في أواخر سبتمبر 2025، لم يخرج أولئك الشبّان إلى شارعٍ في صنعاء ليطالبوا بسلطةٍ أو يفتحوا جبهةً جديدة؛ خرجوا ليستعيدوا يومًا من التقويم. رفعوا علمًا، شغّلوا نشيدًا، نشروا صورةً لذكرى 26 سبتمبر كما اعتاد اليمنيون منذ عقود.
لم تكن مظاهرة، بل ذاكرة تمشي على قدميها، تعلن أن الزمن لم يُصادر بعد. غير أنّ الدوريات الأمنية (الحوثية) وصلت سريعًا؛ صودرت الأعلام، واقتيد بعضهم لأنهم اختاروا يومًا لا يُراد له أن يُحتفل به. وبعد أيام وثّق بيانٌ حقوقي تلك الاعتقالات[1]. وفي المقابل أشارت رسائل الحوثي بوضوح إلى أن الاحتفال “المقبول” هو في 21 سبتمبر لا غير[2]. وهكذا لم يكن الخلاف على شارعٍ أو سلطة، بل على معنى التاريخ نفسه: أيُّ سبتمبر يُسمح له أن يُعرّف اليمن، وأيُّ سبتمبر يجب أن يُنسى؟
حرب الذاكرة:
ليست الحرب في اليمن حربَ مدافع وحدودٍ وجبهاتٍ فقط، بل حربُ ذاكرةٍ تتنازع تعريف الزمن ذاته. فالزمن ليس خزينةً محايدة للأحداث؛ «فالذاكرة الجماعية لا تحفظ الماضي كما وقع، بل كما تتذكّره الجماعة وفق حاجاتها الحاضرة»[3]. ومن هنا يغدو التقويم أكثر من جدولٍ سنوي، يصبح جهازًا سياسيًّا يعيد في كل دورة تشكيل الهوية وترتيب الولاءات. و «الذاكرة الثقافية تُحفظ عبر طقوس ونصوص ورموز تعيد تثبيت نقاط مرجعية في الماضي»[4]؛ فتتحول المناسبة إلى منصةٍ لتجديد الشرعية لا مجرد ذكرى.
وحين تتنازع سرديتان على “لحظة التأسيس”، فهما لا تختلفان على ماضٍ انقضى، بل على تعريف الحاضر ورسم ملامح المستقبل؛ لأن من يملك سرد البداية يملك تأويل الزمن كلّه، ويمنح الفعل السياسي معناه.
وحين يرسم القرآن خريطة الذاكرة الكبرى للأمة، فإنه لا يبدأ بسلالةٍ ولا ينتهي بعشيرة، بل يمدّ الخيط الإيماني من آدم عليه السلام، بوصفه أصل الإنسانية كلِّها، إلى إبراهيم عليه السلام مجدِّد التوحيد، ثم يختم المسار بمحمد ﷺ الذي أقام الأمة على قاعدة الأخوّة لا القرابة، وعلى رابطة العقيدة لا رابطة الدم. ليست تلك ذاكرة نسبٍ مغلق، بل ذاكرة رسالةٍ مفتوحة؛ أمةٌ تُعرَّف بالفعل لا بالميلاد، وبالاختيار لا بالوراثة؛ ولذلك جاء الإعلان القرآني جامعًا لا إقصاء فيه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]، وجاء التعريف الإبراهيمي حاسمًا في عموميته: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: 78]. فالتسمية هنا عقدٌ مفتوح، والانتماء تكليفٌ مشاع لا امتيازًا سلاليًّا يُحتكر. غير أن القراءة الإمامية تختطف هذا الامتداد القرآني، فتُحوِّل الرسالة الكونية إلى إرثٍ خاص، وتجعل الامتداد الإبراهيمي ملكيةً حصرية لنسبٍ بعينه. ومن هناك يبدأ “الزمن الإمامي” -في سرديته- من لحظة الغدير، حيث تُضغط النبوة والكتاب والإمامة في خطٍّ وراثيٍّ مغلق، ويُعاد تعريف الأمة لا باعتبارها جماعة المؤمنين، بل باعتبارها طبقاتٍ يتقدّم فيها الدم على العمل، والسلالة على الاختيار.
