ومع عظيم أثر الجامعات، فإنّ هناك مؤسسات أخرى لا تقل شأنًا في أثرها، بل ربما فاقتها في بعض الجوانب التربوية والدعوية، وهي مراكز أهل السنة في اليمن، التي تُعد بحق مدارس شاملة للتربية والتعليم، فهذه المراكز لا تقتصر على التعليم الأكاديمي المجرد، بل تقوم بدور متكامل يشمل تربية الطلاب على العقيدة الصحيحة، وغرس الأخلاق الحميدة، وتخريج أجيال تحمل همّ دينها ومجتمعها معًا.
ولا يتوقف أثر هذه المراكز عند الجانب التربوي والعقدي، بل يمتد إلى العناية الكاملة بشؤون الطلاب الحياتية؛ من سكنٍ وغذاءٍ ورعايةٍ ومتابعةٍ وحراسة، وهو ما يجعلها بيئة تربوية متكاملة، تتكفل بالطالب جسدًا وعقلًا وروحًا، فتُخرج نماذج صالحة نافعة لمجتمعها، وهذا النمط من الرعاية الشاملة قلّ أن تجده في مؤسسة تعليمية أخرى؛ إذ يُجمع بين التعليم والسكن والتربية والحماية في منظومة واحدة، وهذا بحد ذاته جهد يستحق التقدير والدعم، لا سيما أنه يُقدَّم غالبًا بإمكانات محدودة، وبتضحيات شخصية من القائمين عليه.
إن الجامعات تُعنى غالبًا ببناء الجانب العلمي والتخصصي، وتخريج الأطباء والمهندسين وأصحاب التخصصات المختلفة، بينما تُعنى مراكز أهل السنة ببناء الإنسان من جذوره؛ عقيدةً وسلوكًا وأخلاقًا، فتصنع الأساس الذي ينطلق منه كل تخصص لاحق. وهذا التكامل بين المؤسستين - لو أُحسن استثماره - كفيل بأنْ يُخرج جيلًا متوازنًا، يجمع بين العلم والدين، ومن هنا يمكن القول: إنّ هذه المراكز تُسهم في صناعة الاستقرار الفكري والديني، وتحصين الشباب من الانحرافات العقدية والسلوكية، وهو دور لا غنى عنه لأي مجتمع يسعى إلى البقاء على ثوابته، خصوصًا في بلدٍ كاليمن الذي تحيط به تيارات فكرية متعددة، بعضها متطرف وبعضها منحرف عن جادة أهل السنة والجماعة.
يضاف إلى ذلك أن القائمين على هذه المراكز يبذلون جهودًا عظيمة في سبيل أداء هذه الرسالة، غالبًا في ظروف محدودة الإمكانات، ووسط تحديات أمنية ومادية متزايدة، مما يجعل دعمهم ومساندتهم واجبًا شرعيًا وأخلاقيًا؛ فالدعاء لهم، والذب عن منهجهم، والحفاظ عليهم، ومدّ يد العون لهم، من صور الإعانة على الخير، ومن أبواب العبادة التي يُرجى أجرها عند الله. وقد قال النبي ﷺ: "من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله" (رواه مسلم)، فكيف بمن أعان أهل الخير مباشرة على الاستمرار في نشر الخير؟
إنّ الناظر في سيرة هذه المراكز على مر السنوات الماضية التي تجاوزت الثلاثين سنة، يجد أثرها جليًّا في المجتمع اليمني - بل وعلى العالم الإسلامي عمومًا- وعم خيرها كلِّ مدن اليمن؛ فإن احتاج المجتمع قُراءً وحُفاظًا للقرآن الكريم وَجَدْتَ المئات منهم قد ملأوا المساجد، يؤمّون الناس ويعلّمونهم كتاب الله، وإنِ احتاج إلى دعاة يردّون الشبهات ويثبّتون الناس على الحق وَجَدْتَ من بين خريجي هذه المراكز من ينهض بهذا الواجب خير قيام، وهذه ثمرة مباشرة لتلك التربية الطويلة التي غُرست في نفوسهم منذ الصغر.
وهذه المراكز تدعو الناس إلى جملة من الأصول والقيم، يقوم كل واحد منها على دليل واضح من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وفيما يلي بيان لأبرز هذه الأصول وأدلتها:
فهي تدعو أولًا إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وهو أصل الأصول، وأساس الدين كله، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: 5)، وقوله ﷺ لمعاذ بن جبل حين سأله: "أتدري ما حق الله على العباد؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا" (متفق عليه)، فبيّن أنّ أول ما يجب على العبد تجاه ربه هو إفراده بالعبادة دون سواه، وهذا هو جوهر ما تُربّي عليه هذه المراكز طلابها منذ نعومة أظفارهم.
وتدعو ثانيًا إلى المحافظة على الصلوات الخمس؛ لكونها عمود الدين، وأول ما يُحاسب عليه العبد، لقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (البقرة: 238)، ولقوله ﷺ: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (رواه الترمذي)، وهذا يُبيّن خطورة التهاون بها، وأهمية غرسها في نفوس الناشئة منذ الصغر، حتى تصبح جزءًا من حياتهم اليومية.
وتدعو ثالثًا إلى أداء الحقوق والأمانات، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ (النحل: 90)، ولقوله ﷺ: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" (رواه أبو داود والترمذي)، وهذا الأصل يبني في نفوس الطلاب قيمة الصدق والوفاء التي يحتاجها المجتمع في كل تعاملاته.
