دعوى أن الحوثيين سيحررون الأقصى عبر احتلال مكة والمدينة هي وهم سياسي يستخدم الدين لأغراض توسعية، فمن يهدم المساجد ويقتل الأئمة لا يمكن أن يكون محرراً.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
تُطرح في بعض الخطابات الحوثية والمقاطع المرئية والبيانات الرسمية دعاوى من قبيل: أن تحرير الأقصى يبدأ بتحرير مكة والمدينة، وأن «وعد الآخرة» في القرآن وعدٌ بدخول الحوثيين المسجد الحرام، وأن آل البيت وحدهم مؤهلون لفتح الحرمين، وأن مكة والمدينة تحت «احتلال» سعودي، وأن الحج معطَّل، وأن دخول الحرمين بالقوة نوع من «التطهير».
ويتم دمج هذه الخطابات والشعارات هيكلياً ضمن المفهوم الفكري للجماعة، حيث يُربط بين البُعد الإقليمي للصراع في اليمن وبين ما يوصف بالمهمة الرسالية العابرة للحدود الوطنية، غير أن التقييم الفكري والميداني لهذه الادعاءات يتطلب مقارنة دقيقة بين الادعاء وصحة الاستدلال والنص المستدل به، وبين الشعار المرفوع والأفعال الموثقة على الأرض.
منهجية البحث والاستدلال:
ولفحص هذه الدعاوى بصورة علمية وبما تقتضيه الأمانة العلمية والتحليل الأكاديمي لابد من إخضاع هذه الادعاءات لتقويم موضوعي يعتمد على إطار مرجعي متعدد الأبعاد؛ يتضمن الواقع الميداني والإداري، والشواهد التاريخية المدونة، والنصوص الشرعية والتفسيرية المعتمدة، والتسلسل الحقوقي والإحصائي.
وبدءا يمكن القول إن الادعاءات التي تروج لها جماعة الحوثي بشأن "تحرير الحرمين الشريفين" كخطوة أولى لتحرير المسجد الأقصى هي دعاوى تفتقر إلى أي سند شرعي أو تاريخي أو واقعي، وتندرج ضمن سياق توظيف الخطاب الديني لخدمة أهداف سياسية وتوسعية.
فيما يلي تفنيد علمي شرعي وتاريخي وواقعي وسياسي لهذه الادعاءات والشبهات ومزاعم تحرير الحرمين:
أولاً: تحريف معاني النصوص الشرعية:
الاستدلال بآية الإسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) على ربط تحرير الأقصى باحتلال الحرمين هو "ليّ" لنصوص القرآن الكريم وتفسيرها بما يخدم أجندة سياسية.
الآية تتحدث عن معجزة الإسراء، ولا علاقة لها بـ "تحرير" مكة من أهلها المسلمين، فهي تصف رحلة النبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وليس فيها أمر عسكري ولا خطة عسكرية تدل على ترتيب تحرير المسجد الحرام على المسجد الأقصى، ولم يفهم منها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا المفسرين شيئاً من ذلك، وهو استدلال بما لا دلالة فيه.
وفتح مكة كان تطهيراً من الأصنام، ودعوى أن تحرير الأقصى يبدأ من تحرير المسجد الحرام لا تصح تاريخياً ولا واقعياً ولا سياسياً ولا شرعياً:
- تاريخياً: فُتح بيت المقدس على يد عمر رضي الله عنه سنة 15هـ، وحُرر من الصليبيين على يد صلاح الدين سنة 583هـ، وكلاهما انطلق من الشام ومصر.
- واقعياً وسياسياً: لم يكن الحرمان تحت احتلال في أي مرحلة تستدعي "تحريراً"، فمكة تحت حكم المسلمين منذ فتحِها سنة 8هـ.
واستهداف الحرمين لن يضعف الاحتلال الإسرائيلي، بل يشق الأمة ويخدم العدو..
