المنبر اليمني
الدولة في اليمن بوصفها قضية الإنسان الأخيرة
مقالات

الدولة في اليمن بوصفها قضية الإنسان الأخيرة

سامي الكاف

سامي الكاف

السعودية وحضرموت علاقات راسخة تتشكل عبر حياة الناس اليومية

23 أغسطس 2026٠ قراءة
حجم الخط

عتقد أن السنوات التي أعقبت انقلاب الحوثية على الدولة بقوة السلاح في ٢١ سبتمبر ٢٠١٤ لم تعد مجرد مرحلة سياسية عادية أو عابرة في التاريخ المعاصر لليمن، بل تحولت إلى مختبر كشف طبيعة الصراع في جوهره، بعيدًا عن الشعارات التي حاولت اختزاله في نزاع على السلطة أو تنافس بين القوى السياسية، فقد أثبتت الوقائع أنّ المواجهة تدور بين تصورين متناقضين للدولة والمجتمع والإنسان: تصور يرى الدولة عقدًا وطنيًا يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وآخر يعيد إنتاج السلطة بوصفها امتيازًا مغلقًا يستمد شرعيته من ادعاءات دينية وسلالية.

ولذلك؛ لم يعد السؤال الحقيقي متعلقًا بمن يسيطر على المؤسسات، وإنما بأي فكرة ستحدد مستقبل اليمنيين؛ لأنّ مصير الإنسان يتحدد دائمًا بطبيعة الدولة التي يعيش في ظلها. وعليه، يتجاوز النقاش هنا حدود التأييد أو الرفض السياسي إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بطبيعة الفاعل المسلح نفسه: متى يفقد هذا الفاعل صفته كطرف سياسي ويتحول إلى نقيض لـ(فكرة الدولة)؟
إن التجربة الإنسانية تشير إلى أنّ العمل السياسي يفترض الاعتراف بالتعددية، والقبول بالاحتكام إلى القانون، وإمكانية التداول السلمي للسلطة، أما عندما تصبح القوة المسلحة المصدر الوحيد للشرعية، ويتحول السلاح إلى أداة لإلغاء المجتمع وإخضاع المؤسسات، فإنّ الفاعل يغادر المجال السياسي إلى فضاء آخر يقوم على الهيمنة لا المشاركة، وعلى فرض الإرادة لا التنافس المشروع، وهو تحول في تصوري لا يهدد خصومه وحدهم، بل يقوض الأساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة.
وعليه تتبدى البنية الفكرية للحوثية، في هذا السياق المشار إليه أعلاه، بعيدة عن مفهوم المشروع السياسي القابل للتطور أو المراجعة؛ لأنها تقوم على تصور ديني سلالي يمنح جماعة بعينها حقًا مزعومًا في الوصاية على المجتمع، ويجعل الإرادة الشعبية مرتبة أدنى من الامتياز الموروث. بهذا المعنى لا يصبح الاختلاف حقًا مشروعًا، بل خطرًا ينبغي احتواؤه، ولا يغدو المواطن شريكًا كاملًا في الوطن، وإنما تابعًا يطلب منه الامتثال. لذلك فإن الأزمة لا تكمن في ممارسات متفرقة، بل في البنية التي تنتج هذه الممارسات، وتعيد إنتاجها بوصفها جزءًا من تصور كامل للعلاقة بين السلطة والإنسان.
هذا التصور انعكس عمليًا في محاولات مستمرة لإعادة تشكيل المجتمع وفق نموذج ثيوقراطي مستوحى من فكرة ولاية الفقيه، عبر المناهج التعليمية، والخطابات التعبوية، والفعاليات والقوانين التي تسعى إلى ترسيخ هرم اجتماعي يمنح فئة محددة حق القيادة والوصاية، بينما ينتقص من مبدأ المساواة الذي يمثل جوهر الدولة الوطنية الحديثة. 
وعندما تصبح الهوية السياسية مرتبطة بـ(الانتماء السلالي) أكثر من ارتباطها بـ(المواطنة)، فإنّ الدولة تفقد معناها الجامع، ويتحول القانون من إطار يحمي الجميع إلى وسيلة تبرر التمييز بينهم، وهي لحظة يبدأ فيها المجتمع بالتآكل من الداخل قبل أن ينهار البناء المؤسسي من الخارج، ولذلك لا يمكنني المجادلة بأنّ الحوثية لا تناقض الدولة المدنية وحدها، بل تناقض الفكرة الحديثة للدولة نفسها؛ لأنها تستبدل شرعية الشعب بشرعية النسب، والمؤسسات بالعصبية، وسيادة القانون بمنطق الاصطفاء الديني.
لاحظوا معي - من فضلكم - أنّ الدولة الحديثة لا تستمد قوتها من قداسة الحكام، بل من خضوع الجميع للقانون دون استثناء، ومن قدرة المؤسسات على حماية الحقوق، بعيدًا عن الامتيازات الوراثية. أمّا حين تصبح السلطة امتيازًا مغلقًا، فإنّ المجتمع ينقسم إلى مراتب، وتتحول العدالة إلى مفهوم انتقائي، ويصبح الإنسان مقيمًا داخل وطنه بقدر قربه من السلطة، لا بصفته مواطنًا كامل الحقوق.
بيد أن هذه البنية لا تتحرك داخل حدود اليمن وحدها، إذ يرتبط سلوك الجماعة الحوثية، سياسيًا وعسكريًا، بالمحور الذي تقوده إيران فيما يسمى بمحور المقاومة، الأمر الذي جعل الأراضي اليمنية جزءًا من صراعات إقليمية تتجاوز المصالح الوطنية المباشرة. وقد أدى هذا الارتباط المرتهن للنظام في إيران إلى تحويل اليمن تدريجيًا من دولة يفترض أنْ تُدير مصالح مواطنيها إلى منصة تستخدم لخدمة استراتيجيات خارجية، وهو تحول يحمل أثمانًا باهظة يدفعها اليمنيون في أمنهم واقتصادهم واستقرارهم؛ لأنّ الدولة التي تفقد استقلال قرارها تفقد في الوقت نفسه قدرتها على حماية مواطنيها.
