يمر اليمن اليوم بمرحلة استثنائية في التصدي للفكر الحوثي الكهنوتي، على سبيل الوصول إلى تحقيق استعادة الدولة، وهزيمة المشروع الانقلابي الحوثي المدعوم إيرانيًا، وتزداد أهمية هذا المسار نظرًا لعدوان هذا المشروع التخريبي على الشعب اليمني وعلى المنطقة كلها، ليس في جنايته على بنية الدولة وتركيبتها ومؤسساتها فحسب، بل في تعديه على جوهر العقيدة الإسلامية المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، مضيفًا إلى ذلك سعيه الحثيث لطمس الهوية اليمنية، وتزييف الوعي، وتجريف وإفساد التعليم، وتهديد أمن اليمن والإقليم.
ومن هنا يتجلى أنّ معركة استعادة الدولة وهزيمة المشروع الانقلابي غير محصورة في مسار واحد من سبل مواجهته، بل التحدي الأكبر يكمن في الحيلولة دون سيطرته على الإنسان، وإعادة تشكيل وعيه، وتغيير منظومته الفكرية، وفقًا لمفاهيم الاصطفاء في الحكم في ثوب مذهبي وطائفي.
وتبرز أهمية وحدة المكونات العلمية والدعوية في اليمن كضرورة شرعية ومسؤولية وطنية تحتمها طبيعة المرحلة وتحدياتها؛ لأنّ العلماء والدعاة والخطباء والمربين يمثلون أهم خطوط الدفاع عن عقيدة المجتمع ووعيه وهويته، وهم مطالبون اليوم بأن ينتقلوا إلى مرحلة أعلى من التنسيق والتكامل وتوحيد الأولويات.
وهذا لا يعني ذوبان المكونات في بعضها، ولا إلغاء خصوصياتها العلمية أو الدعوية، وإنما يقصد به الاتفاق والعمل على رؤية جامعة، وأولويات مشتركة، ومواقف واضحة تجاه الخطر الذي يهدد الجميع، مع تأجيل الخلافات الثانوية التي لا يجوز أن تستنزف الجهود في وقت يواجه فيه الشعب اليمني معركة وجودية.
ولتأكيد ذلك، يتطلب الأمر الوقوف على الآتي:
أولًا: امتثالًا للأمر الإلهي في وحدة الصف وجمع الكلمة: الأصل الشرعي الذي يجب أن يحكم علاقة المؤمنين بعضهم ببعض - ومن ذلك المكونات العلمية والدعوية- هو الاجتماع على الحق، والتعاون على البر والتقوى، ونبذ أسباب الفرقة والتنازع التي تُذهب القوة، وتُبدد الجهود، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾؛ فالتنازع في أوقات الشدائد والأزمات ثغرة خطيرة ينفذ منها الخصوم إلى تعميق الشروخ والتشظيات التي تحقق لهم أهدافهم وأطماعهم التي يسعون إليها؛ لتمكينهم من اختراق المجتمعات بمختلف فئاتها ومكوناتها. والعلماء والدعاة هم القدوة - بما لديهم من حكمة وبصيرة- في إدراك المخاطر، وفهمها، وترتيب الأولويات للحفاظ على الأصول العامة، والمقاصد الكلية، والثوابت الدينية والوطنية.
ثانيًا: خطورة التهديد الحوثي على المجتمع اليمني: خطورة المشروع الحوثي غير مختزلة في كونه ميليشيا مسلحة انقلبت على الدولة وتمردت عليها وعلى المجتمع فحسب، بل خطورته الأهم في كونه مشروعًا طائفيًّا وعقديًّا وسياسيًّا، يقوم على مفاهيم منحرفة في مجالات شتى عقائديًّا وسياسيًّا وأخلاقيًّا واقتصاديًّا، ومن أخطرها ترسيخ الحكم العنصري السلالي، ومنح فئة محددة قداسة وامتيازًا سياسيًّا، وتحريف النصوص والمفاهيم الدينية لتبرير تسلطها وهيمنتها، وهذه الخطورة لا تهدد فئة بعينها، أو حزبًا محددًا، ولا جماعة ولا مذهبًا فحسب، وإنما تهدد العقيدة والهوية الإسلامية والدولة والمجتمع والجمهورية والهوية الوطنية، ومبدأ المساواة بين اليمنيين. ومن القصور الشديد أن يتعامل أي مكون دعوي أو سياسي أو اجتماعي مع الحوثي باعتباره خصمًا لمكون آخر؛ لأنّ المشروع الحوثي الإيراني يستهدف جميع مكونات الشعب اليمني، والواقع شاهد على ذلك، وهو ما يوجب قيام تيار عام وموحّد لمواجهة هذه الكارثة الحوثية التي حلت بالشعب اليمني.