وهكذا تنقلب الرسالة المحمدية من مشروع تحريرٍ إنساني -كما وصفها القرآن: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 157]- إلى منظومة اصطفاءٍ جديدة تُعيد إنتاج الأغلال باسم الدين. تنتقل الأمة من مقام التكليف المتساوي إلى وضع الرعيّة المقيدة، ومن أفق الأخوّة المفتوح إلى دائرة الامتياز المغلق. وبين التصورين يتحدّد جوهر الصراع: أهو دينٌ يُحرّر الإنسان من سلطان البشر، أم تأويلٌ يُعيده إلى سلطة السلالة؟
وبهذا التبديل في المعنى أو «الشرع المُبدَّل» كما وصفه ابن تيمية، لا يُعاد تفسير النص فحسب، بل يُعاد تشكيل الزمن ذاته؛ فيُختزل التاريخ الإسلامي في خطٍّ سلاليٍّ ضيّق، ويُغلق الباب أمام المفهوم القرآني الأوسع للأمة: أمة الشهادة والعدل والمساواة، لا أمة الامتياز والاحتكار. وحين تُحتكَر الرسالة في نسبٍ بعينه ينزلق التأويل إلى وهدة التفسير الإسرائيلي الذي كان ولا يزال يزعم أنه الوريث الشرعي لرسالة إبراهيم، ويدعي أنه الشعب المختار: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18]، وهو تفسير مستنكر؛ إذ القرآن لا يورّث الإيمان نسبًا، بل يجعله اتباعًا واقتداءً؛ ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: 68]. فالأولوية هنا قائمة على الاتباع لا على الدم، وعلى المنهج لا على السلالة. ومن ثمّ فإن أي تأويلٍ يحوّل الرسالة إلى إرثٍ عائلي، أو يجعل الزمن الديني خطًا وراثيًّا مغلقًا يصطدم بجوهر التصور القرآني الذي يحرّر الإيمان من العنصرية، ويجعل معيار التفاضل التقوى والعمل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
يحتفي الإماميون الجدد بانقلاب 21 سبتمبر بوصفه لحظة “استعادة” لا لحظة قطيعة، ويجعلونه نقطة البدء في إعادة بعث زمن الإمامة بأسمائه ورموزه. تُنتشل صور بيت حميد الدين من أرشيف النسيان، وتُضخُّ في الفضاء الرقمي كأيقونات هيبةٍ واستقرارٍ وعدلٍ مُتخيَّل، ويُنسج حولها خطابٌ يعيد صياغة الماضي في هيئة فردوسٍ مؤجل. ويتسع الطقس من المولد النبوي -حيث يُقدَّم النبي ﷺ في سياقٍ يؤسس لسلسلة حكم- إلى يوم الغدير الذي يُعاد تأويله باعتباره لحظة انتقال القيادة من النبي ﷺ إلى علي بن أبي طالب، ثم إلى ذريته من بعده، في سرديةٍ متَّصلة تنتهي بالحاضر بوصفه الامتداد الطبيعي لتلك السلسلة. هكذا تتراكم شرعيةٌ سياسية ودينية عبر هندسة الذاكرة، لا عبر تعاقدٍ دستوري أو تفويضٍ شعبي.
وفي الضفة المقابلة تُضخَّم أخطاء التجربة الجمهورية، وتُعاد قراءة عثراتها كأنها جوهرها، حتى يستقر في المخيال العام تصورٌ ثنائيٌّ مبسّط: “فردوس إمامي” مقابل “جمهورية مضطربة”، وكأن التاريخ مسارٌ واحد يبدأ هناك ويُقفل هنا. ولترسيخ هذا المعنى، تحتشد أدوات السلطة الحوثية جميعها: مناهج تُعيد تقديم الرموز الإمامية ابتداء بالهادي الرسي وانتهاء بالحوثي، وتصنع سرديةً منتقاة كما حذرت تقارير راصدة[5].
