وبالنظر إلى الواقع اليمني المعاصر - وبخاصة بعد التمرُّد الحوثي وسطوته على مؤسسات الدولة - يتجلَّى لنا بوضوح تام الحقائق التالية من الإفساد الحوثي:
١- الإفساد العقدي.
٢- الإفساد الأخلاقي.
٣- الإفساد السياسي.
٤- الإفساد الاقتصادي.
٥- الإفساد الأمني.
٦- الإفساد العقلي.
أولا: الإفساد العقدي
من المقرر شرعًا أن صحّة العقيدة هو الأساس الذي يقوم عليه بناء الإنسان في هذه الحياة، ويتحدد مصيره في الآخرة بناء على ذلك. وبالنظر إلى ما أحدثته ميليشيا الحوثي من انحرافات عقدية في اليمن، نجد أنفسنا أمام مشروع تخريبي مدمِّر يقوم على الغلوّ في الأفكار والمعتقدات المنحرفة، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر:
أ- سعيها الحثيث إلى إعادة تشكيل الوعي عقديًّا عن طريق أفكار تقوم على الغلو، وتضخيم الأشخاص، وربط الدين بطبقة سلالية، بما يتنافى مع أصول الإسلام التي تقرر ربط الناس بوحدانية الله وبخالقهم، ورفض كلّ سلوك يناقض هذه القضية الكلية.
ب- تعْمَد الميليشيا الحوثية إلى الطعن في الصحابة الكرام وتزييف التاريخ الإسلامي، والتشكيك في مصادر السنة، وتحريف النصوص وفقًا لرؤيتها العنصرية، ومحاولة فرض رؤيتها الطائفية المستجلبة من الانخراط في مشروع الثورة الخمينية والارتباط بمشروع ولاية الفقيه ومعتقداتها التي تتنافى مع عقيدة أهل السنة والجماعة التي يدين بها الغالبية العظمى من أبناء الشعب اليمني.
ج- محاربة العقيدة الصحيحة - عقيدة أهل السنة والجماعة - ومحاصرة منابرها في المساجد والمراكز ودور العلم والقرآن، وتعطيل رسالة المسجد وإتلاف الكتب النافعة.
د- الترويج في اليمن لعقائد الرافضة الاثني عشرية بما تحتوي عليه من شركيات وخرافات وطقوس، وترقي جماعة الحوثي من العقيدة الزيدية الجارودية المغالية إلى العقيدة الجعفرية الأكثر غلوًّا بسبب الدعم الإيراني وأنشطته المتعددة.
ثانيًا: الإفساد الأخلاقي
ومِن مظاهر الإفساد ما يصيب القيم الأخلاقية في المجتمع الذي رسخته الممارسات الحوثية، ومن ذلك:
أ- التحريض والكراهية، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وبث روح العداوة بين أبناء المجتمع الواحد، والقيام بالتحريش بين القبائل وزراعة الفتن بينهم، وتصنيف الناس على أساس الولاء لجماعة الحوثي.
ب- قمع المعارضين لأفكارهم وتبرير العنف وتغييب مبادئ العدل والرحمة، وتآكل المنظومة الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع اليمني المسلم. ولا شك أن الشريعة جاءت لإقامة العدل والإحسان، وأن كلَّ ما يناقض ذلك فهو من الإفساد.
ثالثًا: الإفساد السياسي
لبُّ السياسة في الإسلام قائم على تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وإقامة مبادئ العدل والشورى. وقد حوَّلت ميليشيا الحوثي مسارات السياسة في اليمن إلى أداة للسطو على مؤسسات الدولة بالقوة، والإرهاب، وفرض الأمر الواقع، وإلغاء إرادة الناس؛ وذلك من أعظم صور الإفساد. ويمكن تلخيصه في الآتي:
أ- قامت ميليشيا الحوثي بالانقلاب على مؤسسات الدولة، وتعطيل مسارها، وفرض سلطة أمر واقع بقوة السلاح؛ مما أدَّى إلى انهيار النظام العام، وتعطيل مصالح الناس، وإدخال البلاد في دوامة من الصراعات. وهذا النوع من الإفساد يدخل في معنى الحرابة من حيث الإخلال بالأمن العام، وتعريض حياة الناس ومصالحهم للخطر، وهو مما جاءت الشريعة بالتشديد فيه.
