وخلال العقد الماضي، طالت تداعيات الانقلاب كل تفاصيل حياة اليمنيين؛ من الرواتب والخدمات والتعليم والصحة، إلى الحريات والنزوح والألغام التي تحصد أرواح المدنيين. ومع حلول هذه الذكرى التي يصفها اليمنيون بـ(النكبة) يحضر السؤال: ماذا جنى اليمنيون من الانقلاب الحوثي بعد 12 عامًا؟
هدم الدولة:
لم تكتف الجماعة الحوثية بالسيطرة على المؤسسات المدنية والعسكرية، بل أعادت تشكيلها بما يخدم مشروعها التنظيمي والعقائدي، فأحلّت عناصرها في مواقع القرار، وتغلغلت في أجهزة الحكم والإدارة المحلية، لتعطل وظائف الدولة الأساسية، وترسّخ الولاء السلالي بدلًا من الكفاءة وسيادة القانون.
وفي فبراير 2015، أصدرت ما سمته (الإعلان الدستوري)، وأعلنت حل مجلس النواب، وأنشأت سلطات موازية، لتستكمل بذلك مسار انقلابها على الدستور والنظام السياسي القائم، كما استغلت أجهزة الدولة ومقدراتها لإخضاع المجتمع، فأخضعت القبائل تباعًا، وسخّرتها في الحشد والتعبئة. ومع توسيعها الحرب جنوبًا، قصفت في 19 مارس 2015 القصر الرئاسي في عدن، قبل أن تجتاح المدينة وترتكب مجازر بحق المدنيين، وصفتها تقارير أممية بأنها (جرائم حرب)، وحينها، طلب رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي تدخلًا عربيًا لحماية الشرعية، لتقود المملكة العربية السعودية تحالفًا يضم 12 دولة استجابة لذلك النداء.
وعلى وقع تلك التطورات، أصدر مجلس الأمن الدولي القرارين 2201 و2216، مستنكرًا سيطرة الحوثيين على السلطة بالقوة، مطالبًا بانسحابهم وتسليم السلاح وإطلاق المختطفين. وبعد سنوات بدأت الأهداف الحوثية تتضح أكثر؛ ففي يونيو 2024 حذّرت دراسة بحثية أصدرها مركز المخا للدراسات الاستراتيجية من أنّ الجماعة تنفذ مشروعًا يستهدف هدم الدولة اليمنية الجمهورية واستبدالها بدولة الطائفة والسلالة، وخلصت إلى أنّ الجماعة تعمل على ترسيخ وجودها ومشروعيتها عبر فرض تشريعات خاصة تُقصي المرجعيات الجمهورية، بالتوازي مع تجريف مؤسسات الدولة وهويتها الوطنية وإنشاء كيانات موازية.
تصفير المكتسبات وتجريف الهوية
الباحث في الشؤون اليمنية والخليجية الدكتور عمر منصر قال للمنبر اليمني: إن الانقلاب الحوثي مثّل عملية هدم ممنهجة للتجربة السياسية الناشئة في اليمن، وأدى إلى تصفير معظم مكتسبات النظام الجمهوري، وفي مقدمتها الحريات العامة، والمساواة، والتداول السلمي للسلطة، والأحزاب، والانتخابات، كما فرض عزلة دولية على اليمن، وأضعف دوره وحضوره الإقليمي.
وتنمويًا، أوضح أنّ الانقلاب والحرب والأزمات ألحقت أضرارًا بالغة بمختلف جوانب التنمية البشرية والمادية، ودمرت جزءًا كبيرًا من البنية التحتية التي شُيدت منذ قيام الجمهورية، وأعادت اليمن عقودًا إلى الوراء عبر تعطيل مسيرة البناء والتنمية، والتدمير المنهجي لمقومات الدولة.
واجتماعيًا وثقافيًّا، أكد أنّ الجماعة تنفذ عملية تجريف ثقافي وديني ممنهج في مناطق تضم أكثر من ثلثي السكان، وتحاول استبدال الثقافة الوطنية والدينية والقبلية المعتدلة بأفكار طائفية وسلالية تقوم على تفضيل سلالة بعينها ومنحها امتيازًا سياسيًّا ودينيًّا.
وأوضح أنّ هذه السياسة أحدثت تغييرات عميقة في منظومة القيم والوعي لدى شريحة واسعة من الشباب، ما يجعل إعادة تأهيلهم فكريًا ووطنيًا عملية طويلة تتطلب سنوات من العمل وإمكانات كبيرة.
وأضاف أنّ ترسيخ الفكر الطائفي في منطقة تمثل مركزًا تاريخيًا وسياسيًا بالغ الحساسية في اليمن أثار ردود فعل مضادة، تمثلت في تنامي النزعات المناطقية والهويات الفرعية، ما عمّق الانقسامات المجتمعية وهدد تماسك النسيج الوطني.