المقاومة اليمانية:
غير أن الضفة الأخرى لا تقف صامتة، ولا تسلّم مفاتيح الزمن لمن يحتكره. فاليمانيون يستنجدون بذاكرةٍ أعمق من لحظة حكم، وأوسع من عهدٍ بعينه؛ ذاكرةٍ تمتد قبل ولادة الإمامة وبعدها، وتستعيد اليمن بوصفها مشروع حضارة لا ملحق سلالة. هكذا صدح الزبيري مستنهضًا ذلك الامتداد:
· أبناءُ قحطانَ عبيدٌ بعد ما
· عبدتْهمُ الزعماءُ والحكّامُ
· كانوا الأباةَ وكانت الدنيا لهم
· والملكُ والراياتُ والأعلامُ
· نزلوا بيثربَ والعراقِ فشيّدوا
· ملكًا كبيرَ الشأنِ ليس يُرامُ
· وهمُ الأُلى اقتحموا على أسبانيا
· أسوارَها فتحكّموا وأقاموا
لم يكن هذا الشعر بكائية على ماضٍ غابر، بل بيانًا سياسيًّا مكتوبًا بلغة التاريخ؛ استدعاءً لنهرٍ حضاريٍّ سابقٍ على الانقسام، يتدفق من سبأ وحِمْير إلى يثرب والأندلس، ويذكّر بأن اليمن لم تُخلق لتكون ظلَّ عرشٍ مغلق، بل لتكون شريكًا في صناعة العالم.
صراع الأزمنة في الشارع:
لسنا أمام جمهورٍ واحد، بل أمام كتلتين بشريتين تعرف كلٌّ منهما ماذا تريد، وتتشبث بذاكرتها كما يُتشبَّث بالحياة. غير أن السباق الحقيقي ليس على الشارع، بل على عقول الناشئة الذين فتحوا أعينهم في زمنٍ واحدٍ لا يعرفون سواه. إنهم بين سرديةٍ تُجمّل الحاضر وتسوّقه بوصفه الخلاص، وبين ذاكرةٍ جمهوريةٍ تلوّح من بعيد وتحنّ إلى أيامٍ كانت تعد بالمواطنة لا بالامتياز. هنا تدور المعركة الصامتة: معركة المعنى.
ولا يتفاعل المجتمع مع هذا الاشتباك بوصفه كتلةً صمّاء، بل يتوزّع بين الامتثال القسري، والمقاومة الصامتة، والتكيّف لتقليل الكلفة. ففي بيئات يُعاد فيها تعريف المجال العام عبر مناسبات مفروضة وجبايات موسمية يتحوّل كثير من الناس إلى “مشاركين شكليين” اتّقاءً العقوبة أو الإقصاء. وقد أشار مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى أن أدوات الإكراه -من الضغط الإداري إلى شبكات الوسطاء المحليين- تجعل “المساهمة الطوعية” في الاحتفالات ممارسة شبه إلزامية، هنا لا يعني الحضور اقتناعًا، بل يعني النجاة[6].
وفي المقابل، تتشكّل مقاومة منخفضة الكلفة: رفع علم، تشغيل نشيد، أو منشور باسمٍ مستعار، بما يجسّد ما سمّاه "جيمس سكوت" «أشكال المقاومة اليومية»[7] ، التي لا تُعلن تمرّدًا صريحًا لكنها تُبقي معنىً بديلًا حيًّا. وهي مقاومة ستنمو مع الأيام لخلق طوفان قادم يجرف ذاكرة الإمامة وزمنها البائس، ويكفر بزمن الإمامة كما وعد الزبيري:
كفرتُ بعهد الطغاة البغاة ** وما زخرفوه وما زيَّفوه
وأكبرتُ نفسي عن أن أكون ** عبدًا لطاغيةٍ توّجوه
حين يصبح التقويم ميدان السيادة:
ليست القضية خلافًا فقهيًّا حول مناسبة، ولا جدلًا عاطفيًّا حول يومٍ في التقويم، إنها معركة موثّقة بالأرقام على من يملك تعريف الزمن العام. فمنذ 2014 أُعيد ترتيب التقويم في مناطق سيطرة الجماعة، وأضيفت أكثر من عشرين مناسبة تعبويّة سنويًّا [8]، وتحوَّلت عاشوراء إلى عطلة رسمية لأول مرة في 2019، وقُدِّمت ذكرى 21 سبتمبر كلحظة تأسيس بديلة!
