أولاً: تفنيد اتهام المتخلفين عن جبهات الحوثي بـ "القاعدين والمنافقين": الشرعية في الجهاد: لا يكون القتال "جهاداً شرعياً" تُذمّ المتخلف عنه إلا إذا كان تحت راية إمام شرعي ومعترف به، وفي سبيل إعلاء كلمة الله ودفع الصائل. أما القتال تحت راية جماعة انقلبت على التوافق الوطني ومؤسسات الدولة الشرعية، فهو قتال فتنة وبغي صريح.
حرمة المشاركة في البغي:
القتال مع ميليشيات طائفية تستهدف أبناء الشعب اليمني وتنفذ أجندات إقليمية غريبة عن الهوية اليمنية هو مشاركة في الإثم والعدوان. وبالتالي، فإن الامتناع عن الالتحاق بجبهات الحوثي ليس تخلفاً عن واجب، بل هو التزام شرعي بحرمة الدماء المعصومة ورفض للقتال في الفتنة.
تفنيد وصف أبناء مأرب وتعز بـ "المنافقين المستنجدين بالأعداء":
مبدأ دفع الصائل:
أبناء مأرب وتعز والمحافظات اليمنية يمارسون حقهم الشرعي والقانوني والأخلاقي في الدفاع عن أنفسهم، ودينهم، وأعراضهم، وممتلكاتهم ضد هجوم مسلح باغٍ يسعى لفرض السيطرة بقوة السلاح.
مشروعية الاستعانة بالأشقاء: الاستعانة بالأشقاء في دول التحالف العربي صُدرت بطلب رسمي ومكتوب من السلطة الشرعية في اليمن الممثلة بالرئيس والقيادة المعترف بها دولياً وإقليمياً. وتُعد هذه الاستعانة تطبيقاً لمبدأ الدفاع الشرعي الجماعي المكفول في الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية، وليست "استنجاداً بالأعداء"، بل استعانة بالحليف العربي والإسلامي ضد مشروع طائفي سلالي مرتبط بالخارج.
ثانياً: خطورة تنزيل الاتهامات على المخالف بقلب الأدلة والحقائق ("رمتني بدائها وانسلت"):
إن لجوء الخطاب الحوثي إلى رمي مخالفيه بأوصاف "النفاق" و"الارتهان للخارج" يمثل صورة جلية لقلب الحقائق وتنزيل الصفات على غير موضعها:
الوقوع في مسلك الخوارج: من أعظم مناهج الانحراف الفكري نزول الآيات التي قيلت في الكفار والمنافقين على المسلمين المخالفين في الرأي أو المنهج السياسي.
الارتهان الحقيقي للخارج: الجماعة الحوثية هي التي ارتهنت مشروعها وقرارها العسكري والسياسي بالنفوذ الإيراني، وتنفذ استراتيجيات إقليمية تمس بأمن المنطقة، ثم تتهم المدافعين عن شرعية دولتهم بالارتهان.
الجريمة المزدوجة (تجنيد الأطفال والافتراء): في الوقت الذي تصف فيه الجماعة الرافضين لقتالها بالنفاق، تمارس أفظع الجرائم بحق المجتمع اليمني عبر شحن الأطفال وتجنيدهم قسراً وإقحامهم في النزاعات المسلحة، وهو ما تصنفه الشريعة جريمة بالغة وتصنفه القوانين الدولية جريمة حرب.
إشعال الفتن واستباحة الدماء: إن إسباغ وصف "النفاق" و"الخيانة" على مدن كاملة (كمأرب وتعز) يُستخدم كمبرر إيديولوجي لشرعنة حصارها، وقصف أحيائها السكنية، وقتل أبنائها تحت شعارات دينية محرّفة.
ثالثاً: التفسير الصحيح للآية الكريمة وخطأ تنزيلها على الرافضين للفكر السلالي
قال الله تعالى:
﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 90]
1. أسباب النزول والسياق القرآني الصحيح
نزلت هذه الآية الكريمة في سياق غزوة تبوك (ساعة العسرة)، حيث كان النفور بأمر مباشر صريح من رسول الله ﷺ وهو ولي الأمر الشرعي والأنبياء المعصوم.
