يُشكّل الإرهاب في اليمن أحد أخطر التحدّيات المركّبة التي واجهت الدولة اليمنيّة الحديثة خلال العقود الثلاثة الأخيرة؛ إذ لم يكن في أيِّ مرحلةٍ ظاهرةً أمنيّة معزولة، بل نتاجًا عن تشابك عوامل سياسيّة واقتصاديّة وتعليميّة واجتماعيّة، تفاعلت مع ضعف مؤسّسات الدولة واتّساع الجغرافيا وتعقيدات البنية القبليّة، ممّا أوجد بيئة مناسبة لنموِّ الجماعات المتطرّفة وتحوُّلِها من مجموعات محدودة إلى تنظيمات مُمنهجة تمتلك القدرة على التخطيط والتنفيذ والتمدّد، وباتت تشكِّل خطرًا يمنيًّا وإقليميًّا وعالميًّا.
يُشكّل الإرهاب في اليمن أحد أخطر التحدّيات المركّبة التي واجهت الدولة اليمنيّة الحديثة خلال العقود الثلاثة الأخيرة؛ إذ لم يكن في أيِّ مرحلةٍ ظاهرةً أمنيّة معزولة، بل نتاجًا عن تشابك عوامل سياسيّة واقتصاديّة وتعليميّة واجتماعيّة، تفاعلت مع ضعف مؤسّسات الدولة واتّساع الجغرافيا وتعقيدات البنية القبليّة، ممّا أوجد بيئة مناسبة لنموِّ الجماعات المتطرّفة وتحوُّلِها من مجموعات محدودة إلى تنظيمات مُمنهجة تمتلك القدرة على التخطيط والتنفيذ والتمدّد، وباتت تشكِّل خطرًا يمنيًّا وإقليميًّا وعالميًّا.
لم تتوقّف جذور المشكلة اليمنيّة عند حدود الاختلالات السياسيّة الداخليّة التي زلزلت أركان الدولة اليمنيّة إبّان أحداث 2011م وما أعقبها من هزّات ارتداديّة، فقد صعدت مشاريع مدمّرة، طائفيّة وعنصريّة وعرقيّة في شمال اليمن، وميليشيات تفتيتيّة مناطقية في جنوبِه، ذات طابع وظيفيّ عابر للحدود، عملت على تفكيك الدولة من الداخل وتقويض مؤسّساتها السياديّة، وتحويل اليمن إلى ساحة صراع مفتوحة تخدم أجندات إقليميّة، وهو ما ضاعف من تعقيد المشهد الأمنيّ، وأضعف الدولة وخلق تداخلًا بين الإرهاب التقليديّ والميليشيات المُؤدلجة، بحيث أصبح الخطر مركّبًا ومتعدّد الأوجه.
ملف استراتيجي طويل الأمد
في هذا السياق، برز الدور السعوديّ بوصفِه ركيزةً أساسيّةً في دعم اليمن لمواجهة هذه التحدّيات، من خلال مقاربة شاملة لا تختزل مكافحة الإرهاب في العمل العسكريّ وحده، بل تنظر إليها بوصفها معركة دولة وبناء مؤسّسات، واستعادة سيادة، وترسيخ استقرار طويل الأمد. فقد حرصت المملكة العربية السعودية على الحفاظ على المركز القانونيّ للدولة اليمنيّة وبقاء الاعتراف الدوليّ بها، وهو مرتكز جوهريّ مكّن من استمرار عمل المؤسّسات الرسميّة، ومنع انهيار الإطار الدستوريّ والسياسيّ رغم شدّة العواصف.
تعاملت المملكة العربيّة السعوديّة مع الملفّ اليمنيّ من منطلق استراتيجيّ طويل الأمد، قائم على قناعة راسخة وهي استقرار اليمن يمثّل امتدادًا مباشرًا لأمنها الوطنيّ، وأنَّ أيَّ انهيار شامل في بنية الدولة اليمنيّة سينعكس حتمًا على أمن المنطقة بأسرها، سياسيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا. ومن هنا يمكن فهم الإسناد السعوديّ بوصفه استثمارًا في الاستقرار لا مجرّد استجابة ظرفيّة لأحداث طارئة.