ب- صادر الحوثيون مقومات السيادة اليمنية والقرار السياسي، ورهنوه لأجندة المشروع الإيراني لزعزعة استقرار اليمن والمنطقة.
ج- مارس الحوثيون أبشع أنواع القمع السياسي ضد المعارضين، من خلال إغلاق مقرات القوى السياسية، والاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري، وتكميم الأفواه، ومصادرة الحريات العامة والخاصة؛ بما يعكس عقلية إقصائية ترفض الآخر وتسعى إلى إلغائه، وهو ما يتناقض مع مبادئ العدل والشورى التي أرساها الإسلام في إدارة شؤون الأمة.
رابعًا: الإفساد الاقتصادي
لا يقلُّ الجانب الاقتصادي خطورة عن غيره؛ إذ به تقوم معايش الناس، وقد تسببت الممارسات الحوثية في إضعاف الاقتصاد، وإفقار المجتمع اليمني من خلال جملة من الإجراءات، ومنها:
أ- السيطرة على الموارد، وفرض الجبايات غير المشروعة، وتعطيل المؤسسات الاقتصادية للدولة.
ب- حوَّلت موارد الدولة وما يقدَّم من الإعانات للشعب اليمني إلى المجهود الحربي على حساب احتياجات الناس الأساسية، وهو ما أدَّى إلى تفاقم الأزمات الإنسانية، وزيادة معدلات الفقر والبطالة. وهذا كله من صور أكل أموال الناس بالباطل، وهو مما حرّمته الشريعة الإسلامية تحريمًا قاطعًا.
ج- تنوّع أشكال الفساد الاقتصادي الحوثي بدءًا من فرض الجبايات غير القانونية تحت مسميات مختلفة، ومنها الخمس، والمجهود الحربي، وإتاوات المناسبات الدينية التي ابتدعوها، ونهب عوائد المؤسسات الإيرادية كشركات الاتصالات والبنوك، ومصادرة ممتلكات المواطنين والشركات الخاصة تحت ذريعة الحارس القضائي.
د- نهب المساعدات الإنسانية المقدَّمة من المنظمات الدولية وبيعها في الأسواق السوداء، مما يمثّل جريمة مركبة تجمع بين السرقة والتجويع المتعمد للمدنيين.
والغرض من هذا التدمير الممنهج للاقتصاد الوطني هو الوصول إلى إفقار المجتمع وإذلاله؛ ليسهل السيطرة عليه وتطويعه لخدمة المشروع الحوثي.
خامسًا: الإفساد الأمني
الأمن نعمة عظيمة وبدونه لا تستقيم حياة الناس، وقد أدَّى انتشار السلاح وغياب الدولة، وسيطرة ميليشيا الحوثي في مناطق نفوذها إلى جملة من المخاطر الأمنية، ومن أبرزها:
أ- ظهور حالة الفوضى الأمنية، بحيث أصبح الناس يعيشون في خوف دائم على أنفسهم وأموالهم.
ب- فشو الاختطافات والاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري، وترويع الآمنين، ومداهمة المنازل وهدمها؛ وذلك من أعظم صور الإفساد في الأرض.
ج- ارتكبت الميليشيا الحوثية جرائم ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، وفي مقدمتها زراعة الألغام الأرضية بشكل عشوائي ومكثف في مختلف المحافظات اليمنية. وهذه الألغام قد حصدت أرواح آلاف المدنيين، معظمهم من النساء والأطفال، وهي تمثِّل إرهابًا مستمرًّا يهدد حياة اليمنيين ويعيق عودتهم إلى قراهم ومزارعهم. ولاريب أن زراعة الألغام في الطرقات والمزارع ومناطق الرعي هو إفساد مباشر في الأرض، يتنافى مع كلِّ الشرائع السماوية والقوانين الدولية.
