وفي اليمن، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا مع تجربة عصابة الحوثي، التي لم تعتمد على القوة العسكرية وحدها في بناء نفوذها، بل أولت الخطاب الديني والإعلامي والتعليمي، والمراكز الصيفية، والدورات الثقافية أهمية كبيرة في صياغة الوعي العام لأتباعها، واستخدمت الجماعة كل وسيلة (من الخطب، والمنشورات، والمناهج، والبرامج الثقافية، والمراكز الصيفية وغيرها) لنشر خطابها الأيديولوجي، وتعزيز حضورها الفكري.
ومن هنا فإنّ السؤال لم يعد: هل للعلماء والدعاة دور في مواجهة الحوثي؟ بل أصبح السؤال: كيف يمكن للعلماء والدعاة أنْ يؤدوا هذا الدور بكفاءة ومسؤولية، وأنْ يحوّلوا العلم الشرعي من موقف دفاعي مؤقت إلى مشروع متكامل لتحصين المجتمع والأجيال؟
المعركة الحقيقية تبدأ من تصحيح الفكر:
حين تستطيع جماعة سياسية أنْ تُقنع الإنسان بأنّ طاعتها جزء من دينه، بل هي الدين كله، وأنّ مشروعها السياسي يُمثل الحق الإلهي وحده دون غيره؛ فإنها تكون قد تجاوزت حدود العمل السياسي إلى إعادة تشكيل علاقة الفرد بدينه، وفكره، ومجتمعه، وهنا تكمن خطورة المعركة الفكرية؛ فالإنسان الذي يحمل تصورًا فكريًّا مختلطًا بالولاء السياسي يصبح أكثر استعدادًا لقبول الإقصاء، ورفض المخالف، وتبرير العنف، والنظر إلى الخصومة السياسية باعتبارها خصومة دينية.
ومن هنا، فإنّ الدفاع عن العقيدة لا يعني الدخول في خصومة مذهبية مع المجتمع، ولا مواجهة مذهب بمذهب، وإنما يعني استعادة المعنى الصحيح للدين، والفصل الواضح بين الإيمان الذي هو ملك وحق للأمة، والمشروع السياسي الذي هو نتاج اجتهاد بشري قابل للنقد والمراجعة، والخطأ والصواب، والحق والباطل، فالعَالِمُ ليس خطيبًا فحسب، بل صاحب رسالة كبيرة، وحارسًا أمينًا للوعي.
وفي مثل هذه الظروف لا تكفي خطبة أسبوعية تحذّر من الخطر الحوثي ثم ينتهي الأمر، بل العالِم والداعية مطالبان اليوم بأنْ يكونا باحثين، ومربين، ومفكرين، وحاضرين في المجال الإعلامي والرقمي، قادرين على فهم الأسئلة التي يطرحها الشباب، ومناقشة الشبهات التي تصل إليهم، وتقديم الإجابات بلغة ميسرة يفهمها الجميع.
لقد تغيرت طبيعة الجمهور …
فالشاب اليمني اليوم قد يستمع إلى خطبة أو محاضرة في مسجد، ثم يشاهد عشرات المقاطع خلال اليوم نفسه على هاتفه، وقد يتلقى خلالها روايات دينية مكذوبة، وتاريخية مزورة، وسياسية متناقضة، ولهذا فإنّ ترك الفضاء الرقمي للمحتوى الدعائي الحوثي يعني عمليًّا التخلي عن جزء مهم جدًّا، وساحة رحبة من معركة الوعي المهمة، والمطلوب هو إنتاج محتوى علمي جذاب: مقاطع قصيرة، حوارات هادفة، حلقات بودكاست مركزة، كتب إلكترونية، أسئلة وأجوبة، رسائل توعوية تستطيع الوصول إلى الشباب بلغتهم وأدواتهم.