وتدعو رابعًا إلى نبذ الفوضى ولزوم السمع والطاعة لولاة الأمر بالمعروف، وهذا من أهم ما يُميّز منهج أهل السنة والجماعة عن غيرهم من الفرق التي تُبيح الخروج والفوضى، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59)، ولقوله ﷺ: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية" (رواه مسلم)، وهذا الأصل وحده كفيل بحفظ أمن المجتمعات واستقرارها إذا رُبّي عليه الناشئة.
وتدعو خامسًا إلى الوسطية ونبذ الغلو والانحلال، فهي تسير بين طرفي الإفراط والتفريط، لقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: 143)، ولقوله ﷺ: "إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" (رواه النسائي وابن ماجه)، وهذا الأصل من أهم ما تحتاجه الساحة اليمنية اليوم وسط التجاذبات الفكرية المتطرفة من جهة، والمنحلة من جهة أخرى.
وتدعو سادسًا إلى تحريم سفك الدماء المعصومة، وحرمة النفس البشرية، لقوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32)، ولقوله ﷺ في خطبة حجة الوداع: "فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" (متفق عليه)، وهذا الأصل يحفظ المجتمع من الاقتتال الداخلي ويُرسّخ قيمة الحياة الإنسانية.
وتدعو سابعًا إلى معرفة حق الصحابة وحقوق آل بيت النبوة، وإنزال كل ذي فضل منزلته، لقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ... رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (التوبة: 100)، ولقوله ﷺ: "لا تسبوا أصحابي" (متفق عليه)، وهذا الأصل يحمي الأمة من الفتن التي تُثيرها بعض الفرق حول الصحابة رضي الله عنهم.
وتدعو ثامنًا إلى نبذ العصبية القبلية والعنصرية والطائفية، وجعل التقوى هي الميزان الوحيد للتفاضل بين الناس، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13)، ولقوله ﷺ: "ليس منا من دعا إلى عصبية" (رواه أبو داود)، وهذا من أعظم ما يحتاجه المجتمع اليمني بتعدد قبائله ومناطقه، إذ يُذيب الفوارق ويجمع الناس على أساس التقوى لا النسب.
وتدعو تاسعًا إلى الاجتماع على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، بعيدًا عن التفرق والاختلاف المذموم، لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103)، ولقوله ﷺ حين سُئل عن الفرقة الناجية: "ما أنا عليه وأصحابي" (رواه الترمذي)، وهذا الأصل هو الضابط المنهجي الذي يُميّز دعوة أهل السنة عن سائر الدعوات المعاصرة.
وتدعو عاشرًا إلى مكارم الأخلاق والمحبة والألفة بين الناس، لقوله ﷺ: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (رواه أحمد ومالك)، ولقوله ﷺ: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" (متفق عليه)، وهذا الأصل يظهر أثره جليًا في العلاقات الاجتماعية بين خريجي هذه المراكز وتماسكهم فيما بينهم.
وأخيرًا تدعو إلى حفظ الأمن والأمان في المجتمع؛ باعتباره ثمرة طبيعية للالتزام بهذه الأصول مجتمعة، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: 82)، ولقوله ﷺ: "من أصبح آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا" (رواه الترمذي)، فمن نظر إلى حال هذه المراكز وطلابها وجد فيها الأمن والأمان، لأنهم يدعون إليه بأقوالهم وأفعالهم معًا.
وخلاصة القول: إنّ الجامعات ومراكز أهل السنة في اليمن مؤسستان متكاملتان لا متنافستان، إحداهما تبني العقل والتخصص، والأخرى تبني القلب والعقيدة والسلوك، وحين تجتمع ثمرتاهما في جيل واحد يُنتج مجتمعًا متماسكًا قويًا، وما ينبغي التنبه له أنّ مراكز أهل السنة - رغم عظيم أثرها - فالواجب يقتضي مضاعفة الاهتمام بها، وتقدير جهود القائمين عليها، والوقوف معهم بكل ما يُعينهم على الاستمرار في أداء هذه الرسالة العظيمة التي حفظت - ولا تزال تحفظ - للمجتمع اليمني هويته وقيمه وسط عواصف الفتن المتلاطمة.
وإن المتأمل في واقع اليمن اليوم، وما يعانيه من صراعات وتجاذبات فكرية وسياسية، يدرك أن الحاجة إلى مثل هذه المراكز أصبحت أشد من أي وقت مضى؛ فهي الحصن الذي يحمي الناشئة من الانجراف خلف الدعوات الطائفية المغرضة التي تسعى إلى تفكيك المجتمع وزرع الفرقة بين أبنائه، ومن هنا فإن مسؤولية دعم هذه المراكز لا تقع على عاتق القائمين عليها وحدهم، بل هي مسؤولية جماعية، كلٌّ بحسب استطاعته؛ فمن استطاع أن يدعم بماله فليفعل، ومن استطاع أن يدعم بجاهه وعلاقاته فليفعل، ومن لم يستطع إلا الدعاء فليكثر منه، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
وليس أدل على أهمية هذا الدعم من أن نتاج هذه المراكز يظهر جليًا في كل ساحة تحتاج إلى علم شرعي راسخ ومنهج وسطي معتدل؛ ففي المساجد نجد أئمتها وخطباءها، وفي ساحات الدعوة نجد من يتصدى للشبهات ويردها بالحجة والبرهان، وفي المجتمع عمومًا نجد أثر تربيتهم في سلوكهم وتعاملهم مع الناس، وهذا كله يؤكد أنّ ما يُبذل من جهد ومال في سبيل دعم هذه المراكز إنما هو استثمار طويل الأمد في مستقبل المجتمع اليمني، وصيانة لهويته الدينية من التشويه والتحريف الذي تسعى إليه بعض التيارات المنحرفة، ولا سيما في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها البلد.