يستحق قرار رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني إنشاء مركز التواصل الحكومي التابع لمكتب رئيس الوزراء الإشادة والتقدير، بوصفه خطوة إيجابية ومهمة في مسار تطوير الأداء الحكومي، خصوصًا أنه جاء في ظرف استثنائي يتطلب مزيدًا من تنسيق العمليات الاتصالية وتبادل المعلومات وتوحيد الرسائل الإعلامية، وتعزيز التنسيق والتكامل بين الوزارات والجهات الحكومية.
وتبرز أهمية هذا القرار بالنظر إلى طبيعة المرحلة التي تمر بها اليمن، وما تفرضه من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية وإعلامية، تستدعي وجود منظومة اتصال حكومي قادرة على تنسيق المواقف والتصريحات الرسمية، وضمان اتساقها مع السياسات العامة للدولة وأولويات الحكومة، وتقديم خطاب واضح يعبر عن توجهاتها ويواكب الأحداث والتطورات المتسارعة.
لقد أصبحت الحكومات الحديثة تولي الاتصال الحكومي اهتمامًا متزايدًا، وتتجه نحو إنشاء مراكز متخصصة تتولى توحيد رؤاها الإعلامية وتنسيق رسائلها وتطوير آليات التواصل مع الجمهور، انطلاقًا من إدراكها لأهمية المعلومات في إدارة الشأن العام، وتعزيز الشفافية، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع. ويأتي هذا التوجه امتدادًا لمسارات التطوير الإداري والمؤسسي التي تسعى إلى رفع كفاءة الأداء الحكومي، وتعزيز التكامل بين المؤسسات، وتوظيف وسائل الاتصال الحديثة في خدمة السياسات والبرامج الحكومية.
ومن هنا، فإن إنشاء مركز التواصل الحكومي في اليمن يمثل خطوة نحو الانتقال من العمل الإعلامي المتفرق إلى عمل مؤسسي أكثر تنظيمًا وتكاملًا، تتلاقى فيه جهود الوزارات والمؤسسات ضمن رؤية اتصالية مشتركة، مع احتفاظ كل جهة باختصاصاتها ومسؤولياتها، بما يضمن وحدة الخطاب الرسمي واتساق الرسائل الإعلامية الصادرة عن مؤسسات الدولة.
ولعل من أبرز المبررات التي تعزز أهمية هذا القرار ما شهدته بعض المؤسسات الحكومية من تباين في المواقف والتصريحات بشأن القضايا العامة، وصدور بيانات ورسائل إعلامية متعارضة أحيانًا نتيجة ضعف التنسيق والاجتهادات الفردية، الأمر الذي قد يربك الرأي العام ويؤثر في وضوح الموقف الحكومي ومصداقيته.
وتبرز هنا الحاجة إلى وجود مرجعية مؤسسية تتولى تنسيق الرسائل الإعلامية، ومراجعة مضامين البيانات الرسمية المتعلقة بالقضايا الوطنية والملفات المشتركة قبل صدورها، بالتعاون مع الجهات المختصة، بما يحد من التناقضات ويضمن التعبير عن الموقف الحكومي بصورة واضحة ومتسقة. وهذه واحدة من أهم الوظائف التي ينبغي أن يضطلع بها المركز، وفق آلية تنظيمية محددة تراعي اختصاصات الوزارات وتضمن سرعة إصدار البيانات والتوضيحات الرسمية.
ومن الجوانب المهمة للقرار أيضًا مواكبة التحولات الكبيرة التي شهدها الإعلام والاتصال الرقمي، فقد تجاوز الاتصال الحكومي بمفهومه الحديث حدود نشر الأخبار والبيانات والتغطيات التقليدية للأنشطة الرسمية، وأصبح عملًا مؤسسيًا يقوم على التخطيط والرصد والتحليل وإدارة الرسائل والتفاعل مع الجمهور وقياس أثرها. ولهذا فإن المركز يمثل فرصة لتطوير أدوات الاتصال الحكومي، والاستفادة من التقنيات والمنصات الرقمية في عرض السياسات والقرارات والبرامج الحكومية وتبسيطها، بما يساعد المواطنين على فهمها ومعرفة آثارها على حياتهم.
