بدأت ملازم الهالك حسين الحوثي بالظهور عام 2002-2004م، وهي في أصلها محاضرات مسجَّلة كان يلقيها الهالك حسين بدر الدين الحوثي على مجموعة من أتباعه في منطقة مرَّان بصعدة، ثم نُسخت ودُوِّنت ورقيًّا لتتحول إلى ملازم مطبوعة ذات صبغة مرجعية ليسهل تداولها سرًّا في البداية وتتدارس في أي مكان بخلاف أشرطة الكاسيت التي هي بحاجة إلى وسائط أخرى لاستعراضها.
وقد انتشرت هذه الملازم ابتداء في بيئة أصابها وباء الثورة الخمينيَّة. ولصناعة قداسة لهذه الملازم أطلقوا على صاحبها (القرآن الناطق)، وروَّجوا لفكرة أن الهالك حسين الحوثي هو القرآن الناطق، وأن ملازمه هي التفسير الوحيد والمنجِّي للأمَّة وللناس في زمن التيه حسب زعمهم.
وبعد أن اجتاح الحوثيون صنعاء في نهاية 2014 لم يكتفوا بنشرها، بل فرضوها فرضًا وسعوا إلى إحلالها محل المناهج الدراسية، ومناهج الجامعات، ودروس المساجد، وحتى الدورات العسكرية، حتى أصبح قياس إيمان الفرد وموالاته للحوثيَّة مرتبطًا بمدى استيعابه لما ورد في هذه الملازم وتبنيها، فهي ليست مجرد أدبيات وتعليمات وتوجيهات عابرة أو وجهات نظر وصل إليها صاحبها، بل هي أشبه بدستور موازٍ صُمِّم لاختطاف العقل اليمني وعزله عن محيطه الإسلامي والتاريخي. وبفحص محتوى هذه الملازم وما ورد فيها من تأويلات فاسدة للنصوص أو توظيفها سياسيًّا وطعن صريح في مسلماتنا وثوابتنا نجد أنها جزء من مشروع فكري تدميري يستهدف بنية الأمَّة في عقيدتها وقيمها، ورموزها، وسرديتها التاريخية.
تحليل هذه النصوص يكشف عن بنية خطابية مركَّبة تجمع بين التأويل الديني المؤدلج، والسرديات التاريخية الانتقائية الخبيثة، كما أنها تستهدف بناء هوية جمعية مغلقة تقوم على فكر طائفي، إضافة إلى صناعة عدوٍّ دائم، وإعادة تشكيل الرموز الدينية والتاريخية.
لمحة عامة عن الخطاب في الملازم
تقوم الملازم الحوثيَّة على خطاب يقدِّم العالم في صورة صراع كوني بين محور الحق ومحور الشر، ويُعاد إنتاج هذا الصراع بتصوير الأمَّة الإسلامية بأنها مخترقة أو منحرفة أو مختطفة، مع تقديم أنفسهم بأنهم الفرقة الناجية التي تتفوَّق حتى على الصحابة -رضوان الله عليهم- في معرفة الحق والنجاة من حبائل النفس والشيطان والهوى. يضاف إلى ذلك أن الملازم تحرص على ربط الأحداث السياسية المعاصرة بنبوءات أو تأويلات نصوص ينسبونها إلى عليِّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- زورًا وبهتانًا، أو روايات عن أئمتهم؛ وهو خطاب يُنتج حالة استنفار دائم، ويُسهِم في تبرير العنف الرمزي الذي يستهدفون به رموز الأمَّة بعنف لفظي عدواني نلحظه في هجومهم من المنابر على صحابة رسول الله الذين يرونهم خالفوا الوصية واعتدوا على حق أهل البيت بزعمهم. وهذا العدوان على الرموز قادهم إلى عدوانيّة ماديّة على المجتمع وكل من يخالفهم.