بدأت ملامح التنسيق الأمنيّ بين اليمن والمملكة منذ عقود في إطار ضبط الحدود ومكافحة التهريب والجريمة المنظّمة، ومع تصاعد نشاط تنظيم «القاعدة» في جزيرة العرب انتقل هذا التعاون إلى مستوى أكثر تخصُّصًا، شمل تبادل المعلومات الاستخباراتيّة، وبناء قواعد بيانات مشتركة، ودعم القدرات الفنيّة للأجهزة الأمنيّة اليمنيّة، وتنفيذ برامج تدريبيّة نوعيّة لوحدات مكافحة الإرهاب؛ ممّا أسهم في إحباط العديد من المخطّطات الإرهابيّة في مراحل مبكّرة، والحدّ من قدرة التنظيمات على التحوُّل إلى كيان مسيطر على الأرض.
نقطة التحول الاستراتيجي
التحوّل الأكبر جاء بعد انقلاب ميليشيا الحوثي في سبتمبر 2014م، وما ترتّب عليه من انهيار واسع لمؤسّسات الدولة، وتوسّع الفراغات الأمنيّة، وفتح المجال أمام التنظيمات المتطرّفة لإعادة تنظيم صفوفها واستغلال الفوضى. عندها قادت المملكة تحالف دعم الشرعيّة، وأطلقت عمليّة «عاصفة الحزم» في 26 مارس 2015م، وحافظت بذلك على اليمن من السقوط الكامل بيد المشروع الحوثي الإيراني، وحافظت على الحد الأدنى من تماسك الدولة، ومنع تشكّل واقع سياسيّ وأمنيّ كارثيّ على حدود الجزيرة العربيّة؛ فشكّل إسنادها العسكريّ نقطة تحوّل استراتيجيّة في العمليّات العسكريّة ضد ميليشيا الحوثي الإيرانيّة الإرهابيّة.
وفي البعد العسكريّ، والأمنيّ تحديدًا، شكّل الدور السعوديّ العامل الحاسم في إعادة بناء نواة قوّة عسكريّة يمنيّة وطنيّة قادرة على خوض معركتين متوازيتين: استعادة الدولة من الميليشيا الحوثيّة، ومواجهة التنظيمات الإرهابيّة. فقد أسهمت المملكة في تدريب وتأهيل وتجهيز تشكيلات عسكريّة وأمنيّة متعدّدة وفق أُسس احترافيّة، إضافة إلى تقديم دعم لوجستي وتسليحي وإسناد عمليّاتي واستخباراتي عالي المستوى؛ ممّا رفع من جاهزيّة هذه القوّات، ومكّنها من الانتقال من حالة الدفاع إلى الفعل الهجومي المنظّم.
هذا الدعم مكّن القوّات اليمنيّة من تحرير المحافظات الجنوبيّة ومناطق واسعة من مأرب وتعز والجوف وصعدة والحديدة، واستعادة العاصمة المؤقّتة عدن، والقضاء على تنظيم القاعدة في حضرموت وشبوة وأبين وعدن، وتفكيك بنيته التنظيميّة، وتحجيم قدرته على العمل العلني والسيطرة الميدانيّة في كل المحافظات اليمنيّة. وما زالت تعمل اليوم مع الجهد الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكيّة لمكافحة ذلك التنظيم. يضاف إلى ذلك أن جهود المملكة أسهمت في بناء أجهزة ووحدات متخصّصة بمكافحة الإرهاب قادرة على تنفيذ عمليّات دقيقة واستباقيّة، وتحويل المعركة مع الإرهاب من رد فعل إلى فعل استباقي، وكان ذلك بإسناد الشرعيّة اليمنيّة في إعادة هيكلة الأجهزة الأمنيّة وإعادة دمجها في جهاز سمّي بـ«الجهاز المركزي لأمن الدولة»، وتمَّت تسمية رئيسه ووكيل للجهاز فيه.