كارثة إنسانية
مع إعلان زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي في مارس 2015 (التعبئة العامة) وتوسيع الحرب جنوب اليمن وشرقه، دخلت البلاد مرحلة أكثر دموية، وتفاقمت الأزمة الإنسانية مع تسخير الحوثيين لموارد الدولة والمجتمع لـ(المجهود الحربي) على حساب الرواتب والخدمات والاحتياجات.
ولأكثر من عقد، بات اليمن يشهد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، إذ يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات عاجلة وخدمات حماية، بينهم 10 ملايين امرأة وفتاة، ونحو 5 ملايين نازح داخليًا، وحوالي 390 ألف مهاجر ولاجئ، وفق خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة لعام 2026.
ولا تعمل بكامل طاقتها سوى 59.3% من المرافق الصحية، فيما يحتاج نحو 14 مليون شخص إلى مساعدات عاجلة في مجالات المياه والصرف الصحي، وسط تفشي الأوبئة، مثل الكوليرا.
وكان التعليم الأكثر تضررًا، مع وجود أكثر من 4.5 ملايين طفل خارج المدارس، ووصف ممثل اليونيسف في اليمن، بيتر هوكينز، ذلك بأنه قنبلة موقوتة، محذرًا في مقابلة صحفية أواخر 2024، من أن الجيل القادم قد يصبح خلال 5 إلى 10 سنوات أميًا ويفتقر للمهارات الأساسية.
وقال الأكاديمي يحيى الأحمدي للمنبر اليمني: إن الانقلاب كارثة شاملة طالت كل مفاصل الحياة، ولخص حصيلة الانقلاب في أربعة مسارات موجعة، تتمثل في: الانهيار الاقتصادي والمعيشي نتيجة قطع المرتبات، والجبايات وإحداث انقسام نقدي مدمر، إلى جانب تمزيق النسيج الاجتماعي، واستهداف المنظومة الصحية، وتدمير قطاع التعليم باستهداف المدارس والعبث بالمناهج وشحنها بالفكر الطائفي وتعبئة الأطفال وتجنيدهم للقتال.
انهيار الاقتصاد واقتصاد الجباية
إلى جانب نهب الإيرادات العامة والاحتياطات النقدية، أنشأت الجماعة منظومة مالية موازية تعتمد على الجبايات، كما عطّلت أهم مصادر دخل الدولة باستهداف موانئ تصدير النفط في شبوة وحضرموت، ما فاقم الانهيار الاقتصادي، وأضعف القطاع الخاص، ودفع ملايين اليمنيين إلى شفا المجاعة.
وفي القطاع المصرفي، قيَّدت نشاط البنوك وأموال المودعين، ومنعت تداول العملة الوطنية الصادرة عن البنك المركزي في عدن، وحظرت تعامل البنوك التجارية معه، وهو ما فاقم أزمة السيولة النقدية، وعمّق الانقسام المصرفي، وأربك النشاط التجاري.
وتكشف بيانات وزارة التخطيط والتعاون الدولي، في نشرة (المستجدات الاقتصادية والاجتماعية) العدد 88، يناير 2026، عن انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 43% بين 2015 و2024، وخسائر تراكمية بلغت 126 مليار دولار حتى نهاية 2021، مع تحذيرات من ارتفاعها إلى 422 مليار دولار بحلول 2030 إذا استمر الصراع.
وانخفض متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى 471 دولارًا عام 2024 مقارنة بـ1430 دولارًا عام 2014. كما طال الفقر متعدد الأبعاد أكثر من نصف الأسر اليمنية، وتجاوزت بطالة الشباب 32%.
وقال مدير عام حقوق الإنسان بأمانة العاصمة فهمي الزبيري: إنّ ممارسات جماعة الحوثي منذ انقلابها تظهر نمطًا ممنهجًا من الفساد المالي والإداري ونهب الموارد العامة.
وأضاف للمنبر اليمني أنها حوّلت الإيرادات السيادية والعائدات الحكومية وأموال الزكاة بعيدًا عن أغراضها القانونية، ما تسبب في تردي الخدمات وتفاقم الأوضاع المعيشية والاقتصادية للمواطنين.
وفيما يتعلق بنهب الممتلكات العامة والخاصة قال: إنها شملت مصادرة أموال وأصول الشركات والأفراد، والسطو على العقارات والأوقاف، وفرض إتاوات غير قانونية على التجار والمستثمرين والمواطنين، ما قوّض بيئة الاستثمار، وشلّ النشاط الاقتصادي، ورفع معدلات الفقر والبطالة، في ظل غياب الرقابة القضائية والمالية المستقلة.
قمع وترهيب
وربط الزبيري بين هذه الممارسات وسجل الانتهاكات التي شملت "القتل، والاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، وتقييد الحريات، وتجنيد الأطفال، وزراعة الألغام، واستهداف المدنيين، وعرقلة المساعدات الإنسانية والتدخل في توزيعها".