وآثار هذا الارتباط تتجلى في السلوك الإقليمي للجماعة، سواء من خلال التصعيد المتكرر تجاه دول الجوار، أو عبر تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، فهذه الممرات ليست مجرد مواقع جغرافية، بل شرايين حيوية للاقتصاد العالمي وللمصالح اليمنية أيضًا، وأيّ اضطراب فيها ينعكس مباشرة على فرص التنمية والاستثمار والاستقرار. وعندما تُستخدم الجغرافيا الوطنية أداة في صراعات إقليمية، يصبح الوطن نفسه رهينة لحسابات لا يصوغها المواطن اليمني، ولا تعبر عن أولوياته، بينما يتحمل وحده كلفة العزلة والتدهور الاقتصادي وتراجع فرص الحياة.
ولأن سلطات الأمر الواقع التي تعجز عن تحسين حياة الناس، تحتاج دائمًا إلى إنتاج معارك خارجية تبرر استمرارها؛ فإن الخطاب التعبوي يغدو بديلًا عن التنمية، ويصبح الخطر الخارجي وسيلة دائمة لتأجيل الأسئلة المتعلقة بالبطالة والفقر والخدمات والصحة والتعليم.
ومن ثم، يمكن هنا قراءة التصعيد الإعلامي والسياسي المتكرر، بما في ذلك الانفعال الذي ظهر في الخطابات الأخيرة لعبدالملك الحوثي تجاه السعودية، بوصفه انعكاسًا لإيقاع الصراع الإقليمي أكثر من كونه تعبيرًا عن أولويات يمنية خالصة؛ ذلك أن منسوب التصعيد يرتفع كلما ازدادت الضغوط على إيران، بما يعزز الانطباع بأنّ قرار الميليشيا الحوثية يتحرك ضمن حسابات الحرس الثوري الإيراني أكثر مما يتحرك وفق مقتضيات المصلحة الوطنية اليمنية.
ولعل التطورات المرتبطة بمطار صنعاء كشفت أنّ القضية تتجاوز حادثة طيران بعينها إلى مبدأ قانوني وسيادي يرتبط باختصاص الدولة وحدها في إدارة مجالها الجوي ومطاراتها الدولية وفق قواعد القانون الدولي واتفاقية شيكاغو للطيران المدني، فالسيادة في اعتقادي ليست شعارًا يرفع عند الحاجة، وإنما منظومة قانونية متكاملة لا تستقيم مع وجود جماعة مسلحة تنازع الدولة اختصاصاتها الأساسية. كما أنّ أي خرق للقرارات الدولية ذات الصلة، ومنها القراران 2140 و2216 وما يرتبط بهما من نظام الجزاءات، يفرض مسؤولية جماعية لحماية الشرعية الدولية، ومنع تحويل المؤسسات السيادية إلى أدوات تخدم مشاريع غير وطنية.
وتزداد المفارقة الإيرانية وضوحًا عندما يجري الحديث عن احترام سيادة اليمن في الوقت الذي تستمر فيه بدعم طرف مسلح ينازع الدولة اليمنية الشرعية اختصاصاتها الحصرية، فمنطق السيادة لا يقبل التجزئة، ولا يمكن الدفاع عنه في جانب وانتهاكه في جانب آخر، والدولة لا تكون ذات سيادة لأنّ الخطابات تقول ذلك، بل لأنّها تحتكر استخدام القوة وفق القانون، وتدير مؤسساتها عبر سلطات شرعية معترف بها، وتحمي حدودها ومجالها الجوي ومرافقها العامة باعتبارها ملكًا لجميع المواطنين، لا أدوات تخضع لإرادة جماعة أو لمحاور خارجية.
أما داخل المجتمع، فقد ارتبط حضور الميليشيا الحوثية بسلسلة طويلة من الممارسات التي عمقت معاناة الإنسان اليمني، من تجنيد الأطفال، وتفجير المنازل والمساجد، ومصادرة المرتبات والمساعدات الإنسانية، إلى الاعتقالات والإخفاء القسري، واستهداف الأصوات المستقلة، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات للضبط والقمع. 
وهذه الانتهاكات لا تمثل مجرد أخطاء سياسية، بل تعبر في تقديري عن منطق بنيوي يجعل بقاء السلطة مقدمًا على كرامة الإنسان. وحين يحل الخوف محل الثقة، وتصبح القوة بديلًا عن القانون، يفقد المجتمع قدرته على الإبداع والتماسك؛ لأنّ الإنسان لا يبني مستقبله في ظل الرهبة، بل في ظل الحرية والعدالة والأمان. ولذلك؛ فإن استعادة الدولة - في نهاية المطاف - ليست معركة سلطة بين أطراف متنافسة، بل معركة دفاع عن الإنسان نفسه، وعن حق اليمنيين في أن يكونوا مواطنين متساوين لا رعايا، وأن تُقاس مكانتهم بالكفاءة والحقوق لا بالنسب أو الانتماء السلالي.
بعبارة أخرى أدق وأوضح: إنها ضرورة تاريخية وأخلاقية وإنسانية لحماية فكرة المواطنة وإنهاء الاستبداد والعنصرية والسلالية، وإعادة الاعتبار لدولة تتسع لجميع أبنائها دون تمييز؛ فالأوطان لا تنهض بالسلاح وحده، بل بالفكرة التي تجعل القانون أعلى من الجميع، والحرية حقًا عامًا، والعدالة أساس الشرعية، والإنسان القيمة العليا التي وُجدت الدولة أصلًا لحمايتها.