وقد أدرك المشروع الحوثي مبكرًا أهمية التركيز على هذه الوسائل، فاستغلها أسوأ استغلال، وعبث بعقول شريحة واسعة من أبناء الشعب اليمني، لا سيما في المناطق التي ترزح تحت وطأة الجهل والخرافة منذ قرون، فقد وثقت دراسات لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية تغييرات في المناهج والأنشطة التعليمية في المناطق الخاضعة للحوثيين، وربطت بينها وبين محاولات نشر أيديولوجية الجماعة. كما أشارت التقارير إلى توظيف المدارس والمراكز الصيفية والأنشطة الثقافية في التأثير على الأطفال والشباب بصفة خاصة.
وفي دراسات أخرى، أشار مركز صنعاء إلى أنّ المراكز الصيفية أصبحت إحدى الوسائل التي تُستخدم في التأثير الأيديولوجي على الأطفال، وأنّ بعض عمليات التجنيد تبدأ من حملات التأثير في المدارس والمراكز الصيفية، وهذه الحقيقة تطرح على العلماء والدعاة سؤالًا كبيرًا: أين مشروعكم الموازي في بناء الإنسان اليمني؟
إذا كان هناك من يستثمر الإجازة الصيفية في تشكيل وعي الطفل، فينبغي أن يكون هناك مشروع علمي وتربوي بديل يُحصّن الطفل، ويعلمه القرآن والعقيدة الصحيحة، والأخلاق الحميدة، والتربية الفاضلة، والتاريخ المشرق للأمة، والتفكير النقدي، دون تحويل التعليم الشرعي إلى أداة تعبئة سياسية.
الشباب.. هم الميدان الأخطر في معركة الوعي.
إن الشاب الذي لا يجد إجابة عن أسئلته في المسجد أو المدرسة أو البيت، سيبحث عنها في مكان آخر، والأفكار المتطرفة لا تدخل دائمًا من الأبواب الكبيرة، فقد تبدأ بسؤال صغير، ثم شبهة معينة، ثم مقطع قصير، ثم مجموعة إلكترونية، ثم تنتهي بقناعة كاملة، لذلك يجب أنْ يتحوّل الخطاب الدعوي من خطاب الوعظ التقليدي وحده إلى خطاب التحصين الفكري، فينبغي أن يتعلم الشباب:
- كيف يقرؤون النصوص الشرعية.
- كيف يفرقون بين النص المعصوم والتفسير البشري؛ أو قل: بين الدين المنزل، والدين المؤول.
- كيف يميزون بين العقيدة والموقف السياسي.
- كيف يتعاملون مع الروايات التاريخية، وما داخل بعضها من تزويق وتزوير.
- كيف يكتشفون الدعاية والشائعات.
- كيف يرفضون تحويل الدين إلى أداة للهيمنة والاستعلاء.
إنّ بناء العقل القادر على السؤال والنقد والفهم هو أحد أقوى أشكال الوقاية من الاستقطاب والوقوع في شراك أهل الفتنة، ولا بد من تفكيك الفكرة، ومعرفة الحق والباطل بقطع النظر عمن فعله أو قال به، حتى تصبح القداسة وحدها للنص المعصوم وحده، وأما البشر فكلٌّ يؤخذ من قوله ويردُّ إلا المعصوم -صلوات الله وسلامه عليه-.
ومن الأخطاء التي ينبغي تجاوزها، أنْ يكتفي الخطاب الشرعي بوصف الخصم بأنه ضال مُضِل، دون أنْ نشرح للناس لماذا هو كذلك، وما هي أصول ضلاله، ودلائل انحرافه، وخطورة مسلكه وأفعاله على نفسه والمجتمع من حوله؟ فالفكرة لا تسقط بمجرد إطلاق الأوصاف عليها؛ بل ببيان حقيقتها، وقربها من الحق أو بعدها منه.
وإذا طُرحت شبهة، ينبغي تحليلها، والإجابة عنها بما يشفي ويكفي، ولا يجوز أن تكون الشبهة نقدًا، والإجابة عليها نسيئة، وإذا استُدل بنص فينبغي بيان سياقه، ودلالته، ووضعه في موضعه الصحيح. وإذا قُدمت رواية تاريخية، ينبغي فحصها، ومقارنتها بالمصادر الموثوقة قبل عرضها.