ثالثًا: حماية عقيدة المجتمع: يعمل الحوثيون اليوم بجميع إمكاناتهم على السيطرة الفكرية والثقافية، وتجريف مناهج التعليم، وإقامة الدورات والأنشطة المتعددة، وتكريس خطاب طائفي ومذهبي قائم على تحريف المفاهيم الدينية الصحيحة، وتوجيه الأجيال وفق تصورات تخدم مشروعهم الطائفي السلالي، المرتبط بمشروع ولاية الفقيه الإيراني.
وسر ذلك النشاط المحموم إدراك ميليشيا الحوثي أنّ السيطرة العسكرية لن تدوم إذا لم تتحوّل إلى سيطرة فكرية وثقافية، وذلك يُحَتِّمُ على جميع المكونات العلمية والدعوية بمختلف مسمياتها، أن تسعى وتساهم في بناء حصانة فكرية وعقدية لدى المجتمع، وفق رؤية شاملة، لا تقوم على مجرد ردود الأفعال الموسمية، بل على مشروع مستمر ومنظم، يشتمل على تفكيك الشبهات الفكرية والعقدية بالحجة والعلم، وتقديم المفاهيم الإسلامية الصحيحة العقدية، ومن بينها العدل والشورى والمساواة، وكرامة الإنسان اليمني، وصيانة حقوقه التي أهدرها الحوثيون، ورفض تحويل العنصرية السلالية إلى مصدر للامتياز السياسي وحق اختصاص الحكم المزعوم، وحماية الناشئة من التعبئة الفكرية والطائفية، مع إنتاج خطاب دعوي حديث يخاطب الشباب بلغتهم، ويفهم أدوات العصر، وتوظيف المنابر والمساحات الثقافية والإعلامية لكشف حقيقة تضليل الخطاب السلالي ومخادعته؛ فالمجتمع حين يمتلك وعيًا صحيحًا يصعب تضليله، والجيل الذي يفهم دينه فهمًا صحيحًا يصعب تحويله إلى أداة في مشروع قائم على تقديس الطائفة والسلالة.
رابعًا: توحيد الخطاب الدعوي: من الضرورة بمكان أنْ تتفق المكونات العلمية والدعوية على توحيد الرؤية فيما يتعلق بالخطاب المشترك في القضايا الشرعية والوطنية الكبرى، وفي مقدمة ذلك بيان الانحرافات الحوثية المتعددة، وتوجيه الناس إلى خطورة سفك الدماء، واستباحة أموال الناس وحقوقهم باسم الولاية أو المسيرة، أو أي شعارات دينية، وتحذيرهم من التحشيد لصالح الميليشيا، وحماية الشباب والأطفال من الاستقطاب الحوثي الذي يزج بهم في معاركه العبثية، ورفض تحويل الشعارات الدينية والطائفية إلى أدوات للتّسلط على الناس ونهب ممتلكاتهم، مع التأكيد على أنّ اليمن وطن لجميع أبنائه، وأنّ الدولة حق مشترك لجميع مواطنيها.
وتوحيد الخطاب لا يعني تطابق الجميع بعبارات موحدة، وإنما ألّا تكون هناك رسائل متناقضة في القضايا المصيرية، وأنْ يدرك الجميع أنّ المرجعيات العلمية والدعوية - وإن اختلفت مدارسها وتوجهاتها واجتهاداتها- تقف في خندق واحد، عندما يتعلق الأمر بحماية الدين والوطن.
خامسًا: إسناد القيادة السياسية لاستعادة الدولة: المعركة السياسية والعسكرية اليوم بأمس الحاجة إلى إسناد فكري ومعنوي وتعبوي؛ فمؤسسات الدولة بمختلف مستوياتها، والجيش وجميع التشكيلات العسكرية والمقاومة يقدمون التضحيات من أجل استعادة الدولة، وهوية اليمن ومستقبله. ومن واجب العلماء والدعاة أنْ يقدموا الإسناد المعنوي والفكري لهذه المعركة، وأن يوضحوا للمجتمع حقيقة الصراع، وخلفياته العقدية والتاريخية، وطبيعة المشروع الذي يواجهونه، وخطورة الاستسلام له، وفقًا لخطة ورؤية تتطلب رفع المعنويات الإيمانية لدى الشعب اليمني، وتعزيز معاني الصبر والثبات، وترسيخ أخلاقيات الحرب، وتحصين المجتمع والمقاتلين -خصوصًا- من الدعايات الحوثية وأراجيفها، والحثّ على دعم ورعاية أسر الشهداء والجرحى والمختطفين، والإشادة بتضحياتهم، وترسيخ مفهوم أهمية الدولة القائمة على أسس العدل، وكونها تحقق الضمانة لجميع اليمنيين.