نعم الآية تدل على ارتباط المسجد الأقصى بالمسجد الحرام، وتشير إلى أن حق الوصاية على المسجد الأقصى قد تحول إلى أمة الإسلام الذي قام على التوحيد الذي بعثت به الرسل، والمساجد إنما بنيت لتوحيد الله، وقد نسخت الأديان السابقة، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى قد جانبوا التوحيد إلى الشرك، فلا حق لهم في المسجد الأقصى الذي أقيم لتوحيد الله وهو ما يتمثل في الإسلام وأمة الإسلام فقط.
إن تحميل نصوص القرآن ما لا تحتمل هو نوع من تحريف القرآن لأغراض سياسية وطائفية وسلالية.
ثانياً: ادعاء بعض خطباء الحوثيين أن "وعد الآخرة" المذكور في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أنه دخول الحوثيين مكة هو تفسير بالهوى ورجم بالغيب الذي لا يعلمه إلا الله، فالآية جاءت في سياق بني إسرائيل وإفسادهم، وليس عن جماعة سياسية معاصرة.
والمسجد المقصود هو الأقصى كما دخله المسلمون أول مرة، وليس فيها ذكر للحوثيين ولا للمسجد الحرام، وإسقاطها عليهم تأويل بلا دليل.
ثالثاً: دعوى احتكار آل البيت للتحرير:
ادعاء أن آل البيت وحدهم سيحررون المساجد، دعوى باطلة لا دليل عليها شرعًا ولا واقعًا، والجزم بأن الله سيفتح الحرمين على يد شخص بعينه ادعاء للغيب بلا برهان، حيث لا يوجد نص صحيح يجعل التحرير خاصاً بآل البيت، فضلاً عن أن يخص جماعة أو شخصاً بعينه.
بل التحرير مسؤولية الأمة جمعاء، وقد حرر عمر بن الخطاب بيت المقدس بقيادة أبي عبيدة بن الجراح وجمع كبير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وليسوا جميعهم من أهل البيت قيادة وجنودا، ثم حرره صلاح الدين وهو ليس من آل البيت بالمعنى الطائفي الذي يقصدونه، وكان معه جيش من المسلمين السنة.
وفضلُ آل البيت ثابت، لكن النسب وحده لا يمنح تفويضًا إلهيًا بالحكم أو بفتح الحرمين، وليس في كتاب الله آية واحدة يمدح فيها أحدًا بنسبه، وإنما يمدح بالإيمان والتقوى، وفي صحيح مسلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه».
والحديث شديد المناسبة لهذه القضية؛ لأنه يضع العمل معيارًا، لا مجرد النسب.
رابعاً: مفهوم "التحرير":
التحرير في الإسلام يكون من الكفار والمشركين الذين يمنعون الناس من عبادة الله. ومكة والمدينة اليوم مدن إسلامية عامرة، تقام فيها الصلوات، ويحج إليها ملايين المسلمين من كل بقاع الأرض، فكيف يُسمى "تحريراً" ما هو في الأصل محرّر ومصان؟
هذا قلب للحقائق، فالاحتلال سيطرة أجنبية، أما الحرمان فيحكمهما مسلمون منذ قرون. واستباحتهما بالقوة محرّمة قطعاً، فقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. وقال النبي ﷺ يوم الفتح: ««إن مكة حرّمها الله ولم يحرّمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا... فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس » متفق عليه.
وهذا النص يرد مباشرة على فكرة: «سنقتحم الحرم بالقوة ونطهره».
فالاحتجاج بفتح مكة لتبرير قتال معاصر داخل مكة يرد عليه النبي ﷺ نفسه: ««إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم» صحيح مسلم .
خامساً: فشل نموذج الجماعة:
يدعي بعض خطبائهم أن نصرة فلسطين تؤهلهم للتحرير"
والحقيقة أن الشعارات لا تكفي، والعبرة بالأفعال وهي على النحو الآتي: حروب داخلية وتهجير ونهب وخطاب تكفيري للأمة وللمخالفين واعتقال بل وقتل واغتيال، وتجنيد أطفال وحصار مدن في اليمن، هذا بعض حصاد جماعة الحوثي المسلحة، فالواقع الموثق ينفي الأهلية: ومن ذلك:
حصار دار الحديث بدماج (2011–2014) وتهجير أهلها، وتفجير دور لتحفيظ القرآن ومساجد ومراكز علمية، وإغلاق ومصادرة بعضها، وتحويل بعضها إلى مقار عسكرية، وهو مما وثقته تقارير حقوقية.