وإذا قيل للناس: إنّ الولاء لجماعة معينة هو جزء من الدين، فينبغي أن يُشرح لهم الفرق بين طاعة الله ورسوله، والولاء العام لعموم المؤمنين، ثم الولاء الخاص لبعضهم واستحقاقهم لذلك، وبين طاعة أي قيادة بشرية بحسب قربها أو بعدها من هذه الدائرة. هذه هي وظيفة العالِم والداعية: أن يجعل الناس يفهمون، لا أنْ يجعلهم يُردّدون.
توحيد العلماء ضرورة وليس ترفًا.
من أخطر ما يمكن أنْ يحدث في مثل هذه المعركة أن ينشغل العلماء والدعاة بخلافاتهم الداخلية، بينما يعمل المشروع المقابل على بناء نفوذه، ولا يعني توحيد الصف العلمي إلغاء المذاهب أو الاجتهادات، ولا يعني أيضًا فرض رأي واحد في كل المسائل المختلف عليها، وإنما الاتفاق على الثوابت الكبرى، وعلى حرمة الدماء، ورفض الاستبداد، ورفض توظيف الدين لاحتكار السلطة، وحماية المجتمع من الطائفية والتطرف المذهبي، وهو ما يعني: توحيد الموقف والرؤى لا توحيد الرأي. وقد أظهرت كل التجارب السابقة أنّ تشتت الخطاب الشرعي يضعف قدرته على التأثير، بينما يحتاج المجتمع في أوقات الأزمات إلى صوت علمي رصين، يستطيع أنْ يجمع ولا يفرق، ويصحح ولا يحرض.
المنبر .. سلاح ذو حدين:
للمنبر تأثير لا يمكن الاستهانة به، لكن المنبر الذي يبني الوعي يمكن أن يتحول، إذا أُسيء استخدامه، إلى وسيلة لإنتاج الكراهية، كما هو واقع هذه المليشيات التي استغلت وشغلت كل منبر شاغر خلّفه الاختلاف والتنازع. والمنبر اليوم لم يعد منبر المسجد وحده، بل تعدّدت وتنوّعت المنابر كما سبقت الإشارة، ولهذا فإنّ مواجهة المشروع الحوثي لا ينبغي أن تكون ذريعة للتحريض على فئات اجتماعية أو مذهبية بأكملها.
هناك فرق كبير بين أن تقول: نرفض مشروعًا سياسيًا يقوم على الاستعلاء والتمييز بمذهب أو نسب، وتوظيف الدين في الصراع، وبين أن تقول: نرفض أتباع المذهب الفلاني، أو المنطقة الفلانية، أو السلالة الهاشمية بأكملها؛ فالأول موقف فكري وسياسي مشروع، أما الثاني فهو دعوة طائفية وطريق إلى تفجير المجتمع من الداخل، وزيادة تشظيه، وتوسيع دائرة الصراع فيه.
وإذا كانت المشكلة عند الحوثي في توظيف الدين لتقسيم اليمنيين، فإنّ الحل لا يكون بتوظيف الدين أيضًا لتقسيمهم من الجهة المقابلة؛ فمواجهة الحوثي لا تعني بالضرورة مواجهة الزيدية كمذهب، ومحوه من الخارطة اليمنية، وصراع اليمنيين مع الحوثي ليس لكونه زيديَّ المذهب أو هاشمي النسب؛ بل صراعهم معه ضد عنصرية النسب وعنصرية المذهب، ولكونه جاء بمشروع عنف إقصائي هادم، يريد فرضه على الواقع بقوة السلاح، والاستعلاء به على الناس تحت دعوى الاصطفاء والحق الإلهي المزعوم.