ومن يتصفح الملازم يلحظ بلا عناء خطاب الاصطفاء والتميُّز بسهولة، حيث تتكرر فيها فكرة أن الحوثيين يحملون مشروعًا إلهيًّا، وأنهم مكلَّفون بإحياء الدين الصحيح، في إشارة إلى أن الأمَّة ضلت وانحرفت منذ موت الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى اليوم. وهذا التصوير يحمل في أبعاده فرض القداسة لرموزهم.
هذا الخطاب يُعيد إنتاج مفهوم الولاية بصيغة سياسية وعقائدية، ويهدف إلى منح الحوثيين شرعية إلهية تندرج خصوصيتها ضمن ما يعرف بالحق الإلهيِّ، وغايتهم إقصاء بقية مكونات المجتمع من دائرة هذا الحق.
ومن سمات الخطاب في الملازم هو التحريض الطائفي وبناء الكراهية لكل مخالف، وتصوير الآخر خارج الجماعة الحوثيَّة كتهديد وجودي لها، حيث تتضمن الملازم لغة حادَّة تجاه مدارس الإسلام وجمهور المسلمين بشكل عام، وتُقدِّم الجهود العلمية للأمَّة باعتبارها سبب انحراف الأمَّة، ثم تقدِّمها أيضًا بصورة الأدوات الطيِّعة بيد قوى خارجية عدوة للأمَّة أو امتدادًا لخصومات قبلية تاريخية توارثها الصحابة ثم التابعون.
المخالفات العقائديّة في ملازم الهالك حسين الحُوثي
ملازم الهالك حسين الحوثي تخالف عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في أغلب جوانبها؛ لأنها تتبنى عقيدة المعتزلة والزيدية الجارودية، المخالفة لعقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في مسائل الأسماء والصفات وماهية كلام الله، والمشيئة والقدر، وهو ما يناقض أصول أهل الحق في هذه الأبواب وغيرها.
تعطيل الصفات
أوَّلًا: الملازم تلتزم منهجية التعطيل فتنفي الصفات الخبرية، ففي ملزمة معرفة الله - وعده ووعيده يرفض حسين الحوثي إثبات الصفات التي وردت في القرآن والسُّنَّة كالوجه، واليدين، والاستواء، والنزول، بل يعد ذلك تجسيمًا على منهج اليهود، ويتبنى منهج التأويل الكامل أو النفي، فيفسر اليد بالقدرة، والاستواء بالاستيلاء.
ويقول الهالك حسين الحوثي في ملزمة معرفة الله - وعده ووعيده - الدرس الأول والثاني: "إن القول بأن الله يُرى أو أن له جهة أو استواءً حقيقيًّا هو عقيدة يهودية دخلت على المسلمين لضرب تنزيه الخالق"، بينما يؤمن أهل السُّنَّة بإثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ضمن قاعدة القول في الصفات كالقول في الذات، فكما أن لله ذاتًا لا تشبه الذوات، فله صفات لا تشبه الصفات.
القول بخلق القرآن
ثانيًا: القول بخلق القرآن، حيث إنَّ عقيدة الملازم مبنية على القول بأنَّ القرآن مخلوق وليس كلام الله الذي هو صفة من صفات الله المتكلِّم بها.
ففي ملزمة سورة المائدة - الدرس الأوَّل وملزمة الهويَّة الإيمانيَّة، يقول الهالك حسين الحوثي ما نصُّه: "القرآن مخلوق من مخلوقات الله خلقه لهداية البشر".
فيما أجمع أهل السُّنَّة على أنَّ القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنَّ الله عزَّ وجلَّ متكلِّم بما شاء متى شاء، وصفة الكلام من صفات الكمال، ونفيها عن الله يُعدُّ نقصًا تعالى الله عن ذلك.
نفي رؤية الله عزّ وجلّ في الآخرة
ثالثًا: نفي رؤية الله في الآخرة، ينفي حسين الحوثي صراحةً إمكانية رؤية المؤمنين لربهم في الجنَّة، معتبرًا ذلك مستحيلًا عقلًا ومستلزمًا للتجسيم والجهة، ويستدل بقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار)، ويؤوِّل الرؤية المقصودة في القرآن الكريم بأنها رؤية القلب أو رؤية الثواب، حيث يقول في ملزمة معرفة الله - الدرس الثالث: "يستحيل على الأبصار أن تدرك الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، والقول بالرؤية هو قول بالتجسيم والحد والمكان، وهذا محال في حق الله".