فكيف لمن يدمر المساجد في اليمن، ويحولها إلى مقايل للقات، ويفجر دور القرآن، ويصادر الحريات، أن يدعي "تطهير" الحرمين؟
إن الواقع اليمني الذي يعيشه الناس تحت سيطرة الحوثيين هو أكبر دليل على أن مشروعهم لا يحمل "تطهيراً" بل يحمل تدميراً للهوية الدينية والنسيج الاجتماعي.
وعند فحص السجل الحقوقي للانتهاكات المرتكبة ضد المساجد ودور العبادة داخل اليمن نفسه يتبين ما يلي:
تشير التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية اليمنية والدولية إلى ممارسات ممنهجة استهدفت البنية التحتية الدينية للمخالفين فكرياً أو مذهبياً.
- إجمالي الانتهاكات بحق المساجد والأئمة: تتراوح بين (4,651) و (10,794) واقعة انتهاك ( تقارير مؤسسة تمكين، والشبكة اليمنية للحقوق والحريات).
- التدمير الكلي والقصف المباشر للمساجد: وثق تدمير وتضرر ما بين 299 إلى 750 مسجداً ( تقارير رسمية يمنية، تصريحات وزارة الأوقاف ).
- عسكرة المساجد وتحويلها لثكنات: مئات المساجد أُغلقت أو حُولت لمقرات استراحة وتخزين ( تقارير حقوقية وميدانية متطابقة ).
- فرض الأئمة والخطباء والتغيير المذهبي: فرض أكثر من 938 خطيباً وإقصاء الكوادر المحلية ( تقارير مؤسسة تمكين ومركز المعلومات).
تُبين هذه الأرقام تناقضاً بين دعوات "تحرير المقدسات" الخارجية وبين الممارسات الداخلية التي اتسمت بعسكرة دور العبادة وتفجير بعضها وفرض خطاب مذهبي أحادي بالقوة.
وتتضاعف الفجوة بين الشعار المرفوع والواقع الميداني عند فحص السجل الميداني لجماعة الحوثي وعدم احترامها وتعظيمها لشعائر الله والمقدسات، حيث تُظهر معطيات الرصد الأمني والعسكري استهداف منطقة مكة المكرمة والأراضي المقدسة عدة مرات بمسيرات وصواريخ باليستية، وهي وقائع جرى التصدي لها وإحباطها بواسطة الدفاعات الجوية، وفي حين قدمت جماعة الحوثي بيانات تنفي فيها القصد المباشر للحرم المكي أو تبرر إطلاق الصواريخ باستهداف قواعد عسكرية مجاورة، تفيد التحليلات الاستراتيجية بأن إقحام النطاق الجغرافي للمقدسات في دائرة العمليات العسكرية يشكل تهديداً أمنياً مباشراً لسلامة الحجاج والمعتمرين ولأقدس البقاع الإسلامية.
وقد أثار هذا السلوك رفضاً واسعاً من قِبل مؤسسات وهيئات إسلامية ودولية اعتبرت مساس الجماعة بالحدود المقدسة انحرافاً عن حرمة المسجد الحرام وتجاوزاً للخطوط الحمراء.
إن صلاح الدين الأيوبي لم يرفع شعار التحرير ليستبيح ديار المسلمين، بل وحّد الأمة أولاً ثم حرّر، أما من يقتل المسلمين ويكفّر المخالفين فلا يصلح لحماية الحرمين.
ويرى محللون هذا التناقض بأنه آلية توظيف سياسي؛ حيث يُستخدم شعار نصرة المقدسات الخارجية للتغطية على الفشل الإداري والتنموي الداخلي ولتعزيز التعبئة الحشدية في صفوف المقاتلين، كما يستخدم تحريف النصوص الشرعية لهذا الغرض، وهذا نوع من التلاعب بالدين والمقدسات.