والتفريق بين هذا وذاك من قواعد الوعي المجتمعي، فانتهاء المشروع الحوثي لا يعني انتهاء الفكر الزيدي، ولا زوال المدرسة الهادوية المتعصبة، ولا انقراض الأنساب وعدم الانتماء إليها من قبل المجتمع اليمني؛ فالمجتمع اليمني له تاريخ فكري ومذهبي متنوع، ولا يجوز اختزال جماعة سياسية في مذهب بأكمله، أو تحميل أتباع مذهب كامل مسؤولية ممارسات مليشيا سياسية مجرمة، حتى وإن كانت جذورها ومنطلقاتها الفكرية منه.
إن المعركة الحقيقية لا تقف عند قولنا للناس: احذروا الحوثي؛ بل في أنْ نبني جيلًا يعرف دينه وتاريخه ووطنه، ويمتلك من الرؤية والوعي ما يجعله قادرًا على أن يقول لكل مشروع يريد احتكار الدين أو المذهب أو الوطن: الدين أوسع من الجماعة، والوطن أكبر من المشروع، والإنسان أكرم عند الله من أن يكون وقودًا لصراع لا ينتهي.
أعود فأذكّر بأنّ معركة الوعي معركة مستمرة على الدوام وفي كل الأوقات، في السلم والحرب، وفي الأمن والخوف، وفي الشدة والرخاء، وأن مشروع العالم والداعية هو تعبيد الخلق للخالق العظيم جلّ وعلا، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وتعليم الناس طريق الوصول إلى هذه الغاية التي خلق الله لأجلها الجن والإنس، قال تعالى: ﴿وَما خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِيَعبُدونِ▫️ما أُريدُ مِنهُم مِن رِزقٍ وَما أُريدُ أَن يُطعِمونِ﴾ [الذاريات: ٥٦-٥٧].
وعمدة الداعية وسلاحه في ذلك هو الوحي المنزل المعصوم، الذي به يصول وبه يجول، وبه يخاصم، وإليه يدعو ويحاكم، ثم اتباع سبيل المؤمنين الذين سلكوا هذا السبيل، وقضوا بالحق، وبه كانوا يعدلون؛ فالوحي ليس نصوصًا تُتلى مجردة من واقعها، بل طريق سالك وسبيل معبّد، سار عليه سلف هذه الأمة وخيارها، ولا محيص عن سبيلهم، ولا بديل عن هديهم وسداد فهمهم لهذا الدين، قال تعالى: ﴿فَإِن آمَنوا بِمِثلِ ما آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهتَدَوا وَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّما هُم في شِقاقٍ فَسَيَكفيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّميعُ العَليمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَّسولَ مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى وَيَتَّبِع غَيرَ سَبيلِ المُؤمِنينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَت مَصيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وقال: ﴿أُولئِكَ الَّذينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقتَدِه قُل لا أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجرًا إِن هُوَ إِلّا ذِكرى لِلعالَمينَ﴾[الأنعام: ٩٠]، وقال: ﴿ثُمَّ أَوحَينا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِع مِلَّةَ إِبراهيمَ حَنيفًا وَما كانَ مِنَ المُشرِكينَ﴾ [النحل: ١٢٣].
إذن، فطريق السلوك واضح، وهو اتباع سبيل المؤمنين، وعلى رأسهم صدر هذه الأمة من الصحب الكرام وأتباعهم بإحسان، ولا خروج للأمة من هذه الفتن والشذوذات الفكرية والانحرافات السلوكية، إلّا بالعودة إلى الواقع التطبيقي الأول لعصر هذه الرسالة، وترك ونبذ كل الطرق والمذاهب والفرق المنحرفة عنها، والمخالفة لها، واعتبار الميزان الوحيد الذي تقاس به كل الطرق هو: (ما أنا عليه وأصحابي)؛ أي: ما كان عليه النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم، وأصحابه الكرام رضي اللهُ عنهم.
وكل خير في اتباع مَن سلف *** وكل شر في ابتداع من خلف.