عقيدة أهل السُّنَّة أنَّ أعظم نعيم أهل الجنَّة هو رؤية وجه الله الكريم، لقوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)، كما أنَّ الأحاديث تواترت في إثبات الرؤية، كقوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر".
نفي قدر الله السابق للأفعال
الرابع: عقيدة القدرية ونفي التقدير السابق.
فيهاجم الحوثي في ملازمه بشدة مفهوم القضاء والقدر، كما يفهمه أهل السنة، ويرى أن القول بأن الله قدّر أفعال العباد هو ظلم وتبرير للطغاة، ويبالغ في إثبات إرادة العبد لدرجة تجعل فعل الإنسان خارجًا عن مشيئة الله وخلقه، وهي عقيدة القدرية (المعتزلة) الذين يقولون إن العبد يَخلُق فِعْل نفسه، يقول الهالك حسن الحوثي في ملزمة الثقافة المغلوطة وملزمة معرفة الله - وعده ووعيده - الدرس الخامس أن عقيدة القضاء والقدر عند أهل السنة هي صناعة أموية لتدجين الشعوب، ويقول: إن القول بأن الله قدر أفعال العباد وكلفهم ما لا يطيقون هو محض ظلم، والله منزه عن ذلك.
بينما يؤمن أهل السنة أن الإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان، ويتضمن الإيمان بأن الله علم الأشياء، وكتبها، وشاءها، وخلقها.
لا تعارض بين مشيئة الله ومشيئة العبد، قال تعالى: " وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين".
نفي الشفاعة
الخامس: نفي الشفاعة لأهل الكبائر، حيث يرى الحوثي أن من دخل النار من عصاة المؤمنين -أهل الكبائر- لا يخرج منها أبدًا، وينفي عنهم الشفاعة النبوية لإخراجهم، ويرى أن الشفاعة مقتصرة على زيادة الدرجات للمؤمنين الطائعين فقط، أما العصاة فهم مخلدون في النار كالكفار.
يقول الهالك حسين الحوثي في ملزمة معرفة الله - الوعد والوعيد - الدرس السادس والسابع: من دخل النار من عصاة الأمة لا يخرج منها أبدًا، وينفي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لإخراج الموحدين من النار، معتبرًا أن الشفاعة هي فهم خاطئ يجرّئ الناس على المعصية، في حين أن أهل السنة يؤمنون بأن الشفاعة حق، وهي ثابتة للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره في إخراج عصاة الموحدين من النار، لا يخلد في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
الملازم وكراهية رموز الأمة
تتضمّن الملازم تصويرًا بشعًا وتشويهًا بالغًا لعدد من الصحابة والتابعين، فتقدم أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة -رضي الله عنهم جميعًا- وأبا هريرة وغالبية الصحابة والتابعين بأنهم قوم لا خلاق لهم ولا مبادئ، وأنهم متشبّعون بالكراهية لرسول الله وأهل بيته، ويزعمون أن الصحابة انحرفوا بعد موت رسول الله، وأنهم منافقون حتى في حياة رسول الله، وهم بذلك يعتدون على رسول الله نفسه بهذه الأكاذيب من وجهين:
الوجه الأول: أنهم يعتقدون أن سيدهم الهالك حسن الحوثي أو غيره من قادتهم أنهم أكثر قدرة وحكمة من رسول الله في اختيار الزوجة المناسبة الوفية المؤمنة المخلصة. فزوجاتهم أفضل من حفصة وعائشة زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم بزعمهم.
الوجه الثاني: أنهم أكثر فِراسة ومعرفة وذكاء وقدرة على معرفة الرجال من رسول الله؛-حسب معتقدهم الخبيث- فقد جمع رسول الله حوله أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة وبقية الصحابة وامتدحهم وأثنى عليهم. وهؤلاء عند الحوثيين لا يصلحون لذلك، فعرفوهم أكثر من رسول الله المؤيد بالوحي والأقدر على معرفة الرجال واختيارهم، وهو من زكاه الله في كتابه، لكن الحوثيين يطعنون فيه باعتقادهم السوء في الصحابة.