سادساً: سوابق التاريخ (القرامطة):
التاريخ يقدم تحذيرًا مهمًا يتعلق بالقرامطة فهو يقدم مثالًا بالغ الخطورة على إمكانية تحول الشعارات الدينية والثورية إلى اعتداء على الحرم.
وتشبيه دعوات الحوثي بما فعله القرامطة في القرن الرابع الهجري ليس ببعيد عن الواقع؛ فقد رفع القرامطة شعارات مشابهة حيث جعلوا "التطهير" شعاراً لجرائمهم، وانتهى بهم الأمر إلى ارتكاب مجازر بحق الحجيج واقتلاع الحجر الأسود، مما يثبت أن هذه الشعارات غالباً ما تُستخدم كغطاء أيديولوجي للعدوان على حرمة المسلمين ومقدساتهم، فالتشابه في الدعوى والمنهج مقلق، وهو دليل على خطورة الفكرة لا على صحتها.
فالتاريخ يثبت أن رفع شعار تحرير المقدسات لا يمنح أي حركة عصمة، وأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل الحرم إلى ساحة صراع سياسي وعسكري.
ثامناً: من الادعاءات التي بنوا عليها دعوتهم إلى تحرير مكة عدم شرعية إدارة المملكة العربية السعودية للحرمين الشريفين:
وهذه الادعاءات تعتمد غالباً على أطروحات عقدية تدعي حصريات سلالية أو مذهبية لآل البيت في إدارة المشاعر المقدسة.
وبإخضاع هذه الأطروحات للمحاكمة الفقهية، يتضح عدم توافقها مع مع الأحكام الشرعية المستقرة، فمن الناحية الفقهية والسياسية الإسلامية، تُناط إدارة المشاعر المقدسة وعمارتها بالجهة القادرة على بسط الأمن، وتوفير الاستقرار، وتقديم الخدمات لكافة المسلمين دون تمييز طائفي، ولم تشترط الشريعة الإسلامية عبر تاريخها نصاً سلالياً لإدارة المناسك، بل ركزت على قدرة الوالي على حماية الحجيج وتأمين سبلهم وتوفير مقومات السكنى والعبادة.
تاسعاً: ومن الادعاءات التي بنوا عليها دعوتهم إلى تحرير مكة أن السعودية تمنع الحج:
هذه دعوى تخالف الواقع، فالحج يؤديه سنوياً أكثر من مليون ونصف حاج من نحو 180 دولة، وللدول حصص تُوزَّع على الحجاج. وقد عاد الحجاج اليمنيون عبر رحلات من مطار صنعاء نفسه في فترات التهدئة، وقام بالحج أعداد من قيادات الحوثي، بل الحقيقة أن منع الحوثيين للحجاج من اليمن هو ما حدث فعلاً في أحد المرات.
وقد تُنتقد بعض الإجراءات التنظيمية كغيرها، لكن لا يصح وصفها بتعطيل الفريضة، وهناك فرق هائل بين التنظيم وبين تعطيل الحج ومنعه.
وفي هذا الإطار يمكن معرفة حقيقة الدور السعودي في خدمة الحرمين من خلال الإحصاءات والحقائق على الأرض من دون تحيز ولا إطراء مبالغ فيه، وهي تدل على جهود جبارة يتم بذلها في خدمة الحرمين الشريفين، تتجاوز الشعارات إلى الحقائق الملموسة، وهي منشورة في مظانها، ولا يسع المقام هنا إلا ذكر أمثلة قليلة تدل على ما ورائها، فمن ذلك:
التوسعات التاريخية:
شهد الحرمان الشريفان أكبر توسعات في التاريخ الإسلامي، مما سمح باستيعاب ملايين الحجاج والمعتمرين في ظروف آمنة ومريحة.