إن استعادة الدولة، وإنهاء مشروع الانقلاب والتمرد ليست مسؤولية رجال السياسة والجيش فقط، كما أنّ حماية المجتمع من الانحرافات العقدية والفكرية ليست مسؤولية العلماء والدعاة فحسب، وإنما هي معركة تكامل بين الجميع.
سادسًا: سد الثغرات: يتعين على المكونات العلمية والدعوية القيام بسد الثغرات التي يستثمرها الحوثيون لتمزيق المجتمع وإشعال الفتن والاضطرابات وخلق الانقسامات في جميع مكوناته. وخير ما تفعله المكونات أنْ تدرك أنّ إدارة الخلاف فيما بينها جزء من إدارة المعركة ضد المشروع الحوثي؛ فالخلافات طبيعة بشرية لا يمكن إلغاؤها، والتباين في الاجتهادات والمدارس والأولويات أمر طبيعي، لكن الخطورة تبدأ عندما يتحوّل الخلاف إلى تراشقات متبادلة على قضايا جزئية، وتنافس مذموم، وعصبيات وتحزبات مقيتة، وتصفية حسابات، ووشايات. ومن الحكمة والسياسة الشرعية أن تُؤجَّل كثير من قضايا الخلاف التي يمكن تأجيلها، وأنْ تُدار الخلافات عبر الحوار واللجان المشتركة، وليس عبر المنابر المفتوحة ووسائل التواصل، والمطلوب ليس أن يتفق الجميع في كل شيء، وإنما المطلوب ألا يختلفوا في قضايا يستفيد منها العدو المتربص بالجميع.
سابعًا: العمل المؤسسي المشترك: من الخطوات العملية التفكير الجاد في إيجاد خطوات وآليات لتحقيق العمل المؤسسي بين المكونات العلمية والدعوية، ومن ذلك البناء على مشروع التنسيق بين المكونات العلمية والدعوية المنبثق من برنامج التواصل مع علماء اليمن، الذي تمت رعايته من قبل وزارة الشؤون الإسلامية في المملكة العربية السعودية، وهو مشروع عظيم يمكن تطويره ليستوعب بقية المكونات العلمية والدعوية في اليمن، عبر إنشاء إطار أوسع، وتنسيق جامع لعموم المدارس والمكونات، وتفعيل الميثاق العلمي والدعوي الذي وقّعت عليه أهم المكونات، المشتمل على أهم المبادئ والثوابت التي تجمعهم في مواجهة الفكر الحوثي وحماية الدولة والمجتمع.
وينشأ عن ذلك تشكيل لجان متخصصة مشتركة في المجالات العلمية والفكرية والإعلامية والتعليمية والشبابية والبحثية، مع إنشاء مرصد للشبهات والخطاب الحوثي؛ لمتابعة ما تبثه الميليشيات من أفكار وشبهات ومفاهيم ضالة. ويتطلب ذلك إعداد الردود العلمية المناسبة لبيان زيفها، ومحاصرة انتشارها، واتساع أثرها، وينبغي أنْ تشترك المكونات في إنتاج محتويات موحدة ومتنوعة حول الخطب والدروس، والمقاطع المرئية، والمواد المختصرة، والبحوث والبرامج الموجهة للشباب، وعقد المؤتمرات واللقاءات الدورية بين العلماء والدعاة في اليمن؛ لتقريب وجهات النظر، ومعالجة الإشكالات قبل تحولها إلى أزمات بين المكونات.
ثامنًا: تجاوز الحزبيات الضيقة: من أخطر ما يمكن أنْ تقع فيه القوى المناهضة للحوثي بمختلف توجهاتها السياسية والاجتماعية والفكرية، أنْ تتحوّل معركة استعادة الدولة إلى معركة مكاسب حزبية، أو صراع على الحصص؛ فالعلماء والدعاة يجب أنْ يكونوا أكبر من الحسابات الضيقة، وأنْ يدركوا أنّ المجتمع اليمني يحتاج إلى خطاب يجمعه ولا يفرقه، ويعالج جراحاته ولا يزيدها.