وإلى جانب العمليّات العسكريّة، دعمت المملكة بناء منظومة أمنيّة متكاملة تشمل التحقيقات الجنائيّة، وضبط التمويل، وملاحقة الشبكات، وتأمين المنافذ البريّة والبحريّة، وتطوير مصلحتي الأحوال المدنيّة والسجل المدني، والجوازات والهجرة والجنسيّة، وتعزيزها بأحدث منظومات الإصدار الإلكترونيّة للبطاقة الشخصيّة وجواز السفر لتتواكب مع المنظومات والتقنيّة الحديثة، وكذلك تطوير قدرات الشرطة والأجهزة الاستخباراتيّة. وقد أسهم كل ذلك في إرساء نموذج عمل مؤسّسي مستدام في إدارة ملف مكافحة الإرهاب.
الدعم التنموي الإنساني في السياق الأمني
يعدُّ مشروع «مسام» لنزع الألغام، التابع لمركز الملك سلمان، أحد أبرز أوجه الدعم السعودي، وهو من المشاريع التي لها أثر استراتيجي مباشر على الأمن الإنساني والعسكري معًا. فقد زرعت ميليشيا الحوثي ملايين الألغام والعبوات الناسفة في القرى والطرقات والمزارع والمناطق السكنيّة، مستهدفة المدنيين بالدرجة الأولى، وساعية إلى تحويل الجغرافيا اليمنيّة إلى حقول موت دائمة. وأسهم مشروع مسام في نزع أكثر من 500 ألف لغم وذخيرة غير المنفجرة، وفتح الطرق، وتأمين المناطق المحرّرة، وإنقاذ آلاف الأرواح، وتمكين السُكّان من العودة إلى بيوتهم ومزارعهم واستئناف النشاط الزِّراعي والتجاري، وهو ما يشكّل ركيزة أساسيّة لترسيخ الاستقرار.
وفي إطار تتبُّع تفاصيل الدعم السعوديّ للتنسيق الأمنيّ برزت مبادرات حديثة لتعزيز قدرات خفر السواحل اليمنيّة باعتبارها خط الدفاع الأوّل عن السواحل اليمنيّة الطويلة، وحماية الممرات البحريّة الاستراتيجيّة، ومكافحة تهريب السلاح والمخدّرات والبشر، وقطع أحد أهم شرايين تمويل الإرهاب. وفي هذا السياق، استضافت الرياض في سبتمبر 2025م مؤتمرًا دوليًّا رفيع المستوى خصص لدعم خفر السواحل اليمنيّة، وشارك فيه نحو أربعين دولة ومنظمة، وأُعلن فيه عن شراكة دوليّة لدعم الخفر، وتقديم حزمة واسعة من التعهّدات الماليّة والفنيّة المخصّصة لتعزيز قدراته العمليّاتيّة.
وفي مسار موازٍ للجهد العسكريّ والأمنيّ تواصل المملكة العربيّة السعوديّة دورها المحوريّ بوصفها أكبر داعم تاريخيّ لليمن، وتجسَّد ذلك في إطلاق حزمة دعم إنساني وتنموي واقتصادي تجاوزت 12 مليار دولار منذ عام 2012م وحتى 2025م، أسهمت بصورة مباشرة في تثبيت الاقتصاد اليمنيّ، وتعزيز أداء المؤسّسات، وضمان استمرار الخدمات الأساسيّة. وقادت السعوديّة هذا المسار بواسطة «البرنامج السعوديّ لتنمية وإعمار اليمن»، الذي نفّذ مئات المشاريع في مجالات الطرق، والموانئ، والمطارات، والكهرباء، والصحة، والتعليم، والمياه. وقد أسهم ذلك في تعزيز قدرة الدولة على الحضور في حياة المواطنين، وغلق المساحات التي تستغلّها التنظيمات المتطرّفة.