شارك هذا المقال
سامي الكاف

سامي الكاف

السعودية وحضرموت علاقات راسخة تتشكل عبر حياة الناس اليومية

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

الإرهاب الحوثي المستمر واختبار الإرادة الدولية
مقالات

الإرهاب الحوثي المستمر واختبار الإرادة الدولية

لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا في اليمن هو: لماذا تعثرت جهود السلام؟ فقد أجابت الوقائع عن هذا السؤال مرارًا في العقدين الماضيين، أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو: لماذا أخفقت الإرادة الدولية، رغم اعترافها بالحكومة الشرعية وإصدارها قرارات ملزمة، في تحويل الشرعية القانونية إلى واقع سياسي يحمي الدولة ويُلزم الميليشيا بالامتثال وتطبيق القرارات الدولية؟

فيصل المجيديفيصل المجيدي23 أغسطس 2026
المنبر اليمني
مقالات

ارتباط جماعة الحوثي بالمشروع الإيراني جعل اليمن ساحة لتجاذبات إقليمية

جاء الإسلام لحفظ الدين والنفس ووحدة الأمة، ونهى عن الفتنة والفرقة وسفك الدماء، فقال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا﴾، وقال سبحانه: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾، وقال سبحانه: ﴿وإنّ هذه أمّتكم أمة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون﴾، ومن هذا المنطلق فإنّ كلّ فكر أو مشروع سياسي أو عسكري يقود إلى تمزيق المجتمع، وإضعاف الدولة، وإطالة أمد الصراع، يستوجب التنبيه إلى مخاطره وبيان آثاره.

هزاع سعد المسوريهزاع سعد المسوري23 أغسطس 2026
المنبر اليمني
مقالات

أخطار المشروع الحوثي ووجوب تخليص اليمن منه

الحوثيون جماعة إرهابية ذات أصول فكرية عقائدية، تحوّلت بعد فترة وجيزة من الزمن إلى حركة مسلحة عقائدية، خاضت ستَّ حروب ضد الدولة آنذاك، وفي عام 2014 انقلبوا على الدولة واستولوا على صنعاء والمقرات الحكومية، وأعلنوا حربًا على اليمنيين وعلى دول الجوار ليظهروا حقدهم الدفين والعقائدي على اليمنيين، وعلى المملكة العربية السعودية.

الشيخ الدكتور/ محمد النيسانيالشيخ الدكتور/ محمد النيساني23 أغسطس 2026