الملازم وتشويه أعلام الأمة
تتضمّن الملازم الحوثية نقدًا لعلماء ومصلحين ومذاهب إسلامية كبرى، وتقديمهم بوصفهم منحرفين حاقدين على أهل البيت، أو متواطئين مع أعداء الأمة قديمًا وحديثًا، أو سببًا في ضياع الأمة.
الملازم وآثارها الاجتماعية والفكرية
1- تعزيز الانقسام المجتمعي
الخطاب الطائفي والتحريضي يؤدّي إلى تفكك النسيج الاجتماعي، وتآكل الثقة بين المكونات المجتمعية. وتسلّط الهويات المغلقة المؤدلجة يؤدي إلى انفجار دموي للصراع داخل المجتمع.
2- إضعاف المرجعية الدينية الوسطية
تُحقق الملازم ذلك عن طريق مهاجمة العلماء والرموز المجمع عليها والمذاهب الكبرى، حيث تُضعف الملازم المرجعية الإسلامية وأسسها العقائدية الصحيحة، وتستبدلها بمرجعية طائفية ضيقة منحرفة.
3- إنتاج ثقافة عدوانية
تصور الملازم المجتمع الذي يعيش فيه أتباع الحوثي بأنه مجتمع متآمر على أهل البيت، وعدو افتراضي دائم؛ وهو ما يغذي ثقافة الكراهية، ويبني في التابعين استعدادًا دائمًا للعنف والقتال والقتل وسفك الدماء تحت شعار الجهاد.
4- تحولت الملازم من مجرد أوراق إلى نظام تعليمي إجباري عبر ما يسمى بالدورات الثقافية أو فرض مضامينها في المناهج الدراسية.
5- أحدثت شرخًا اجتماعيًّا وعزلة ذهنية عزلت الحوثي التابع عن مجتمعه وأسرته وجعلته فردًا يغرد خارج السرب وينظر إلى مجتمعه بتطرف وريبة أكثر من نظرة المنتمي لداعش والقاعدة.
6- المتلقّي لدورات الملازم ينظر إلى مجتمعه وأسرته نظرة عدوانيّة، فيخرج بعضهم من الدورة التي لقَّنه فيها مرشدو الحوثي تعاليم الملازم رافضًا للمجتمع وأفكاره ممتلئًا بمشاعر الكراهية متحفزًا للعنف ضد كل من يرفض أفكاره الظلامية.
7- نشأت ظاهرة قتل الأقارب؛ لأن متلقي الملازم يعود ليجد أباه أو أمه أو إخوانه وأقاربه يرفضون ما تشرّبه من قناعات وأفكار فيصنفهم كفارًا، ويستحل دماءهم. وقد ذبح بعضهم أباه، وبعضهم قتل أمه. وبلغت إحصائيات قتل الأقارب على خلفية الدورات وتلقين أفكار الملازم أكثر من 160 حالة مصنفة ضمن العنف الأسري المبني على قناعات طائفية تكفيرية نشأت عن أفكار ملازم حسين الحوثي.
تحاول فرض العزل الذهني للمتلقي، حيث يُجبر الموظفون المدنيون والعسكريون على دخول معسكرات مغلقة لأسابيع، ويتم فيها قراءة الملازم وتكرارها لأيام وساعات طويلة في بيئة معزولة تمامًا عن العالم الخارجي، كما أن الحوثيين يقومون بالتلقين السمعي والبصري لمن يخضعونهم لدورات الملازم، ويتم عرض تسجيلات الفيديو والمحاضرات الصوتية الأصلية لحسين الحوثي؛ وغايتهم من ذلك خلق ارتباط عاطفي وروحي بين الأتباع والمؤسس، وتعويد الحاضرين على سماع هذه الأفكار وشبهها.

أحمد جحاف
كاتب وباحث
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





