إن مكة المكرمة والمدينة المنورة أعظم البقاع في قلوب المسلمين، ومهوى أفئدتهم، ومقصد الحجاج والمعتمرين والزوار من مختلف أنحاء العالم. وقد قرر القرآن الكريم حرمة البيت الحرام ومكانته، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25]. ومن مقتضيات هذه الحرمة صيانة أمن الحرمين وقاصديهما، وعدم تعريضهم للصواريخ والمسيّرات أو غيرها من الأخطار العسكرية. ولا تقتصر الخطورة على إصابة الكعبة أو المسجد النبوي مباشرة، بل تشمل محيطهما ومداخل الوصول إليهما والمطارات والطرق والمرافق التي يعتمد عليها الحجاج والمعتمرون.
أولًا: خطورة الصواريخ والمسيّرات على الحرمين وقاصديهما
لا يوجد مطار تجاري دولي داخل مكة المكرمة، ويعتمد الوصول الجوي إليها بدرجة كبيرة على مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة، كما يخدم مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الحجاج والزوار القاصدين المدينة المنورة.
ومن ثم، فإن إطلاق الصواريخ أو المسيّرات باتجاه مكة أو المدينة أو محيطهما، أو استهداف المطارات والطرق والمرافق المدنية، قد يؤدي إلى:
- تعريض الحجاج والمعتمرين والمسافرين للخطر، حتى إذا لم يصب المقذوف المسجد الحرام أو المسجد النبوي.
- سقوط شظايا الصواريخ المعترضة في مناطق مأهولة، وما قد ينجم عنها من إصابات وأضرار.
- اضطراب حركة الطيران وإلغاء الرحلات أو تغيير مساراتها وتأخير وصول الحجاج والمعتمرين.
- بث الخوف في نفوس المسلمين، بما قد يدفع بعضهم إلى تأجيل الحج أو العمرة أو العدول عنهما.
- الإضرار بالمرافق المدنية والخدمات الأساسية التي يحتاج إليها السكان والزوار.
- تهديد المنشآت الحيوية المرتبطة بخدمة الحرمين، بما في ذلك مرافق الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات.
ولا يلزم لإدراك خطورة هذه النتائج إثبات أن منع الحج أو العمرة كان هو الهدف المقصود؛ إذ ينبغي التفريق بين القصد الذي يحتاج إثباته إلى أدلة، والآثار الخطيرة المتوقعة التي يجب مراعاتها عند اتخاذ القرار العسكري.
كما أن اعتراض الصاروخ أو المسيّرة قبل بلوغ الهدف لا يعني أن إطلاقها لم ينطوِ على خطر، وإن كان الاعتراض الناجح قد حال دون وقوع أضرار أكبر. فمجرد استخدام أسلحة بعيدة المدى في اتجاه منطقة تضم ملايين المدنيين والزوار يمثل تهديدًا بالغ الخطورة.
ولهذا لا يجوز أن تكون منطقة الحرمين ومداخل الوصول إليهما ساحة للصراع أو وسيلة للضغط السياسي والعسكري. فحرمة المقدسات وأمن قاصديها مصلحة دينية وإنسانية تتجاوز أطراف النزاع.
ثانيًا: الهجمات الصاروخية والمسيّرات الحديثة
في 27 أكتوبر 2016 أعلنت قيادة التحالف اعتراض صاروخ باليستي قيل إنه أُطلق من اليمن باتجاه منطقة مكة المكرمة، ودُمر على مسافة تقارب 65 كيلومترًا منها، دون أضرار معلنة.
وفي يوليو 2017 أعلنت السلطات السعودية اعتراض صاروخ آخر في محيط الطائف، وقالت إنه كان متجهًا إلى منطقة مكة.
وتجددت في السنوات التالية بيانات عن صواريخ ومسيّرات قرب مكة والمدينة. وفي أكتوبر 2026 أعلنت السلطات السعودية اعتراض صواريخ، وذكرت سقوط أجزاء من الصواريخ المعترضة في مواقع بمحيط مكة وجدة والطائف ورابغ (وهي أحد مواقيت الحج المكانية اليوم وميقات أهل الشام ومصر والمغرب والسودان ومن يمر بطريقهم، ويبعد عن مكة حوالي 186-204 كم.). كما وردت تقارير عن استهداف منشأة كهربائية في المدينة المنورة تغذي المسجد النبوي، دون إعلان إصابة المسجد نفسه مباشرة.
وتكشف هذه الوقائع عن خطورة استخدام الصواريخ والمسيّرات في مناطق قريبة من الحرمين؛ إذ قد يؤدي سقوطها أو اعتراضها إلى إصابة المدنيين، وتعطيل الطيران، وإلحاق الضرر بالمرافق الحيوية، وترويع الحجاج والمعتمرين والزوار. كما أن قرب مسارات هذه الأسلحة من مكة والمدينة يرفع احتمال وقوع كارثة واسعة، حتى في حال عدم إصابة المسجدين مباشرة.
واختلاف الروايات حول حادثة معينة لا يغير من وجوب حماية مكة والمدينة وقاصديهما من كل خطر عسكري[1].