وأوضح أنّ خطورتها تمتد إلى "تقويض سيادة القانون، وإضعاف مؤسسات الدولة، وإرساء اقتصاد قائم على الجباية والاحتكار، بما يعمق الانقسام المجتمعي ويعيق فرص التعافي وبناء السلام".
وبدأت هذه الانتهاكات في التصاعد منذ الساعات الأولى لاجتياح صنعاء، وقد وثق تقرير حقوقي في نوفمبر 2014 اقتحام 26 مؤسسة تعليمية، و29 مقرًا حزبيًا، و5 مؤسسات طبية، و62 منزلًا، إضافة إلى اقتحام أندية شبابية ومساكن طلابية ومنظمات مجتمعية، كما وثّق حقوقيون تعرّض 52 مسجدًا بصنعاء للنهب والاقتحام، وفرض أئمة وخطباء حوثيين بين 25 سبتمبر و18 نوفمبر 2014.
وفي تقريرها (عقد من الانهيار) قالت منظمة سام للحقوق والحريات: إن سياسات الحوثيين القمعية ساهمت في تفكيك النسيج الاجتماعي، وتصاعد الصراع الطائفي والقبلي، وزيادة التوترات بين الفئات السكانية دفع اليمنيين إلى العزلة والتشظي، وعقّد إعادة بناء دولة موحدة.
كما وثّقت اختطاف وإخفاء أكثر من 9800 شخص في سجون حوثية خاصة، تعرض بعضهم لتعذيب أدى إلى الوفاة، وفي صيف عام 2024 شنت الجماعة حملات اعتقال طالت أكثر من 60 موظفًا أمميًا وعاملًا في منظمات دولية ومحلية وبعثات دبلوماسية، بتهم التجسس، وهي اتهامات رفضتها الأمم المتحدة، وطالبت بالإفراج الفوري عنهم.
ولم تسلم من هذا العنف حتى النخب الأكاديمية، فقد وثّق تقرير نشرته منظمة رايتس رادار في سبتمبر 2025، وفاة أربعة أكاديميين جراء تعرضهم لتعذيب وحشي في سجون الحوثيين، بينهم أستاذ وأستاذ مشارك في جامعة صنعاء توفيَّا بعد أسابيع من الإفراج عنهما بحالة صحية سيئة للغاية.
ومن الوقائع التي وثقها التقرير: اقتحام اجتماع لنقابة هيئة التدريس بجامعة صنعاء في نوفمبر 2016، خُصص لمناقشة أوضاع الأكاديميين بعد انقطاع رواتبهم، وانتهى باعتداءات جسدية وتهديدات بالسلاح طالت عددًا منهم.
وبحسب شهادات نقلها التقرير، اقتحم رئيس الجامعة المعيّن من الحوثيين، فوزي الصغير، القاعة برفقة القيادي محمد علي الحوثي ومرافقيه، ولحق بهم الدكتور محمد المأخذي مع حشود من الشبان والشابات، فيما احتشد آخرون خارج القاعة.
وقال رئيس النقابة حينها الدكتور محمد الظاهري: إنّ أحد المهاجمين حاول انتزاع الميكروفون منه بالقوة، ثم قلب طاولة المنصة، وأشهر خنجرًا في وجهه محاولًا طعنه، قبل أن يتدخل الحاضرون.
كما طالت الاعتداءات الدكتورة ابتسام شمسان التي تعرضت للضرب والركل من إحدى عناصر الزينبيات أثناء محاولتها مغادرة القاعة، والدكتورة فاتن العريقي التي تعرضت للضرب ومحاولة طعن بـالجنبية من الدكتور المأخِذي ومرافقه أثناء محاولتها توثيق الاعتداءات بهاتفها.
وتصاعدت الانتهاكات بحق الأكاديميين خلال السنوات التالية لتشمل القتل والاختطاف والتضييق، وصولًا إلى إخراجهم من المساكن الجامعية، ما دفع العشرات إلى النزوح أو مغادرة البلاد، في نموذج يعكس مستوى القمع الذي طال حتى نخب المجتمع.
معركة دولة وهوية
تداعيات الانقلاب الحوثي لم تتوقف عند تدمير المؤسسات وإشعال الحرب، بل امتدت إلى إعادة تشكيل المشهد اليمني وتحويل البلاد إلى ساحة صراع إقليمي.
ورغم أن الحرب خلفت حتى نهاية عام 2021، نحو 377 ألف قتيل، وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن تداعياتها مرشحة للتصاعد مع استمرار الجماعة في التصعيد ضمن (محور المقاومة) بقيادة النظام الإيراني، واستهداف دول الجوار، وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
وبعد 12 عامًا على (نكبة 21 سبتمبر) لم يعد الصراع يدور على تقاسم السلطة، بل على هوية الدولة ومستقبل النظام الجمهوري، ويبقى مستقبل اليمن مرهونًا باستعادة الدولة، وإنهاء الانقلاب، وبناء سلام عادل يُعيد سيادة القانون وحقوق المواطنة.