الجهود السعودية في حماية الدولة وتصفير الخلافات
على المستوى السياسيّ، قامت المملكة بدور محوريّ في رعاية المبادرة الخليجيّة عقب أحداث 2011م التي عصفت ببعض الدول العربيّة، وأسهمت في إخراج اليمن من خطر كبير، وتُوّجت بالانتخابات الرئاسيّة 2012م، وشكّلت منعرجًا لخروج آمن للنظام السابق وانتقال سلميّ للسلطة حينها. ودعمت المملكة مؤتمر الحوار الوطنيّ ومخرجاته، لكن الميليشيات الحوثيّة كان لها توجّه آخر؛ فانقلبت على المبادرة الخليجيّة ومؤتمر الحوار الوطنيّ. وكان للمملكة الدور الرئيس مجددًا بعدها في إصدار القرار الأممي (2216) الذي تشكّل مخرجاته اليوم مرجعيات الحل الشامل في اليمن. كما استمرّت جهود المملكة في الحفاظ على الشرعيّة المعترف بها دوليًّا، ورعاية المشاورات السياسيّة المختلفة، حيث رعت مؤتمر الرياض (1) والمشاورات اليمنية اليمنية التي نتج عنها نقل السلطة لمجلس القيادة الرئاسيّ وإنهاء حالة الاختلاف والانقسام داخل مؤسّسات الشرعيّة اليمنيّة؛ فحال ذلك بين اليمن وبين الانزلاق إلى فراغ دستوريّ شامل. وترعى المملكة في هذه الفترة مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي استجابةً لطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسيّ، واستمرارًا لنهجها القائم على تصفير الخلافات اليمنيّة.
وترعى المملكة، بلا كلل أو ملل، جهود الوساطة الدوليّة لإحلال السلام الشامل في اليمن بين ميليشيا الحوثي الإيرانيّة وبقيّة المكوّنات اليمنيّة استنادًا إلى المرجعيات ذات الصلة. وما لا يمكن تجاهله اليوم هو الدور المحوريّ للمملكة العربيّة السعوديّة في الأحداث الأخيرة التي جرت في حضرموت والمهرة، ودورها العظيم في إسناد الشرعيّة اليمنيّة وحشد الدعم الإقليميّ والدوليّ لمواجهة مشروع الانفصال وفرض الأمر الواقع، وما أعقب ذلك من جهد كبير في استعادة المحافظتين، وتصحيح مسار الشرعيّة بإزالة عوائق التعطيل، وما رافقه من جهود لتطبيع الأوضاع وتفكيك بؤر التوتّر، وإطلاق المشاريع العظيمة في المحافظات، وتسليم الرواتب، وتوفير الخدمات التي تخفف معاناة الناس وفي مقدمتها الكهرباء والمياه، وتشكيل اللجنة العليا لتوحيد القوات المسلّحة وإعادة تنظيمها والعمل على إخراج المعسكرات من عدن.
وخلاصة القول، إنَّ جهود المملكة العربيّة السعوديّة في دعم اليمن لمكافحة الإرهاب تمثّل نموذجًا لمقاربة استراتيجيّة ترى في بناء الدولة القويّة الطريق الأكثر استدامة لمواجهة التطرّف. وهي مقاربة تجمع بين الحسم العسكريّ والبناء المؤسّسيّ، وبين التنمية والفكر الوسطيّ؛ وتؤكّد أنَّ معركة اليمن ضد الإرهاب هي معركة من أجل الدولة والأمن والاستقرار ومستقبل المنطقة.

محمد الكميم
مستشار وزير الدفاع
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