د- حوَّلت ميليشيا الحوثي يمن الإيمان إلى سجن كبير، ومارست أبشع أنواع الانتهاكات ضد المدنيين العزل. وهذا دليل قاطع على الطبيعة الإجرامية لهذه الميليشيا التي لا ترقب في مؤمن إلًّا ولا ذمَّة.
سادسًا: الإفساد العقلي
لعل من أخطر أوجه الإفساد وأبعدها أثرًا هو الإفساد العقلي؛ لأنه يستهدف تشكيل وعي الأجيال، وقد عملت الجماعة جملة من الممارسات المنحرفة في هذا المجال، ومن ذلك:
أ- تغيير المناهج التعليمية، وبث أفكارها عن طريق وسائل الإعلام، وتقديم سرديات تاريخية مشوّهة بهدف إعادة صياغة عقول الناشئة.
ب- تزيين باطلها، ونشر خرافاتها، وتسميم الأفكار بخطاباتها التعبوية.
ج- نشر المخدِّرات والمتاجرة في ذلك.
وهذا النوع من الإفساد يجعل الأجيال القادمة أكثر قابلية للانقياد، وأقل قدرة على النقد والتمييز، مما يطيل عمر هذ المشروع الفاسد؛ وهو داخل في معنى تزيين الباطل الذي حذَّر منه القرآن، بقوله: "ولا تلبسوا الحق بالباطل".
ميزان الشريعة في الحكم على هذه الممارسات المتعددة
إذا جمعنا هذه الأوجه كلها تبيَّن لنا أنها تشكل منظومة متكاملة من الإفساد لا تقف عند حد معين، بل تمتد لتشمل مختلف جوانب الحياة، والشريعة حينما تحدثت عن الإفساد في الأرض، لم تقصره على جانب دون آخر، بل جعلته وصفًا عامًا لكل ما يؤدي إلى اختلال نظام الحياة الذي أراده الله لعباده.
ومحصّلة ما يجري في اليمن اليوم يقدّم مثالًا واضحًا على خطورة الإفساد في الأرض حينما يتلبس بالتدين المنحرف المُغالي، ويسوق بخطاب دعائي مضلل، مما يحتم القيام بالمسؤولية الدينية والأخلاقية والقانونية لإنقاذ اليمن ومواجهة تلك الكارثة التي جلبتها ميليشيا الحوثي إلى الساحة اليمنية، وهي مسؤولية عامة تقع على عاتق الجميع وفي مقدمتهم الحكومة الشرعية ممثلة برئاسة الدولة والمجلس القيادي ورئاسة الحكومة وبقية المؤسسات، وكلها يجب أن تقوم بدورها وواجباتها في إخراج اليمن من دوامته. ولاشك أن هذه المسؤولية لا تقتصر على جانب دون آخر، بل تشمل كل من تضرر بسبب هذا المشروع السرطاني، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي. وعلى العلماء والمفكرين والإعلاميين مسؤولية بيان الحقيقة، وكشف زيف هذه الميليشيات، وتحصين المجتمع من ويلاتها. ومن المهم كذلك التأكيد على أن مواجهة الإفساد لا تكون بإفساد مثله، بل بالرجوع إلى أصول الشريعة، وإقامة العدل، ونشر الوعي الصحيح، والعمل على بناء الإنسان بناءً متوازنًا يجمع بين صحة العقيدة، واستقامة السلوك، ووعي الفكر؛ وبذلك يتحقق المقصود الأعظم من الشريعة، وهو عمارة الأرض على أساس من الحق والعدل، ودفع الفساد بكل صوره؛ ليحيا الناس في أمن واستقرار كما أراد الله لهم.