المقارنة هنا فاقعة: في العهد الجمهوري -على ما فيه من فسادٍ وحروب- تأسّس مبدأ المواطنة المتساوية دستوريًّا منذ 1962، وتعزّز بالتعددية بعد 1990، وظلّ الاحتفال بـ26 سبتمبر و14 أكتوبر حقًّا عامًّا. أما في العهد الحوثي فانقطعت رواتب مئات الآلاف من موظفي القطاع العام منذ 2016 في مناطق سيطرته، وفُرضت جبايات موسمية مرتبطة بالمناسبات، وصار رفع العلم الجمهوري سببًا للاعتقال وفق تقارير حقوقية. هناك كان معيار الشرعية -نظريًّا- القانون والكفاءة، وهنا يُعاد تعريفها عبر مفهوم “الولاية” بوصفه امتيازًا يتقدّم فيه النسب على الاختيار.
هذه ليست طقوسًا بريئة؛ إنها سياسةُ زمنٍ تتجسّد في بنية القرار لا في التقويم فقط. فالذاكرة حين تتحوّل إلى مشروع حكم لا تبقى خطابًا، بل تنزل إلى مفاصل الدولة الحسّاسة. وتشير تقارير يمنية إلى أن نحو 1003 أشخاص ممن ينتسبون إلى السلالة الهاشمية المتشيعة باتوا يسيطرون على أبرز المواقع المدنية والعسكرية بعد الانقلاب،[9] في تجلٍّ واضح لانتقال “الذاكرة السلالية” من الرمز إلى السلطة. ويتضح ذلك أكثر في التعيينات الأمنية؛ إذ كشف تحليل القرار رقم (68) لسنة 2017 الخاص بتعيين وترقية كوادر في وزارة الداخلية التابعة للحوثي أن قرابة 70% من الأسماء الواردة فيه تنتمي إلى السلالة نفسها، بألقاب معروفة، مثل: الديلمي، والمتوكل، والشامي.[10] هنا لا يبدو الأمر خللًا إداريًّا عابرًا، بل نمط يعيد تشكيل هرم القوة وفق منطق الاصطفاء لا منطق الدولة؛ فتتحوّل المواطنة من عقدٍ دستوري إلى امتيازٍ موروث، وتغدو الأرقام شواهدَ على إعادة تعريف الشرعية ومعايير الترقي.
ليست المعركة على يومٍ في التقويم، بل على معنى أن يكون اليمن وطنًا لا سلالة، أمةً لا طبقة، تاريخًا مفتوحًا لا إرثًا محتكرًا. وحين يُعاد الاعتبار للذاكرة الجامعة يعود الزمن إلى طبيعته: مجالًا للحرية لا أداةً للوصاية.
[1] https://www.hrw.org/ar/news/2025/10/06/yemen-houthis-arrest-dozens-commemorating-national-holiday
[2] المصدر السابق.
[3] Maurice Halbwachs, On Collective Memory, trans. Lewis A. Coser (Chicago: University of Chicago Press, 1992), 40, paraphrased.
[4] Jan Assmann, Cultural Memory and Early Civilization: Writing, Remembrance, and Political Imagination (Cambridge: Cambridge University Press, 2011), 37-38, paraphrased.
[5] https://yemenfuture.net/researches/31334?utm_source=chatgpt.com
[6] https://sanaacenter.org/ar/the-yemen-review/october-2022/19051
[7] James C. Scott, Weapons of the Weak: Everyday Forms of Peasant Resistance (New Haven: Yale University Press, 1985), xvi–xvii, 29–36, 303–304.
[8] https://sanaacenter.org/ar/the-yemen-review/october-2022/19051
[9] https://nashwannews.com/268160/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D9%87%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D9%82%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B3%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B1
[10] المصدر السابق.


د. كمال القطوي
كاتب وباحث
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