وتتضح أهمية المركز كذلك في التعامل مع الشائعات والمعلومات المضللة، التي أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه الحكومات، وتزداد خطورتها في البلدان التي تعيش صراعات وأزمات ممتدة. فوجود جهة متخصصة في تنسيق المعلومات والتحقق منها وتقديم التوضيحات الرسمية في الوقت المناسب، يساعد على الحد من الفراغ المعلوماتي، ويوفر للمواطنين ووسائل الإعلام مصادر موثوقة لمعرفة حقيقة الأحداث والقرارات والإجراءات الحكومية.
وفي الحالة اليمنية تحديدًا، تكتسب هذه المهمة أهمية مضاعفة، في ظل الحرب التي تخوضها الدولة ضد مليشيا الحوثي، وما يصاحبها من حملات دعائية ومحاولات للتأثير في الرأي العام وتشويه المواقف والحقائق. ولهذا فإن تطوير منظومة الاتصال الحكومي يمثل أحد المتطلبات المهمة لتعزيز حضور الدولة في المجال الإعلامي، وتقديم مواقفها وسياساتها بصورة واضحة، وإبراز جهود مؤسساتها في مختلف المجالات، والتعامل مع المعلومات المضللة بالحقائق والبيانات الموثوقة، إلى جانب تطوير خطاب حكومي موجه للرأي العام الإقليمي والدولي يعكس أولويات الحكومة ومواقفها تجاه القضايا الوطنية.
ومن الجوانب المهمة لهذا القرار تعزيز الشفافية والتواصل مع المواطنين، فالحكومة بحاجة إلى شرح قراراتها وسياساتها وبرامجها، وتوضيح ما تنفذه من أعمال وما تواجهه من تحديات، والمواطن بدوره بحاجة إلى معلومات دقيقة تساعده على فهم ما يجري ومعرفة الإجراءات التي تتخذها المؤسسات الحكومية وأثرها في حياته. وكلما كان التواصل أكثر وضوحًا وانتظامًا، تعززت فرص بناء الثقة وتحقيق التفاعل الإيجابي بين الحكومة والمجتمع.
ويمتد دور المركز إلى تحسين إدارة الاتصال أثناء الأزمات، وتنسيق المواقف والرسائل الرسمية في القضايا الحساسة، والاستجابة السريعة للتطورات السياسية والأمنية والاقتصادية والخدمية، بما يمنع تضارب المعلومات وتأخر التوضيحات الحكومية، ويعزز قدرة مؤسسات الدولة على التعامل مع الأحداث بمسؤولية ومهنية.
وتبرز أهمية المركز كذلك في مأسسة العمل الاتصالي وضمان استمراريته، من خلال الانتقال من الاعتماد على المبادرات الفردية وردود الأفعال إلى منظومة تقوم على التخطيط المسبق، وتحديد المسؤوليات، واعتماد المعايير المهنية، والرصد والتحليل وقياس اتجاهات الرأي العام، بما يساعد الحكومة على فهم احتياجات المواطنين وتطوير رسائلها وفقًا للواقع والتحديات القائمة.
ولعل من أبرز دلالات هذا القرار ارتباط المركز بمكتب رئيس مجلس الوزراء، وهو ما يمنحه موقعًا تنظيميًا مهمًا لتعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية، وتسهيل تبادل المعلومات، وتطوير آليات التواصل المؤسسي. وتبقى فاعلية هذا الارتباط مرهونة بتحديد الاختصاصات والصلاحيات، وتوفير الكوادر المؤهلة والأدوات اللازمة، وبناء علاقة تكامل واضحة بين المركز ووزارة الإعلام والمكاتب الإعلامية في مختلف المؤسسات.
لقد جاء القرار في توقيت مهم، وتزداد قيمته بما سيحققه من نتائج عملية على مستوى الأداء الحكومي. ومن هنا تبرز مسؤولية جميع الوزارات والمؤسسات والجهات الحكومية في التعاون مع المركز، وتزويده بالمعلومات والبيانات اللازمة، والتنسيق المسبق معه في البيانات والمواقف الإعلامية المتعلقة بالقضايا العامة، والتفاعل مع الآليات التي سيعمل على تطويرها. فنجاح المركز يتطلب تعاونًا مؤسسيًا جادًا، وإدراكًا مشتركًا لأهمية الاتصال الحكومي ودوره في تطوير أداء الدولة، وهو ما نأمل أن نشهده خلال المرحلة المقبلة.

أحمد الصباحي
رئيس التحرير
كاتب في مجلة المنبر اليمني.