"الـمُعَذِّرُونَ": هم الذين جاؤوا يقدمون أطراف الأعذار للرسول ﷺ ليأذن لهم في القعود.
"وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ": هم المنافقون الذين قعدوا في مدينتهم دون عذر ولم يأتوا حتى للاعتذار، أظهرو الإيمان وإضمار الكفر.
2. بيان بطلان التنزيل الحوثي للآية
غياِب شرط الولاية الشرعية: الرسول ﷺ كان الإمام المعصوم والحاكم الشرعي للأمة. أما قيادة الميليشيا الانقلابية فليست سلطة شرعية ولا إماماً مطاعاً، بل هي طائفة بغت على السلطة الشرعية وشقّت عصا الطاعة.
تباين طبيعة المعركة: الغزوة في زمن النبي ﷺ كانت في سبيل الله وتحت راية الحق. أما المعارك التي تخوضها الجماعة الحوثية فهي معارك للبغي، والتوسع السلالي، وفرض نظرية "الحق الإلهي في الحكم"، وتجريف الهوية الوطنية اليمنية لصالح المشروع الإيراني.
فقه القعود عن الفتنة:
يوجب الشرع الحكيم الاعتزال والقعود عن قتال الفتنة وبغي الطوائف. فالامتناع عن القتال مع الحوثي هو طاعة لله ولرسوله بحفظ الدماء وصونها، وليس قعوداً مذموماً كما تدعي الميليشيا.
رابعاً: المرجعية القانونية والشرعية لصد العدوان وتدخل التحالف
الاستجابة لطلب الرئيس الشرعي (حق الدفاع الجماعي):
استند التدخل العسكري لدعم الشرعية في اليمن (عاصفة الحزم وإعادة الأمل) إلى الطلب الرسمي المكتوب الموجه من الرئيس اليمني الشرعي إلى خادم الحرمين الشريفين وقادة دول مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية في مارس 2015م، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة والمادة (2) من اتفاقية الدفاع العربي المشترك.
قرارات مجلس الأمن وميثاق الأمم المتحدة:
أكدت قرارات مجلس الأمن الدولي (ولاسيما القرار 2216) على الشرعية الدستورية للحكومة اليمنية، وفرضت العقوبات وحظر التسليح على الميليشيات الانقلابية، معتبرة الانقلاب تهديداً للأمن والسلم الإقليميين والدوليين.
حرمة البغي والمشروع السلالي:
تؤكد قواعد الشريعة ومقاصدها حرمة "البغي" والخروج المسلح على مؤسسات الدولة، ووجوب صد "الصائل" المعتدي على النفوس والأموال. كما ترفض الشريعة كافة الدعاوى السلالية والطائفية التي تستبدل المواطنة والكفاءة بادعاءات الحق الإلهي أو النسب.
الحواشي والمراجع
-------
ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر. تفسير القرآن العظيم. دار طيبة للنشر والتوزيع، 1999م، مجلد 4، ص 198-202 (تفسير سورة التوبة: آية 90).
القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد. الجامع لأحكام القرآن. دار الكتب المصرية، 1964م، مجلد 8، ص 228-232.
ميثاق الأمم المتحدة. المادة (51) المتعلقة بحق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي عن النفس.
مجلس الأمن الدولي. القرار رقم 2216 (2015) الصادر بتاريخ 14 أبريل 2015م، بشأن حظر توريد الأسلحة للميليشيات ودعم السلطة الشرعية في اليمن.
اتفاقية الدفاع العربي المشترك وميثاق جامعة الدول العربية. القرارات الوزارية والقمم العربية الصادرة في مارس 2015م ب شأن الاستجابة لطلب الرئيس اليمني.
مكتب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بالأطفال والنزاع المسلح. تقارير تجنيد واستخدام الأطفال في النزاعات المسلحة والقانون الدولي الإنساني.
البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، والمادة (8) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (جريمة تجنيد الأطفال).

عمار بن ناشر العريقي
عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن
كاتب في مجلة المنبر اليمني.



