، لا سيما نظامي السودان وإريتريا. وما زالت إيران تعمل على هذه الاستراتيجية حتى اليوم؛ فبعد أنْ بَنَت علاقات قوية مع النظام السابق في السودان (الخطري، 2025)، تحاول راهنًا الاستفادة من النزاع المسلح القائم هناك لبناء علاقات جديدة مع سلطة مجلس السيادة بقيادة البرهان (McGregor, 2024)، بالإضافة إلى استمرار مساعيها مع إريتريا، وجيبوتي، والصومال.
ووفقًا لـ "نظرية الوكلاء" (Proxy Theory)، فإنّ إيران تتعامل مع الدول المحيطة بها من خلال مسارين: إما إقامة علاقة مباشرة مع النظام الحاكم ضمن أهدافها الاستراتيجية، أو البحث عن وكلاء محليين من "جماعات ما دون الدولة". وفي الحالة اليمنية حضرت المقاربة الثانية بوضوح؛ إذ وجدت إيران في جماعة "الحوثيين" وكيلًا مهيَّأً بحكم التقارب المذهبي الذي جرى تغذيته مذهبيًّا وثقافيًّا.
ومع ذلك، لم تكتفِ إيران بالورقة الحوثية، بل بحثت في الشقوق الاجتماعية والسياسية لليمن، فاقتربت من دعاة النزعة الانفصالية في الجنوب، ووجّهت إليهم خطابًا غير مباشر عبر وكيلها الحصري في المنطقة (حزب الله اللبناني). وبتوطيد هذه العلاقة بدأ فصيل من الحراك الجنوبي الانفصالي نشاطه الإعلاني والسياسي من بيروت، حيث أُنشئت هناك قناة تلفزيونية تابعة له، وخضعت بعض عناصره للتدريب. والمفارقة هنا، أنّ بعض الشخصيات التي قادت هذا الارتباط الباكر مع المحور الإيراني غدت في يوم ما تشغل مواقع في الصفوف الأولى للمجلس الانتقالي الجنوبي. لكنها وجدت في لحظة تضعضع الدولة في 2011 مدخلًا مناسبًا إلى النخب السياسية والثقافية والدينية في اليمن، ورتّبت لهم زيارات بغية بناء شبكة تواصل لم تصمد طويلًا في نهاية المطاف.
أسهمت التحولات الجيوسياسية في اليمن منذ عام 2015 في تغيير خارطة الفاعلين المباشرين، وانقسم المشهد إلى قوتين متناظرتين: التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، الذي ضم محليًّا خصوم الحوثيين، وتشكّل من رحمهم المجلس الانتقالي الجنوبي، وإيران التي ارتبطت بها الجماعة الحوثية عضويًا أكثر فأكثر، وغدت منصة انطلاق للنفوذ والتأثير الإيراني يتجاوز الحدود اليمنية غربًا نحو دول القرن الإفريقي.
وكان التحالف العربي قد احتوى فصيلًا من أبناء المحافظات الجنوبية ممن قادتهم في فترة سابقة خصوماتهم السياسية مع نظام (صالح)، ورغبتهم في استعادة نفوذهم السياسي والترابي، إلى الارتماء في حضن الوكيل الإيراني الإقليمي (حزب الله)، غير أن ديناميكيات المشهد اليمني اللاحقة دفعت المجلس الانتقالي إلى الخروج من هذا الاحتضان العربي، سيما رئيس المجلس عيدروس الزُبيدي. ومع ذلك، تشهد المرحلة الحالية ملامح قطيعة حادة وخلافات متصاعدة مع الحكومة اليمنية الشرعية من جهة، وتوترًا في العلاقات مع المملكة العربية السعودية من جهة أخرى، وهو شقاق قد يفتح المجال مجددًا أمام إيران لإعادة الاستثمار في الجنوب اليمني واستغلال هذه الثغرات السياسية.
لكنّ الشقّ الأكثر غموضًا في التدخل الإيراني يكمن في الخيوط الخفية للعلاقات التي تربط هذا النظام بتنظيم القاعدة، وهو التنظيم الذي اتّخذ من بعض مناطق الجنوب والشرق اليمني منصةً لانطلاق عملياته التوسعية. وفي هذا السياق، سبق أنْ نشر مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية دراسة قيّمة رصدت طبيعة الارتباط والتخادم بين تنظيم القاعدة في اليمن والنظام الإيراني (حسام ردمان وعاصم الصبري 2023).