والمرحلة تحتاج إلى خطاب يجعل الناس شركاء في حماية الثوابت الدينية والوطنية، وحفظ كرامة الناس، واحترام حقوقهم المشروعة، وحقّهم في بناء الدولة والوطن، على النقيض من الخطاب العنصري السلالي المرتهن للنظام الإيراني القائم على الاحتكار والاصطفاء المزعوم.
تاسعًا: تقديم المصلحة العليا لليمن على المصالح الجزئية:
إنّ الحكمة تقتضي اليوم إعادة ترتيب الأولويات؛ فليس كلّ خلاف يستحق أنْ يتحول إلى معركة وتنافر بين المكونات، وليس كل تباين في الآراء يحتاج إلى خصومة، وليست كل قضية يمكن حسمها، وبخاصة في زمن الحرب والأزمات، والمصلحة العليا اليوم تقتضي أنْ يدرك الجميع أنّ حماية عقيدة المجتمع المستمدة من كتاب الله وسنة نبيه أولوية، وأنّ استعادة الدولة أولوية، وإنقاذ الأجيال من الفكر الطائفي السلالي المنحرف أولوية، والحفاظ على وحدة المجتمع أولوية، وما عدا ذلك من الخلافات يمكن أن يناقش في أوقاته المناسبة، وفق قواعد العلم والعدل وأدبيات الحوار.
الخاتمة:
المرحلة الراهنة لا تحتمل ترفًا فكريًّا، ولا تنافسًا ضيقًا، ولا انشغالًا بصراعات جانبية تستنزف القوى والمكونات التي يفترض أنْ تتكامل في مواجهة الخطر الأكبر، المتمثل في مشروع طائفي سلالي مدعوم من ملالي طهران والحكومة الإيرانية؛ لتوسيع نفوذها في المنطقة وتصدير ثورتها الخمينية، وجعل اليمن منصة للأذى المتعدي -عبر ذراعها وخادمها الحوثي- إلى دول الجوار، وعلى وجه الخصوص الأشقاء في المملكة العربية السعودية التي ساندت ودعمت -ولا تزال- الشعب اليمني، ووقفت معه في هذه الفتنة والجائحة، وقدّمت جهودًا كبيرة في مختلف المجالات.
ولا ريب أنّ هؤلاء الحوثة ليس لهم عهد ولا ذمة، ولا يَمُتُّون إلى الشعب اليمني وأخلاقه وقيمه وعاداته بصلة، ولا يرون أنفسهم معنيين بمصالح الشعب اليمني، وجُلّ جهودهم وأعمالهم تصبُّ في مصلحة المشروع الإيراني التوسعي العدواني، وذلك كله يستدعي قيام المكونات العلمية والدعوية في اليمن بمسؤولياتها أمام الله أولًا، ثم أمام عقيدتها ودينها ووطنها ثانيًا.
وحينما نؤكد على ضرورة وحدة المكونات لا يعني انصهار هذه المكونات في منظومة واحدة، ولا ذوبان مدارسها وخصوصياتها، ولا إلغاء حقها في الاختلاف والاجتهاد، وإنما المراد توحيد الرؤية تجاه القضايا المصيرية، وتنسيق المواقف، وتكامل الجهود، وتأجيل النزاعات البينية التي لا ينبغي أن تتقدم على معركة حماية اليمن؛ فالمشروع الحوثي لا يُواجه بالشتات، ولا بالفوضى، ولا بردود الأفعال المتفرقة، بل يحتاج إلى جبهة وعي متماسكة، وخطاب علمي رصين، وعلماء ودعاة يدركون حجم مسؤوليتهم التاريخية.
إنّ استعادة اليمن لسيادته ودولته وهويته تبدأ من استعادة الوعي السليم في المجتمع، ووحدة الكلمة حول الثوابت الكبرى، وإدراك أنّ الخلاف المشروع يجب أن يبقى في حجمه الطبيعي، وألّا يتحول إلى أداة تهدم الصف، وتخدم المشروع الذي يستهدف الجميع.
وحين يدرك الجميع أنّ اليمن أكبر من الأحزاب والجماعات والأشخاص، تصبح وحدة المكونات العلمية والدعوية قوة فكرية ووطنية، قادرة على الإسهام الحقيقي في هزيمة الفكر الكهنوتي، وحماية المجتمع، وتمهيد الطريق لاستعادة الدولة اليمنية وبناء مستقبلها.

د محمد بن موسى العامري
مستشار رئيس الجمهورية
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