وبدأت في عهد الملك عبدالعزيز، ثم توسعة الملك فهد (1980) التي بلغت أضعاف المساحة، ثم التوسعة السعودية الثالثة في عهد الملك عبدالله، حيث تبرز هذه التوسعة كأضخم مشروع عمراني في تاريخ المسجد الحرام من حيث المساحة، والطاقة الاستيعابية، والتكلفة المالية. وإليك إحصائية تتعلق بها:
- التكلفة الإجمالية لمشاريع التوسعة: تجاوزت 200 مليار ريال سعودي (نحو 53 مليار دولار) (تصريحات وزارة الحج والعمرة).
- المساحة الإجمالية للبناء والساحات: نحو 1,470,000 متر مربع (البيانات الرسمية للتوسعة الثالثة).
- الطاقة الاستيعابية الكلية للمصلين: 1,850,000 مصلي ( إحصاءات توسعة المسجد الحرام).
- الطاقة الاستيعابية للمطاف والمسعى: 107,000 طائف/ساعة؛ 118,000 معتمر/ساعة في المسعى (المعايير التشغيلية للتوسعة ).
- البنية التحتية والخدمية المتكاملة: 680 سلماً كهربائياً، 158 مصعداً، 12,400 دورة مياه، 5,300م أنفاق مشاة (المكونات الفنية للمشروع).
تُشير هذه البيانات الإحصائية إلى أن إدارة الحرمين الشريفين تعتمد منظومة مؤسسية وهندسية ضخمة؛ تشمل محطات تبريد مركزية هي الأكبر عالمياً، ومحطات كهربائية احتياطية مرتبطة آلياً، وأنظمة رقمية ذكية لإدارة الحشود وحصر المصلين عبر مئات الكاميرات لضمان السلامة، وبنية تحتية محيطة من خلال إنشاء شبكات طرق متطورة، وجسور، وأنفاق، ومحطات قطار (مثل قطار الحرمين السريع) لربط مكة والمدينة وتسهيل التنقل بين المشاعر المقدسة، وغيرها من الخدمات التي لا يمكن الإحاطة بها في هذه العجالة.
وتُثبت هذه المعطيات الواقعية الميدانية أن الإدارة الحالية للحرمين تحقق الكفاية الإدارية والأمنية المطلوبة لخدمة الملايين من ضيوف الرحمن سنوياً.
إن هذا الدور الذي تقوم به المملكة ليس مجرد إدارة موسمية، بل هو استثمار دائم في البنية التحتية والكوادر البشرية والتقنية، يهدف إلى ضمان أن يظل الحرمان الشريفان وجهة آمنة وميسرة لكل مسلم.
والخلاصة:
دعوى أن الحوثيين سيحررون الأقصى عبر احتلال مكة والمدينة هي وهم سياسي يستخدم الدين لأغراض توسعية، فمن يهدم المساجد ويقتل الأئمة لا يمكن أن يكون محرراً.
كما أن هذه الدعوى مبنية على تأويل غير مسبوق للنصوص، وعلى وصف مغلوط للواقع، وتخالف نصوصاً صريحة في حرمة الحرمين. ومن أراد نصرة الأقصى فطريقه وحدة الصف وبناء الأمة، لا استباحة أطهر بقاعها.
إن هذه الادعاءات هي محاولة لـ "عسكرة" الحج وتسييس المقدسات لتبرير التوسع العسكري.
إن الدعوة إلى "تحرير" الحرمين من "أهلها" (وهم السعوديون المسلمون) هي دعوة للفتنة التي حذر منها الإسلام، والواقع يثبت أن الجماعات التي ترفع شعارات "التحرير" بينما تمارس التدمير في أوطانها، لا يمكن أن تكون مؤهلة لحمل أمانة مقدسات الأمة الإسلامية.
وهذه الخطابات لا تصمد أمام أي فحص علمي أو تاريخي، وهي أشبه بـ "شعار" يُرفع لغسل أدمغة الأتباع وتجنيدهم في حروب لا تخدم الأقصى ولا تخدم الإسلام، بل تخدم أطرافاً إقليمية تسعى لزعزعة استقرار المنطقة.
والله الهادي إلى سواء السبيل.

د كمال بامخرمة
عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