ثالثًا: مواقف الهيئات العلمية والشرعية
تعددت الإدانات الصادرة عن مؤسسات علمائية وشرعية، بما يعكس المكانة الجامعة للحرمين في وجدان المسلمين، ومن أبرز الجهات التي أدانت الحادث أو التهديدات المرتبطة به:
- الأزهر الشريف: أدان إطلاق الصاروخ المعلن عن توجهه نحو مكة، ووصف الحادثة بأنها اعتداء خطير على مشاعر المسلمين، كما أدان التهديدات التي تمس أمن الحرمين وقاصديهما.
- دار الإفتاء المصرية: أدانت إطلاق الصاروخ، وأكدت أن ترويع الآمنين وتهديد الحرم المكي أمر بالغ الخطورة.
- مجمع الفقه الإسلامي الدولي: أدان محاولة استهداف مكة، وأكد حرمة البيت الحرام وضرورة حماية أمنه.
- الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: أدان تعريض الحرمين للخطر، وشدد على وجوب صيانة المقدسات.
- رابطة العالم الإسلامي: أدانت محاولات الاستهداف المعلنة، وجددت رفضها لتعريض منطقتَي مكة والمدينة للخطر.
- منظمة التعاون الإسلامي: أدانت التهديدات التي طالت مكة، ودعت إلى حماية المقدسات.
- هيئة كبار العلماء السعودية: أكدت حرمة تعريض الحرمين وقاصديهما للخطر.
- مجلس التعاون الخليجي: أدان الهجمات المعلنة التي تهدد أمن مكة والمدينة والمنشآت المدنية.
- مجلس وزراء الداخلية العرب: أدان التهديدات والهجمات التي تعرض أمن الحرمين والمدنيين للخطر.
- هيئة علماء اليمن: أدانت محاولات الاستهداف المعلنة، وأكدت ضرورة حماية المقدسات.
- هيئات علمائية في باكستان والهند وإسبانيا وإفريقيا وأوروبا: أصدرت بيانات ترفض المساس بحرمة مكة والمدينة وتدعو إلى حماية الحرمين.
وتجدر الإشارة إلى أن بعض البيانات صدرت في مناسبات سابقة، وبعضها ارتبط بتطورات لاحقة؛ لذلك ينبغي الرجوع إلى النص الأصلي لكل بيان عند الاستشهاد به، وعدم اعتبار جميع المؤسسات قد أصدرت بيانات مستقلة عن كل حادثة[2].
رابعًا: الدلالات الشرعية والإنسانية
تكشف هذه المواقف عن جملة من المعاني المهمة:
أولًا: حرمة الحرمين قضية إسلامية جامعة. فأمن مكة والمدينة لا ينبغي أن يخضع للخصومات السياسية، وحماية المقدسات ليست شأنًا محليًا محضًا.
ثانيًا: أمن قاصدي الحرمين جزء من حرمتهما. فلا يكفي تجنب إصابة المسجدين مباشرة إذا كانت العمليات العسكرية تعرض الحجاج والمعتمرين للخطر أو تهدد المرافق التي يحتاجون إليها.
ثالثًا: الصواريخ والمسيّرات تهدد المدنيين حتى عند اعتراضها. فقد تسقط الشظايا في مناطق مأهولة، أو تتعطل الرحلات، أو تتضرر المنشآت الحيوية، أو ينتشر الذعر بين الزوار.
رابعًا: اختلاف الروايات لا يلغي أصل الحرمة. فقد تختلف المعلومات حول تفاصيل حادثة معينة، لكن ذلك لا يغير وجوب التحقيق فيها ومنع تكرارها وصيانة أمن الحجاج والمعتمرين.
خاتمة:
إن الاعتداءات التاريخية التي شهدتها مكة والمدينة، وما ترتب على بعضها من قتل وجرح وتضرر للمقدسات وتعطيل للشعائر، تؤكد خطورة تحويل الحرمين أو محيطهما إلى ساحة للصراع.
كما أن تعدد الإدانات الصادرة عن الأزهر ومجامع الفقه والهيئات العلمائية والمنظمات الإسلامية في بلدان مختلفة يدل على أن أمن الحرمين وقاصديهما قضية دينية وإنسانية ذات اهتمام عالمي.
والواجب اليوم هو تحييد مكة والمدينة ومداخل الوصول إليهما عن الصراعات، وحماية الحجاج والمعتمرين والمدنيين، وعدم تعريض المطارات والمرافق المدنية للخطر، مع توثيق كلِّ حادثة والتحقق من تفاصيلها ونسبة المسؤولية عنها بأدلة موثوقة.
فالحرمان الشريفان مقصد المسلمين جميعًا، وأمن قاصديهما واجب لا يجوز أن يصبح ورقة ضغط أو وسيلة لتصفية الحسابات السياسية والعسكرية.
[1] مصادر مختارة:
[2] - مصادر رسمية مختارة: الأزهر الشريف: بيان بشأن الصاروخ المتجه إلى مكة سنة 2016.
دار الإفتاء المصرية: إدانة إطلاق الصاروخ تجاه مكة . مجمع الفقه الإسلامي الدولي: بيان بشأن استهداف مكة.
رابطة العالم الإسلامي: أرشيف البيانات التضامنية . منظمة التعاون الإسلامي: الموقع الرسمي.
وكالة الأنباء السعودية: بيانات هيئة كبار العلماء والجهات الرسمية . وكالة سبأ: بيانات هيئة علماء اليمن.

د كمال بامخرمة
عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن
كاتب في مجلة المنبر اليمني.