تختزل النظرة الإيرانية لليمن أهمية استراتيجية مضاعفة؛ فأولًا: يمثل اليمن بالنسبة لطهران قطاعًا جغرافيًّا لتطويق خصمها الأيديولوجي والجيوسياسي الأبرز (المملكة العربية السعودية). وثانيًا: يشكل اليمن منصة لإطلاق النفوذ نحو القرن الإفريقي، ومدَّ ظلال القوة في المياه الدولية بالبحر الأحمر وخليج عدن. إلى جانب ذلك، فإنّ ديناميكيات الصراع بين إيران وخصومها الدوليين والإقليميين (وعلى رأسهم الولايات المتحدة وإسرائيل) دفعت طهران إلى تصدير خطوط المواجهة بعيدًا عن الأراضي الإيرانية. واشتغلت على توظيف وكلائها المحليين لتكوين "حزام ناري" بعيد يُجنّب الداخل الإيراني التعرّض للضربات المباشرة. ورغم ما يراه البعض من إخفاق في هذه الاستراتيجية الحمائية الشاملة، أظهر الوكيل اليمني قيمة مضافة عالية في تنفيذ أجندة طهران، حيث نجح في تعظيم أوراق التفاوض والتهديد الإيرانية، لا سيما من خلال التضييق على الملاحة الدولية في البحر الأحمر، ورفع منسوب المخاطر الأمنية العالمية كأداة ضغط استراتيجية.
في المحصلة، أمام القيود الصارمة التي يخضع لها الحوثيون في مناطق سيطرتهم، تبرز جغرافيا الجنوب والشرق اليمني كأهمية استراتيجية حيوية للحوثيين وإيران على حدٍّ سواء، حيث تُستغل هذه المساحات المترامية لتشكيل "سلسلة إمداد" ممتدة تُستخدم لتهريب السلاح، ونقل التقنيات الحديثة، وتسهيل حركة الأفراد. وبهذا فإن إيران إن لم تبحث عن فاعل سياسي في الجنوب ستحافظ على وضع مناطق الجنوب والشرق اليمني تحت النظر بغية استخراج شبكات لا غنى عنها في إمداد الحوثيين بالسلاح والتقنيات.
ويأتي البُعد الآخر للأهمية الاستراتيجية لليمن في مرحلة ما بعد الصراع الإيراني-الأمريكي المعاصر، حيث يتضح أن المآلات الحالية قد تمكّن إيران من إحكام قبضتها على مضيق هرمز، وبالتالي التحكم بمسارات تدفق النفط الخليجي. وفي المقابل تبرز الجغرافيا اليمنية كأحد المسارات البديلة والآمنة للإفلات من هذا التضييق الإيراني المحتمل، وذلك من خلال إمكانية بناء خطوط أنابيب برية لنقل النفط العربي مباشرة إلى بحر العرب، وخليج عدن، ومنه إلى المحيط الهندي. من هنا يظهر الدافع الاستراتيجي لطهران؛ إذ قد تسعى عبر وكلاء متعددين إلى الحيلولة دون تحقيق أي استقرار سياسي أو أمني في هذه الجغرافيا الحيوية؛ لضمان قطع الطريق أمام هذا البديل الاستراتيجي وإبقاء الملاحة الخليجية تحت رحمة تهديداتها.
المراجع
جلال، إبراهيم، والجبرني، عدنان. (2025، 3 مارس). مراكب ومسيّرات وأموال: تمدُّد الحوثيين نحو الصومال. مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي.
الخطري، أنور. (2025). الوجود الحوثي على الضفة الغربية للبحر الأحمر: الأبعاد والأدوار. مركز المخا للدراسات الاستراتيجية.
ردمان، حسام، والصبري، عاصم. (2023، 28 فبراير). كيف استطاع سيف العدل التحكم بتنظيم القاعدة في اليمن؟. مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية.
الصمادي، فاطمة. (2024). الحسابات الإستراتيجية التي اختلطت: أين باتت تقف طهران؟. مركز الجزيرة للدراسات.
العالم، أمل. (2015). العلاقات الحوثية-الإيرانية: حلف مصلحي بغطاء مذهبي. مركز الجزيرة للدراسات.
فوزي، نرمين ناصر محمد. (2024، 26 أغسطس). تداعيات سلبية: تنامي العلاقات بين الحوثيين والقاعدة وحركة الشباب الصومالية. المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية.